الرغيف بخمسة صاغ: فبكم حقنة البوتكس؟!

حجم الخط
10

ليس من المنطق، أن يستعين أهل الحكم في مصر، ببوق إعلامي، دخله السنوي، ميزانية دولة لها علم ونشيد، ليستهجن استمرار دعم الدولة لرغيف الخبز، ويقوم بتبكيت المصريين، لأنهم ما زالوا إلى الآن يشترون الرغيف بخمسة قروش، في حين لا يوجد شيء ثمنه هذا الفئة النقدية المنقرضة، فلماذا لا يستعينون بإعلاميين يخضعون للائحة اتحاد الإذاعة والتلفزيون للأجور، من باب اللياقة؟!
ليس هناك خطأ مطبعي، فعقلي الباطن لا يعترف بما استجد بعد عام 2018 من تأسيس الهيئة الوطنية للإعلام، التي حلت محل اتحاد الإذاعة والتلفزيون، مع حرص الهيئة المستحدثة أن تروج لاسمها، حد أنها اغتصبت اسم مسجد التلفزيون، ومع أنه لم يكن يطلق عليه مسجد الاتحاد، ومع هذا أطلقت عليه اسم مسجد الهيئة الوطنية للإعلام، ليردد المذيع الاسم في صلاة كل جمعة عبر القناة الثانية، وأحيانا يكون النقل منه لصالح القناة الأولى أيضاً، وغيرها من القنوات والشبكات الإذاعية العامة والخاصة!
بيد أني مثل القاهريين القدامى، الذين لم يتقبل وجدانهم تغيير أسماء شوارع وسط القاهرة، من قبل حركة ضباط الجيش في 1952، فظل شارع «سليمان باشا» ولم يعترفوا باسمه الجديد «طلعت حرب»، وظل «شارع فؤاد» ولم يقروا اسمه الجديد «شارع 26 يوليو»، لكن الأمر اختلف بالنسبة لشارع رمسيس، فقد اعتمدوا اسمه الجديد، وقد كان اسمه من قبل «شارع الملكة نازلي»؛ والدة الملك فاروق، ربما اعتراضاً من داخلهم على قيام الملك المخلوع بتغيير اسمه إلى اسم والدته، بعد أن كان شارع عباس الأول، وربما لعدم ارتياح المصريين لوالدة الملك، وما أحاط باسمها من شائعات!

أزمة درية والأتربي

لست مطلعاً على لائحة الأجور داخل مبنى ماسبيرو، لكني أعتقد أنها لا تزال على حالها، وقد عاصرت فيما مضى أزمة داخل المبنى، الذي خالف لائحته عند تقدير أجرة مذيع من خارجه هو مفيد فوزي، بمنحة ثمانية آلاف جنيه في الحلقة، وإذ تقدمت درية شرف الدين، لرفع أجر حلقتها عن برنامج «نادي السينما»، إلى رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون عبد الرحمن حافظ، فوافق على ألفي جنيه لها في الحلقة، فلما علمت بذلك رئيسة التلفزيون سهير الاتربي، ألغت القرار وخصمت منها ما تقاضته بأثر رجعي، وذلك لأني كتبت أرشحها لرئاسة التلفزيون، وهي واحدة من اختياراتي الخاطئة، وجل من لا يخطئ!
فقد رقاها وزير الإعلام صفوت الشريف رئيسة للفضائية المصرية، ففشلت فشلاً ذريعاً، وكتبت عن هذا الفشل في حينه، فلما وقع الانقلاب العسكري عينت وزيرة للإعلام، ففشلت فشلاً غير مسبوق، وقد اعتقدت هي ورئيس الاتحاد أن الدنيا بلطجة، وأنها في حماية القوة المميتة، فكان بث التلفزيون المصري مباراة لكرة القدم قوة واقتداراً، إذ كانت «بي إن سبورت»، هي صاحبة حق البث، فأوقعت النظام العسكري، الذي يفتقد للخبرة في الحياة المدنية في أزمة، ربما لأنه اعتقد أن مثل هذه التصرف سينظر أمام محكمة جنح عابدين!
وقد تساوت الرؤوس رأسي برأس من لا يشاهدون التلفزيون بحكم تدينهم أو بحكم عملهم الذي يستدعي القيام من النوم مبكراً وبالتالي النوم مبكراً، فربما ارتبطت درية في ذهن الجنرال السيسي بمشاهدتها في أيام الراحة والاجازات ببرنامج «نادي السينما»، ومن حيث كونها وقورة، فقال إنها تصلح وزيرة للإعلام، وربما شاهدها الإخوان في أيام الطفولة في البرنامج نفسه فكان ترشيحها لتكون وزيرة للإعلام فرفضت، وعاشت دور الزعيمة بهذا الرفض! ولا تثريب على القوم، فصلتهم مقطوعة بالإعلام وعالمه، ولهذا جاءوا بالسيدة أمال فهمي التي عاصرت الإذاعات الأهلية، لتقدم الرئيس مرسي لمستمعي الإذاعة المصرية في لقاء يومي بعد الإفطار طيلة شهر رمضان، لأنها التصقت في أذهانهم بأنها صاحبة برنامج «ع الناصية» بعد صلاة الجمعة، والحقيقة أن الفقرة المهمة في لقاءاتها هي «تحب تسمع إيه؟!»، لأنها في حواراتها كانت تتكلم أكثر مما تستمع، وتقاطع أكثر مما تستوعب، لكن الناس في ما يعشقون مذاهب!
عذري أنني عندما رشحت درية شرف الدين رئيسة للتلفزيون لم تكن مرت بتجربة الإدارة، فلما تولت رئاسة الفضائية المصرية وفشلت، كان ينبغي ألا تختار وزيرة فيما بعد، فترفض في الأولى وتقبل في الثانية!

حديث المستشرقين

ما علينا، فقد يكون منطقياً أن يخاطب الشعب من يخضع للائحة الأجور في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، لا أن يستدعي الحكم رجاله وهم يتقاضون ملايين الجنيهات، ليتحدثوا كالمستشرقين وهم يخاطبون الشعب في أمر رغيف الخبز، والقول إنه لا توجد سلعة يمكن الآن أن تُشترى بخمسة قروش، ويندفع أحدهم وهو يتحدث عن عدد الأرغفة مقابل الدولار الواحد، وكأنه يخاطب خبراء أجانب، يتقاضون أجورهم بالعملة الصعبة؟!
لقد كان أول الرقص حنجلة، تمثلت في حديث السيسي غير المبرر عن الدعم الذي تقدمه الدولة للسلع والخدمات، وقال إن رغيف الخبز يكلف الدولة جنيها وربع الجنيه (كلام غير دقيق) ليشتريه المواطن بخمسة صاغ، وكانت هذه المرة الأولى منذ زمن بعيد التي أسمع فيها «الصاغ»، وهو ما يطلق على «القرش»، ولعل جيلي هو آخر جيل استخدم هذا المصطلح!
بيد أننا لم نكن ندرك أنه يمهد لقرار رفع أسعار بعض السلع بهذا الحديث الذي تطرق فيه للوقود، ومنه لأسعار استهلاك الكهرباء؛ ذلك بأنه سبق له أن صرح أكثر من مرة أنه لا مساس بسعر رغيف الخبز المدعم، ولا تزال تصريحاته إلى الآن في موقع هيئة الاستعلامات لم ترفع، كما أن سعر الرغيف انخفض فعلا بالتحايل، فانخفض وزنه من 130 غراماً الى 90 غراماً على مراحل، ومنذ أن تولى الحكم!
من الواضح أنه لف حول الموضوع ودار، دون أن يوحي بما هو آت، ليكون عمرو أديب هو المكلف بأن يخطو هذه الخطوة، فصرخ في البرية حتى اعتقدت لصرخته أنه قد «يطق له عرق»، وهو يخاطب المصريين من قناة غير مصرية بأن يفيقوا، وكأنهم نيام أو سكارى، «فما فيش حاجة بخمسة قروش»، وفي اليوم التالي تعلن الحكومة عن رفع سعر الرغيف المدعم من خمسة قروش إلى عشرين قرشاً.. هكذا مرة واحدة!
ويكرر وزير التموين، ضابط الجيش المتقاعد مصيلحي، ما قاله عمرو أديب «ما فيش حاجة بخمسة قروش دلوقتي»، وهي النغمة التي عزفتها الجوقة الإعلامية، حتى «البت عزة» أدلت بدلوها، وفق قدراتها المتواضعة في الارتجال، فرغيف العيش بـ «شلن» أي «خمسة صاغ، ثم استدركت «حد من الأجيال الجديدة يعرف يعني أيه خمسة صاغ»!
ويبدو أنها استمعت للرئيس الضرورة، فعندما ذكر مصطلح «صاغ»، من باب الاستهانة بثمن رغيف الخبز، جارته في ذلك ولم تعلم أن «الصاغ» هو «القرش»، فالرغيف كان بخمسة صاغ، ثم صار بعشرين صاغ، والجنيه به مائة صاغ، وإن كانت الأجيال الجديدة لم تسمع بالصاغ، فإن اقحامه أزمة من أقحمه، فالأجيال تعرف القرش، لاحظ أن الأجيال القديمة كانت في حديثها الرسمي تذكره بالقرش وليس بالصاغ، وأسس الزعيم الوطني الكبير أحمد حسين «مشروع القرش» في سنة 1931، وهو فتح باب التبرع بقرش لإنقاذ الاقتصاد المصري من التبعية، فمن استدعى الصاغ بعد كل هذا العمر في خطاب رسمي مسؤول؟!
لقد بنى القوم دعايتهم على أنه لا توجد سلعة الآن بخمسة قروش، وهذا صحيح، ولكن وهل يوجد نظام حكم رشيد، يسجن وزيراً سابقاً للتموين هو باسم عودة لأكثر من عشر سنوات في سجن انفرادي، وقد حرم من كافة حقوقه كسجين، مثل زيارة ذويه، أو التقاء محاميه، وكل جريمته أنه كان أنجح وزير في تاريخ هذه الوزارة منذ تأسيسها، وتم خلعه مع الحكم كله بعد وعده بتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح خلال ثلاث سنوات، في وقت يختاروا فيه وزيراً هو على مصيلحي الذي تولى الوزارة في زمن مبارك ففشل فجئ به ليؤكد فشله في عهد السيسي؟!
وهل يوجد بلد يشكو الفاقة، ويسرف في بناء القصور الرئاسية، بل هل شاهدنا بلدا في العالم يجاري القوم في مصر في بناء القصور الرئاسية، لنكون أمام أُبهة حكم وفقر شعب؟!
وهل يوجد بلد في العالم يقترض ليبني عاصمة جديدة، وأكبر مسجد، وأعلى مئذنة، وأفخم كنيسة، وأطول برج أيقوني، ثم ينظر للناس في قوتهم وما يملأون به بطونهم؟! وهل يوجد بلد على الكوكب يكلف مذيعة لديه بتبكيت الناس، لتحول طعامهم الى سم هار، في وقت تجمع هي بين معاشها من اتحاد الإذاعة والتلفزيون وراتب ضخم من قناة «صدى البلد»؟!
ربما لو نزلت عزة مصطفى الى مسقط رأسها في منطقة بولاق الدكرور، لعلمت كم يعاني الناس هناك، من شراء رغيف الخبز بخمسة صاغ، بدلاً من حديث الخواجات هذا!
بكم حقنة البوتكس؟!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية