«طوفان الأقصى» ومعركة الأغلبية الساحقة في العالم

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

يمثل اليمن حالة عربية إسلامية خاصة في علاقته بالقضية الفلسطينية؛ وهي علاقة متجذرة عبر تاريخ هذه المظلومية؛ ومثلت معركة طوفان الأقصى محفزًا لتجديد طاقات هذه الحالة.

صنعاء ـ «القدس العربي»: عشرات الدراسات وقف أمامها المؤتمر الثاني «فلسطين قضية الأمة المركزية» الذي أُختتم الخميس في صنعاء؛ وتوزعت الدراسات في ستة محاور، من بينها أوراق يمنية وأخرى تونسية، توقفت أمام معركة طوفان الأقصى بالدرس والتحليل في سياق استجلاء طبيعتها وخصوصيتها، وما تحقق منها بعد أكثر من ستة شهور.

ناقشت الدراسات واقع الأبعاد والدلالات، والأهداف والمآلات، واستراتيجيات الحدث، وصولًا إلى فهم طبيعة الصراع وما صار إليه اليوم باعتباره- حسب الباحث التونسي جهاد سعد- بين الأغلبية الساحقة في العالم ونخبة تصنع الحروب والأزمات؛ مؤكدًا أهمية تحويل الغضب العالمي والعربي والإسلامي إلى إنجاز سياسي تقترب معه الطبقات الحاكمة من نبض شعوبها والقيم الإنسانية الفطرية الجامعة.
من تلك القراءات، دراسة تناولت «الجغرافيا السياسية وعملية طوفان الأقصى» للباحث، مجاهد صالح الشعبي، المحاضر في جامعة صنعاء، والذي تناول أبعاد ودلالات الجغرافيا السياسية لعملية طوفان الأقصى، ودورها في إطالة صمود الشعب الفلسطيني، من خلال التأصيل لمفهوم الجغرافيا السياسية، وإبراز دورها في تنفيذ ونجاح عملية طوفان الأقصى؛ لكونها لعبت دورًا محوريًا في تنفيذ العملية وإطالة أمد الحرب الصهيونية على قطاع غزة، وإطالة حالة الصمود للشعب الفلسطيني.
وعملت الدراسة على الإجابة على السؤال: إلى أي مدى أسهمت الجغرافيا السياسية لقطاع غزة في تنفيذ ونجاح عملية طوفان الأقصى، وإطالة حالة الصمود لأنباء غزة؟
وتوصلت إلى عددٍ من النتائج – حسب الباحث- منها: إن الجغرافيا السياسية للقطاع لعبت دورًا محوريًا ومساعدًا للمقاومة الفلسطينية في تنفيذ ونجاح عملية طوفان الأقصى، وأن الجغرافيا السياسية بشقيها الطبيعية والبشرية للقطاع قد حددت مسار المعركة بين المقاومة وجيش الاحتلال، وأن عملية طوفان الأقصى قد غيّرت قواعد اللعبة السياسية والعسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لصالح المقاومة الفلسطينية الصامدة لأكثر من خمسة شهور على التوالي حتى الآن.
وأضاف: كما لعبت عملية طوفان الأقصى دورًا بارزًا في تغيير الجغرافيا السياسية التقليدية لصالح المقاومة الفلسطينية، وذلك من خلال تغيير الجغرافيا السياسية الإقليمية أولَا والدولية ثانيَا، كما أعادت العملية الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية على كل المستويات عربيًا وإقليميًا ودوليًا؛ ما يعني أن ما قبل عملية طوفان الأقصى ليس كما بعدها بكل تأكيد.

استراتيجيات الحدث

فيما ناقش المحاضر في جامعة الحديدة، محمد عبده كيال، «طوفان الأقصى دلالة التوقيت واستراتيجيات الحدث» مستهدفًا توضيح دلالة التوقيت للعملية، وأهميتها والتعرف إلى جديد استراتيجيات المقاومة الفلسطينية في تنفيذ عمليات طوفان الأقصى التي هدمت نظريات التفوق الإسرائيلي.
وتتبعت الدراسة وحللت الآراء التي نشرت في بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، وبعض التقديرات الأولية لبعض مراكز الأبحاث العربية والعالمية. وخلصت إلى ربط التوقيت بالوضع المعيشي والاقتصادي لقطاع غزة والأزمات التي يعاني منها جراء الحصار الصهيوني.
وأشار الباحث كيال إلى اعتبار البعض لاختيار المقاومة لهذا التوقيت إنما بقصد استنهاض الأمة وتذكيرها بأمجادها، حيث وافق توقيت طوفان الأقصى الذكرى الخمسين لانتصارات حرب تشرين الأول/أكتوبر1973 فيما ربط البعض التوقيت بالتحركات بالمنطقة، وما يتعلق بعملية التطبيع على اعتبار أن الطوفان إنما جاء لخلط أوراق تلك التحركات، التي رأت المقاومة الفلسطينية أن من شأنها القضاء على القضية الفلسطينية.
وفيما يتعلق باستراتيجيات الحدث؛ فأشارت الدراسة إلى أن الهجوم المفاجئ والاختراق مثل تحولًا استراتيجيًا على الصعيد العسكري. كما أكدت تغيير قواعد الصراع وبناء قواعد جديدة للاشتباك، ونقل المواجهات إلى عمق الأراضي المحتلة ولأول مرة منذ حوالي خمسين عاما.
وأشار الباحث إلى استراتيجية الخداع والتضليل التي تبنتها المقاومة، والتي نتج عنها إخفاق الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في كشف مخطط الهجوم وتوقيته.
وفي دراسة» طوفان الأقصى- الأهداف والمآلات» ناقش الباحث مشير عبد الحكيم اليافعي، المحاضر في كلية بلقيس اليمن للعلوم الصحية والتكنولوجيا بصنعاء، ما أحدثته العملية على صعيد الرأي العام العربي والعالمي على صعيد أهدافها ومآلاتها.
وقال: إن الصدمة التي أحدثتها عملية طوفان الأقصى للكيان الصهيوني الغاصب والغرب، وعلى رأسهم أمريكا، كانت أيضًا مربكة للمنطقة العربية شعوبًا وحكومات على الأقل للوهلة الأولى، وانتقل المجتمع العربي والإسلامي من حالة الارتباك إلى حالة النقاش حول أهداف العملية وتوقيتها وعواقبها، وما الواقع الذي سيكون عليه بعد هذه العملية.
ويضيف: ومن أجل وعي حقيقي ورؤية واضحة للحدث الذي يعتبر الأبرز والأهم والأكثر تأثيرًا على العالم، وليس المنطقة فقط أو القضية الفلسطينية، كان لابد من تحديد المرحلة التي وصل إليها الصراع العربي الإسرائيلي قبل عملية طوفان الأقصى، والمستقبل الذي كان يُرسم للمنطقة والقضية الفلسطينية، وما الخيارات التي كانت متاحة أمام الفلسطينيين؟ ثم تحديد أطراف الصراع والأهداف الاستراتيجية للأطراف قبل عملية طوفان الأقصى، ثم تحديد أهداف العملية المرسومة من قبل حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والفصائل الفلسطينية، وهو ما اشتغلت عليه الدراسة.
وأشار إلى أن من أبرز مآلات عملية طوفان الأقصى هي حالة العزلة التي بدأت تُفرض على الكيان الصهيوني نتيجة جرائمه وعنصريته، بالإضافة إلى الوعي العالمي بطبيعة الكيان الدموية الاستيطانية، ومظلومية الشعب الفلسطيني التي تتزايد شعبيتها بشكل كبير، وتداعيات ذلك على صعيد المكانة التي كان الكيان حريصًا طوال 75 عاما على تعزيزها على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته.

طبيعة الصراع

الباحث والاكاديمي التونسي، جهاد سعد، قال في دراسته «طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني وأبعاده وآفاق المواجهة الكبرى» إن طوفان الأقصى أظهرت أن الشعوب الغربية كانت تعيش تحت حصار علمي ومعلوماتي صارم، بسبب تحالف الاوليغارشية العالمية مع الحركة الصهيونية وكارتلات الإعلام الكبرى، سواء منها التقليدي أو الحديث المعتمد على منصات التواصل الاجتماعي؛ وبالتالي فالمعركة ليست بين الغرب والشرق، وليست صدامًا حضاريًا كما يقول هاتنغتون، بل هي معركة الأغلبية الساحقة في العالم المعاصر مع النخبة المستكبرة المسيطرة على مقدرات البشرية، والتي تصنع الحروب والأزمات لتبقى مديرة للعالم وأزماته.
ويضيف: «يكمن التحدي الأكبر الآن في التقاط الفرصة التي أتاحتها معركة طوفان الأقصى لتحويل الغضب العالمي والعربي والإسلامي إلى إنجاز سياسي يؤدي إلى تغيير نظم الحكم العالمية والإقليمية والقطرية، بحيث تقترب الطبقات الحاكمة من نبض شعوبها والقيم الإنسانية الفطرية الجامعة».
على المستوى الشعبي؛ يمثل اليمن من أقصاه إلى أقصاه حالة عربية إسلامية خاصة في علاقته بالقضية الفلسطينية؛ وهي علاقة متجذرة عبر تاريخ هذه المظلومية؛ ومثلت معركة طوفان الأقصى محفزًا لتجديد طاقات هذه الحالة، التي استنهضت إمكاناتها وجددت رؤاها، وتجلت متمسكة بالقضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة؛ وهو ما تعبّر عنه مئات وربما آلاف المسيرات، التي خرجت في عموم اليمن وما زالت تخرج حتى اليوم…ليمثل الشارع اليمني في حالته الفلسطينية الراهنة تجليًا واضحًا لمعركة طوفان الأقصى؛ ومثله كل الشعوب العربية التي استعادت تماسكها وتوازنها في علاقتها بالقضية المركزية، وباتت أقرب بكثير من حراك المقاومة، بعدما كانت قد ألفت وتآلفت مع الفعل المقاوم كأخبار تسمعها ولا توليها اهتمامًا؛ بفعل ما شهدته القضية الفلسطينية من مؤامرة بهدف تصفيتها ودفنها، وكان الهدف الأول هي علاقة الشعوب العربية بهذه القضية؛ وها هي هذه الشعوب تستعيد عنفوانها في علاقتها بفلسطين؛ لتسجل موقفًا يتجدد كل يوم، ومعه يتجلى موقف عالمي في عدد كبير من بلدان العالم؛ وهو ما كان ليكون لولا «طوفان الأقصى».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية