حفظ الأرشيف السينمائي المصري في ذاكرة الذكاء الاصطناعي

قبل عدة سنوات فقدت السينما المصرية جزءاً كبيراً من رصيدها الأهم المُتمثل في أفلام البدايات وأفلام الأبيض والأسود جراء التلف وسوء التخزين، ما أدى إلى ضياع الصورة والصوت كنتيجة حتمية للإهمال والافتقار إلى استخدام الأساليب العلمية والتقنيات الحديثة للاحتفاظ بالنسخ الأصلية من الأفلام.
وفي إحدى دورات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي إبان فترة رئاسة سعد الدين وهبة، طالب المُنتج الشهير جمال الليثي آنذاك وزارة الثقافة بالإسراع في ترميم الأفلام التالفة حفاظاً على التراث السينمائي، وصرح بأنه على استعداد لإهداء النسخ الأصلية الخاصة بالأفلام التي أنتجها وتعرضت للتلف بسبب عوامل التعرية إلى أي جهة لديها القدرة والخبرة لعمل الترميمات اللازمة، بدلاً من فقدان الأفلام نهائياً.
ورغم هذه الدعوة المُبكرة لم يلتفت أحداً في حينه لهذه الأزمة، إلى أن جاءت إحدى المؤسسات العربية وحصلت على حق استغلال الأفلام المصرية القديمة، وعرضها في قنواتها المُتخصصة نظير القيام بإصلاحها وصيانتها وعمل الترميمات اللازمة لها. وبالفعل حصلت المؤسسة العربية على حق الاستغلال، وقامت بترميم عدد كبير من الأفلام المصرية التراثية وبدأت في عرضها على قنواتها منذ فترة طويلة، وكان في ذلك إنقاذاً حقيقياً للتراث السينمائي المصري، إذ تمت المُعالجة على أكمل وجه، وعادت الأفلام المُتهالكة كأنها حديثة الإنتاج، وضوح في الصوت ونقاء في الصورة ومستوى عال من الجودة يسمح برؤية مُمتعة. بعد مرور فترة ليست قصيرة على المحاولة العربية الجادة لإنقاذ عدد كبير من الأفلام المصرية وإعادتها لحالتها الجيدة، فطن نجوم السينما المصرية الجُدد إلى خطورة تكرار أزمة تهالك الأفلام، وفساد نسخها الأصلية فشرعوا في استحداث طريقة مُبتكره لحفظ أرشيفهم السينمائي، عبر الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه التقنية لا تزال حديثة وعملية أرشفة الأفلام باستخدام وسائل الذكاء الاصطناعي، لم تتعد طور التجريب ولم يتم التأكد من كونها ملائمة تماماً لعملية حفظ الأفلام، إلا أن هناك من تحمس للفكرة وبدأ بالفعل في الاستخدام العلمي التقني الجديد لحفظ أرشيفه السينمائي الخاص.
وبالطبع، وحسب ما ذكرت بعض المصادر، أن الأكثر توجهاً للاحتفاظ بأفلامه من خلال الذكاء الاصطناعي هم النجوم الشباب الذين يطلعون باستمرار على أحدث التطورات التقنية في المجال السينمائي، خاصة ما يتصل منه بعملية الأرشفة والتكويد وغيرها من إجراءات التنفيذ التقني، التي تشبه إلى حد كبير الاحتفاظ بالمستندات والأوراق والصور والملفات وأرقام التليفونات عن طريق السحابة الإلكترونية التي توفر سُبل الحماية والأمان للمُصنف الفني، سواء من الضياع أو التلف أو السطو والسرقة.
ولأن النجوم المصريين البارزين الآن على الساحة الفنية معروفين فيمكن الإشارة إلى بعض الأسماء التي ورد ذكرها في حديث بعض المصادر حول هذه المُبادرة المهمة والمفيدة.
من بين الفنانين الواردة أسماؤهم في هذا الخصوص، خالد النبوي وكريم عبد العزيز وأحمد حلمي وأحمد عيد وأحمد السقا وآسر يسن وهند صبري ومنة شلبي، بالإضافة إلى أسماء أخرى لنجمات جيل الوسط كإلهام شاهين وليلى علوي وهالة صدقي وغيرهن.
هذا الاتجاه ربما يتحول إلى ظاهرة فنية عامة إذا ما نجحت التجربة وأثبتت جدواها فعلياً، لاسيما أن الغالبية العظمى من النجوم والنجمات لديهم رغبة قوية في الاحتفاظ بأعمالهم السينمائية بوصفها تُمثل تاريخهم الفني والإبداعي، وأن زمن النجومية مهما طال أمده سيتحول في وقت ما إلى تاريخ، وستتحول الأفلام بالضرورة إلى تراث بعد مرور سنوات شأنها شأن أفلام البدايات في السينما المصرية كفيلم «زينب» وفيلم «قبلة في الصحراء» على سبيل المثال وبقية أفلام الرواد مثل عزيزة أمير وآسيا داغر وبهيجة حافظ، والشقيقين بدر لاما وإبراهيم لاما ونجيب الريحاني وأنور وجدي وحسين صدقي وغيرهم.
اللافت في ما يُمكن تسميته بالظاهرة، أو الاكتشاف التقني الحديث والمتطور لحفظ التراث، أن الفكرة جاءت بالأساس من الأفراد بعيداً عن المؤسسات المضطلعة بحفظ الأرشيف السينمائي والمنوط بها البحث عن أفضل الوسائل لحماية التراث الفني من التلف والتحلل كي تبقى الذاكرة الوطنية للثقافة المصرية منتعشة وسليمة وبعيدة عن أسباب العطب وأمراضه. إن جُل ما تحمله رسالة الفنانين ومبادرتهم الرائدة هو، التنبيه إلى ضرورة مواكبة التطور التكنولوجي المُذهل في عملية الأرشفة السينمائية وتخلي المؤسسة الثقافية الرسمية عن الأساليب التقليدية في القيام بمهمتها تجاه التراث الفني المصري وحمايته، بدراسة تجربة الذكاء الاصطناعي في هذا الجانب ومحاولة تعميمها لتُصبح هي الأكثر فعالية وضماناً لاستمرار بقاء الأرشيف الفني على حالته كمكون ثقافي مُفيد للأجيال القادمة فهو بمثابة مراجع علمية يتم الرجوع إليها وقت الحاجة، فضلاً عن أنه إبداع يتعين على جميع الجهات المُختصة المحافظة عليه.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية