الحملة القومية لشيطنة اللاجئين… «النيش» مرة أخرى!

حجم الخط
2

يختلف «نيش الدولة»، عن «نيش المواطنين». وقد شرحت هنا من قبل للفرنجة معنى «النيش»، وفي اعتقادي أنه معروف لغير المصريين، من الدراما المصرية في وقت ذيوعها وانتشارها من المحيط إلى الخليج، فصارت لهجتنا معروفة، بينما يجد المرء صعوبة في فهم بعض اللهجات العربية الأخرى؛ فيبدو كالأطرش في الزفة. الآن انحسرت الدراما المصرية وانكفأت على ذاتها، في زمن «المؤلف» العسكري!
ولتنشيط الذاكرة، فإن «النيش» هو متحف كل شقة، لا تكتمل مراسم الزواج إلا به، حيث يوضع فيه كل ما هو ثمين، من أكواب، وفنجانين، وخلاف ذلك من مستلزمات لا تستخدم إلا عند الضرورة، وبحضور الضيوف، وليس كل الضيوف يفتح من أجلهم «النيش»، فاستخدام ما فيه هو لضيوف الفرز الأول، فالضرورة تقدر بقدرها، وقد يظل العمر كله دون استخدام، ويشغل حيزاً كبيراً في الشقة، ليكون الوارث من الأسرة!
هذا على مستوى الأفراد، أما «نيش الدولة»، فهو لتشوين بعض الشخصيات، لإخراجها عند الحاجة، لأداء مهمة على المسرح السياسي، وهو ما حدث بالحضور المكثف لفنانة من زماني اسمها فريدة سيف النصر، وهي مثال لشخصيات حضرت في الحياة، فلم تنجح ولم تفشل، وجيلي عاصر مرحلة اعتزال عدد من الفنانات، في ما عُرف بالفنانات التائبات، أو المعتزلات، أو المحجبات نسبة لارتدائهن الحجاب، وأبرزهن سهير البابلي وشادية!
وقد أعلنت فريدة سيف النصر أنها اعتزلت وارتدت الحجاب، بيد أن أحد الصحافيين الذين كانوا يعرفونها، قال إنه عندما كان يزورها لإجراء مقابلة صحافية في هذه الفترة كانت تستقبله دون حجاب، ولأن صحافياً آخر كان يعرف عدداً من الفنانات التائبات الأخريات، فقد أخبرني إنهن ضقن بها ذرعاً، لتصورها أن أثرياء خليجيين ينفقون على هذه الظاهرة، وهو ما كان شائعاً في هذا الوقت، وكانت بعض صحف اليسار تروج لذلك، فلما لم تجد المذكورة شيئاً من هذا أعلنت لمقربين منها إنها ستعود للفن، في انتظار الظرف المناسب!
وكان رئيس تحرير صحيفتنا وقتئذ وحيد غازي، رحمه الله، في صدد عرض مسرحية «بياعين الهوا»، وهي من تأليفه، على مسرح السلام، فقرر أن تكون هي بطلة العمل، ليكون أول ظهور لها، وتوظيفاً لذلك في الدعاية للمسرحية، لكنها مع ذلك فشلت فشلاً ذريعاً! فالبطلة اعتزلت الفن دون أن تترك بصمة، فلم تجد الجماهير العريضة مهتمة بعودتها، فليست سهير البابلي مثلاً، صاحب الموهبة المتوحشة، والتي اعتزلت الفن في عز تألقها، وإن كان الناقد المسرحي حاد العبارة فاروق عبد القادر، كتب عقب اعتزالها، أنها انتهت كفنانة قبل سنوات طويلة من هذا الاعتزال. ولم يكن ما قاله صحيحاً، بيد أنه كان عدوانيا في نقده!

الاستدعاء لمهمة قومية

وتشارك المذكورة في بعض الأعمال الدرامية بين فترة وأخرى، دون حضور يذكر، وقد ظهرت مؤخراً في برنامج «واحد من الناس» على قناة «الحياة»، فاعتقدت للوهلة الأولى أنها الفنان إبراهيم نصر في دور «زكية زكريا»، في البرنامج التلفزيوني «الكاميرا الخفية»، لولا أنني تذكرت أن إبراهيم نصر توفي قبل سنوات، وأن الجالسة في الأستوديو هي شيرين سيف النصر، يا إلهي؛ يخلق من الشبه أربعين!
وبدا لي أن هذا الاستدعاء من «النيش» هو للتذكير بها ومن ثم القيام بدور وظيفي، حيث أعلنت أنها تقدمت بأكثر من عشرين بلاغاً لوزارة الداخلية ضد السودانيين الموجودين في القاهرة، وقالت إنهم يقفون في الشارع حيث تسكن بمنطقة المهندسين، فيحدثون جلبة وفوضى!
لقد غنت وردت عليها مذيعة المرحلة في قناة «سي بي سي» كما لو كانت ابنة الذي بنى مصر، والذي كان في الأصل حلواني، بحسب تتر مسلسل «بوابة الحلواني»، ومن ثم انطلقت تحذر من أسمتهم بـ «الوافدين الأجانب» من «أي تطاول»، وأصدرت أوامرها بأنهم لا بد وأن يحاسبوا، قبل أن تستدرك وتقول «بالفعل تم اتخاذ عدد من الإجراءات ضد المتجاوزين»!

الانفاق على اللاجئين

إنها حملة إذاً، تأتي في سياق هذا الإعلان من رأس السلطة بأن اللاجئين يستهلكون 4.5 مليار متر مكعب من المياه سنوياً. كيف أمكنه حسابها؟!
وقبل هذا قال الجنرال إن أعداد اللاجئين في مصر 9 ملايين شخص، يتم إنفاق 10 مليارات دولار في كل عام عليهم!
أهل الحكم في مصر يتحدثون عن أزمة المياه قبل اللاجئين وهناك وثائق تقدموا بها للأمم المتحدة تثبت ذلك، وقبلهم أعلن الجنرال ذاته عن إقامة محطات لتحلية المياه، كلفتها مبالغ فيها، والجنين في بطن أمه يعلم أن أزمة المياه بسبب سد النهضة، وهو ما أعلنه الجنرال قبل سنوات، وأن الأزمة سببها اتفاق المبادئ الذي وافق عليه بدون قيد أو شرط، فمنح إثيوبيا بمقتضاه موافقة مصر كتابة على بناء السد! والآن يريدون تعليق أزمة المياه في رقبة اللاجئين، الذين يقولون إن تعدادهم بلغ 9 ملايين شخص، وهو مبلغ لم يقنع المنظمات الدولية، ولا نعرف كيف ينفق عليهم 10 مليارات دولار، والسلطة لا تصرف لهم أي مبالغ مالية، فهم لا يعيشون عالة عليها!
إنها محاولات لابتزاز الجهات المانحة، لكن هذه التصريحات، سواء الإعلامية أو الرسمية قد تكون نتيجتها أن توغر الصدور ضد الإخوة العرب في مصر، ويتم التركيز على السودانيين بالذات، وقد يكون من بينهم من يرتكبون تصرفات غير مسؤولة، لكن هؤلاء قلة قليلة، والأكثرية هم من «كريمة الشعب السوداني»، وكل الذين جاءوا لمصر من البلاد التي شهدت قلاقل ومن العراق إلى سوريا، هم من الطليعة ميسورة الحال!
ومن يرتكب جريمة، سواء كان وافداً أو مواطناً، فالأصل أن هناك قانوناً يخضع له الجميع، بدون أن تخرج «كايده العزال» في دور كريمة مالك مصر، وترفع سبابتها بالتهديد والوعيد، ودون استدعاء فريدة سيف النصر من «النيش» لهذه المهمة الوطنية، فتحسرت على حالي مع الثانية، بينما رفعت «كايدة العزال» من روحي المعنوية وفريدة من جيلي، فلما شاهدت فيها «زكية زكريا» أدركت أن جيلي أوشك أن يسلم أوراقه ويغادر الحياة الدنيا، ومنذ أن بلغت الخمسين من عمري وأنا أشعر بدنو الأجل، وكرس لدى حضورها على هذا النحو من هذا الشعور، بيد أن الأخرى اطلعت على تاريخ ميلادها فوجدتها تصغرني بأقل من سنة واحدة، ومع ذلك فهي مقبلة على الحياة بدون مبرر، وكأنها حديثة التخرج! ولأنه هالني أن تكون من مواليد أغسطس/آب 1967، فقد تحاشيت ذكر اسمها، فتظل المرأة تتحدث عن الاستنارة، والعصر الحديث، والمساواة، والتمدين، إلى أن تذكر سنها، سؤالاً أو تدويناً، فتتحول إلى خالتك من الرضاعة!

الخطاب العنصري ضد السودانيين

فالقواعد من النساء، يقدمن هذا الخطاب العنصري، وضد السودانيين في المقام الأول، وما يمثله السودان هو عمق استراتيجي لمصر، وبينهما مصالح مشتركة ومصير مشترك، فإلى أين يذهبن بنا؟!
يحدث هذا مع السودان، الذي نحفظ للزعيم مصطفى النحاس قوله تقطع يدي ولا أفرط في وحدة وادي النيل، عندما عرض عليه استقلال مصر مقابل انفصال السودان، ونحسب من عيوب الناصرية وقوع الانفصال في مرحلة ما بعد ثورة 1952، لكن مع هذا الانفصال فإن الطائرات المصرية الهاربة من العدوان الإسرائيلي في 1967، لم تجد سوى السودان لتهرب اليه، وتهبط على أرضه، والكلية الحربية المصرية كان مقرها الخرطوم بعد الهزيمة، فمن أين جاء هؤلاء القوم، لتكون هذه الحملة الإعلامية التي خرجت فيها البنت وأختها، كناية عن الاحتشاد؟! في بداية الحرب السودانية، عندما فتحت مصر أبوابها للنازحين السودانيين، على الرحب والسعة، وبدا أن «سلطة الموظف الفعلي» تنحاز للجيش السوداني ضد ميليشيات «الدعم السريع»، قال لي أحد الزملاء السودانيين وهو من «الكيزان» مازحاً: لا شأن لنا بكم فالسيسي على قلوبنا كالعسل. وعلقت بأنه مع دعواتنا المخلصة بأن تكتشفوا آخر لا نعرفه، إلا أنكم لن تهنأوا طويلا؛ وذلك من واقع معرفتنا به! ولم أكن أعلم أنها كانت محاولة لزيادة العدد بما يمكن من الحديث عن ملايين اللاجئين في انتظار ما تجود به المنظمات الخارجية، ثم تستخدم الأبواق الإعلامية الآن في شيطنة اللاجئين في الجملة، وتستدعى أخرى من «النيش» لهذه المهمة الوطنية!
لنسأل مع الطيب صالح: «من أين جاء هؤلاء الناس»؟!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية