الأصل في مهنة المذيع أنه مسير لا مخير، لو تعطلت السماعة، أو سقطت من أذنه، فسوف «يضرب لخمة»، و»يحتاس حوستي» عند نزولي لمحطة مصر لأول مرة، لأنه ينقطع عنه الوحي، إلا من رحم ربي، ومن هنا يمكن فهم تحول مذيع قناة «مصر الإخبارية»، إلى خطيب سياسي، يوشك أن يدعو الجيوش إلى النفير العام!
قبل أن يتحفنا بالخطبة الحماسية هذه، فقد ذكر المذيع اسمه، لكني نسيته، فلعلها المرة الأولى التي أشاهده فيها على الشاشة «والعتب على النظر»، وإذ به – يا ولداه – ينطلق كالصاروخ بمناسبة ذكرى النكبة، وهو يتحدث عن المحتلين، الذين جاءوا من شتات الأرض، وأدمج بعض أبيات أمل دنقل ضمن خطابه، وإن تحاشى الأبيات الخاصة بالنهي عن الصلح، فالقصيدة بعنوان «لا تصالح»، وأهل الحكم، يتمسكون بمعاهدة السلام مع إسرائيل، ويعضوا عليها بالنواجذ، حتى بعد الإعلان عن أن الصديق الإسرائيلي قام باختراقها مؤخراً، وتم رفع علم الكيان في معبر رفح!
واللافت هنا أن هذه الخطبة جاءت بعد إعلان رئيس المجلس الأعلى للإعلام، أن هذه حرب لا ناقة لمصر فيها ولا جمل، وبعد وصلة ردح من مذيعة المرحلة، وهي تغني وترد على نفسها، بأن على من يقول لماذا لا يحارب الجيش المصري؟ أن يحاربوا هم. ولا نعرف من الذي قال؟ وعلى من ترد الفتاة؟ وتبدو كما لو كانت الحدود مفتوحة للسائلين أين الجيش المصري؟ لكي يُطلب منهم أن يحاربوا هم، ولماذا لا تتبنى الدعوة لفتح المعبر لمن يريد حتى لا يسأل عن الجيش المصري مرة أخرى؟ وأنا على ثقة أن هذا لو حدث فسوف يكون الجيش العربي الشعبي أوله في غزة وآخره، ليس عند فخر السيناوية، ولكن في القاهرة.
وما دام هذا ليس في مقدور القوم، فلا بد من وقف هذا الخطاب البغيض ضد الأشباح الذين يطلبون بتدخل الجيش المصري، والمعركة ليست في حاجة لجيوش نظامية، فالقادة الإسرائيليون يقولون إن جيشهم الباسل يواجه تحدياً غير مسبوق، ولاحظ غير مسبوق هذه. وهو ما لم يواجهه عندما اشتبك بالجيوش العربية، التي تمثل نخبة قوتها العسكرية.
يقول شهود عيان، إن مذيع «القاهرة الإخبارية» سبق له أن ردد مقولات مذيعة المرحلة، وعندما يتحول الآن، ويصبح مذيع «صوت العرب» أحمد سعيد، فالمسألة أكبر من مذيع هو في الأولى والآخرة مسير لا مخير، يصله التوجيه عبر جهاز السامسونغ، ونحن نقر أن المستوى الثقافي لمرسل الرسالة قد تطور، يكفي أنه عرف أمل دنقل، صاحب «لا تصالح وإن منحوك الذهب… الخ»!
وخطاب المذيع الموصوف يعد تطوراً مفاجئاً، لا سيما وأن قناة «القاهرة الإخبارية»، مملوكة ملكية خاصة لأهل الحكم، وهي إلى الآن «آخر العنقود»، في سلالتهم الإعلامية، الأمر الذي يؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها!
إذا عُرف السبب بطل العجب، فنتنياهو باع القوم في محمد محمود، وعندما وافقت حركة حماس على الورقة المصرية، وعلى ضمانة أولي الأمر في القاهرة، وضعهم نتنياهو في حرج بالغ، ثم أقدم على استهداف رفح، ووضعت القوات الإسرائيلية يدها على المعبر من الجانب الفلسطيني، بما يمثله من بيزنس، على النحو الذي أفقد فخر السيناوية مبرر وجوده، وصار لا معنى لتمرير شرعيته، كحميدتي جديد في المنطقة!
هذا بجانب الاتجاه الأمريكي لبناء ميناء بحري، وعندما تلقي الحرب أوزارها ستبدأ عملية الإعمار، وما كان مقرراً دخوله من المعبر، وما تقرر خروجه منه، سيكون من الميناء، لينتهي دور المعبر كآخر ما تبقى من دور للقاهرة في المنطقة.. فماذا في أيديها من أوراق؟!
ولعل ما يحز في نفوسهم، هو أن نتنياهو لم يعبأ بهم، رغم ما قدمه القوم له فلم يقصروا في حصار غزة، ولم يجد الجنرال غضاضة من أن يعلن أن من أهدافه حماية أمن المواطن الإسرائيلي، هكذا عياناً بياناً!
إن المذيع لا يعبر عن ذاته، فهو بلا ذات!
الهروب الكبير لـ «تمكين»
لم يكن هناك مبرر لأن يستضيف عمرو أديب في برنامجه في قناة «أم بي سي مصر» إسلام البحيري، عضو حركة «تكوين»، بمفرده، إلا باعتباره منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب أو التصوير، والفتى في مناظرات سابقة أثبت جهلاً يغني عن أي علم، ومجموعة «تكوين» يمكن اصطيادها بسهولة، لأنها تقع في أخطاء فادحة، لا يقع فيها الجنين في بطن أمه!
ولهذا فقد أكدت قبل هذه المقابلة أن الفتى الأزهري عبد الله رشدي قادر على أن يجعلهم جميعاً كعهن منفوش، إذا توفرت شاشة حرة، مع إدراكي أنه لا توجد شاشة حرة في المحروسة، و»تكوين» تخضع لحماية السلطة في مصر، ويتم تمويلها من الإقليم، وليس مناسباً أن يظهروا بالضحالة المعروفة عنهم من خلال عقد المناظرات، وعليه فقد طالبت فيصل القاسم بحلقة في «الاتجاه المعاكس»، والمؤكد أنها ستكون سهرة ولا كل سهرة!
و«الاتجاه المعاكس» له باع طويل في هذه المناظرات الفكرية، وقبل أن ينغلق على السياسة، ويركز على القضية السورية؛ وشاهدنا عبره مناظرات بين محمد عمارة ونوال السعداوي، وبين السعداوي ويوسف البدري، وبين توجان الفيصل وصافيناز كاظم، وبين سيد القمني وآخر لا أتذكره!
وأزمة المقابلة المنفردة في القنوات المصرية وضواحيها، هي في تواطؤ المذيع من ناحية وعدم إلمامه بالقضايا الفكرية من ناحية أخرى، على نحو يجعل الشاشة قناة للترويج للجهل، وكذلك فعل إسلام البحيري في مقابلته مع عمرو أديب، عندما ذكر في سياق إنكاره للإسراء والمعراج، قولاً للسيدة عائشة رضى الله عنها، باعتبارها كانت زوجاً للرسول صلى الله عليه وسلم وقتئذ، مع أن المعلومة التي يعرفها الجاهل قبل العالم، أن الإسراء والمعراج كان في مكة في أول البعثة النبوية، في حين أن الثابت أن الرسول تزوج من عائشة بالمدينة وفي العام الثاني للهجرة.
وقد يكون عمرو أديب استشعر الحرج مما فعل، فعرض على ضيفه البحيري إمكانية قبوله بمناظرة مع عبد الله رشدي، فوافق بظروف الحال، وإن استبعدت أن تتم المناظرة للظروف ذاتها أيضاً، وجرى الإعلان عن أنه يتم الإعداد للمناظرة بشكل جيد، فأدركت أنها وسيلة للخروج الآمن من الوعد، فالإعداد الجيد كان ينبغي أن يكون للحلقة التي جلس فيها البحيري منفرداً، لأن عبئاً مضافاً يقع على المذيع وفريق العمل، لكن المناظرة لا تحتاج لأكثر من اللياقة في إدارة الحوار، والانتقال بالكلمة من ضيف لآخر، والسيطرة على الموقف حتى لا يتفجر!
وجاءت النجدة للبرنامج ولإسلام البحيري بتهديد من جانب يوسف زيدان، بأنه في حال قبول البحيري للمناظرة سوف يستقيل، وكان أي صريخ ابن يومين يعلم أنه تهديد يستهدف انقاذ إسلام البحيري، وعلى الفور أعلنت عضو الكيان، المكلفة من قبل الزعيم بمهمة التنوير، فاطمة ناعوت، بأنه لا مناظرات، وهو ما تم الاتفاق عليه داخل «تمكين»!
ولا يعد هذا – فقط – تولياً يوم الزحف، ولكنه بجانب هذا اهدار للفكرة، فالأصل أن «تمكين» حركة تقدمية، مدنية، متحضرة، تقوم على الحوار، وتثمن المناظرات، ولا يجوز التعلل بأنهم يرفضون صراع الديكة، فصاحبهم يقوم بدور «الشبيح» في برامج المناظرات، وفي واحدة منها تجاوز هو بينما كان عبد الله رشدي هادئاً ضاحكاً.
ما الذي جعل القوم مثل البحيري وناعوت يقبلون فيما سبق المناظرات بينما يهربون الآن بحجج واهية ودون حجج؟
إنه الخوف على الكيان «تمكين»، وحتى لا يظهروا أمام الممول، أو الممولين، بجهلهم، ولا يوجد من بينهم أحد يملك رؤية متكاملة في شيء، هي فقط عناوين جرى اختطافها من متونها، ولهذا يمكن الإمساك بهم بسهولة!
إن رفض المناظرة إنما يأتي امتثالا لمقولات: «الحركة بركة»، و»أكل العيش يحب الخفية».. من الخفة!
في انتظار المُنتج الفكري لـ «تكوين»!
أرض- جو:
تقدم إحدى القنوات الإيرانية مسابقة للقرآن الكريم، تمنيت لو اختفى المذيع ولجنة التحكيم بسبب الأداء التمثيلي المفرط في الاستعراض، والمخل بالجدية المفترضة في لجنة هذا دورها، والمنتجة للمادة الخام من «ثقل الدم»، أو على الأقل لا يحدث التداخل بين الأصوات والصور، صوت المتسابق مع أصوات المذيع ولجنته، وصورته مع صور المذيع ولجنته، حتى يمكن الترويج لصوت المتسابق وحده، ومنهم أصوات جميلة فعلاً.
صحافي من مصر