لم تفلح حيلة السينما التجارية عام 2012 في استثمار النجاح الجماهيري لنجم الشباك محمد هنيدي آنذاك، حيث الموضوع الذي تم الاعتماد عليه كمادة سينمائية كوميدية تحت عنوان «تيتة رهيبة» ظهرت بشائره السلبية من مجرد العنوان السطحي الذي استهدفوا فيه بروز نجمة المسرح سميحة أيوب، حيث ارتبط اسم الفيلم بدورها كواحدة من الشخصيات الرئيسية المناوئة بتركيبتها النفسية والإنسانية والثقافية لسلوكيات حفيدها «رؤوف» محمد هنيدي، الذي اتسمت تصرفاته بالخفة والعفوية والسذاجة وسلامة النية.
لقد حاول الكاتب يوسف معاطي توليد الكوميديا من التضاد الظاهر في طبيعة كل من الجدة والحفيد، باعتبار أن الاختلاف السلوكي بين الشخصيتين والمسافة الفاصلة بين زمن كل منهما، جديران بخلق نمط كوميدي يقوم على المواقف المُتكررة بينهما في إطار التباين والاختلاف، لكن شيئاً مما تصوره معاطي عن تجربته الكوميدية السينمائية لم يتحقق. بيد أن الذي تحقق هو العكس تماماً، فلم تُسفر المواقف إلا عن تراجيديا إنسانية جعلت من البطل شخصاً تعيساً مُقيد الحركة مسلوب الإرادة والحرية، لا يتسم بشيء سوى الجُبن والخنوع، أمام سطوة الجدة المُتسلطة العائدة من بلاد الخواجات، حسب السيناريو والمُعطيات الدرامية التي افترضها المؤلف وكاتب السيناريو والحوار.
في الحكاية الدرامية التي طالت خيوطها بلا مبرر موضوعي، لم يكن هناك صراع حقيقي خارج دائرة الشغب اليومي بين رؤوف وجدته من ناحية، وباسم سمرة ورؤوف من ناحية أخرى، أما العلاقة العاطفية التي جمعت بين هنيدي وإيمي سمير غانم، أو رؤوف ومنار، فلم تزد عن كونها مجرد إطار ملون كان الهدف منه تزيين الأحداث والتخفيف من وقعها الرتيب فقط. وربما المحاولات التي بذلها المخرج سامح عبد العزيز لاستغلال هذه العلاقة الرومانسية، كان مقصوداً بها تقليل جُرعات الكآبة والحد من الافتعال وخفة الظل المُصطنعة في كثير من المشاهد المحسوبة بالقوة على الكوميديا، رغم فقدانها لمقومات الضحك والدوافع الحقيقية الباعثة عليه. وبدوره اجتهد محمد هنيدي بشكل شخصي قدر استطاعته لرسم الابتسامة على شفاه مُحبيه، للمُحافظة على إيقاع الفيلم والاحتفاظ بثقة جمهوره فيه، كممثل كوميدي يعتمد عليه شباك التذاكر بشكل أساسي في حصد الإيرادات وإعفاء المُنتج من أي خسائر مُحتملة، لكن محاولاته وحدها لم تكن كافية للإقناع، بأن ما تم تقديمه لا يمت للسينما أو الكوميديا بصلة، اللهم غير بعض الملامح من مشاهد معينة جمعت بينه وبين باسم سمرة، الذي اعتبر في حينه البطل الحقيقي للفيلم.
ثمة إضافات كثيرة من أداء باسم التلقائي وغير المُتكلف أنقذت الفيلم من الفشل، مع الأخذ في الاعتبار وجود محمد هنيدي كاسم كبير وعلامة تجارية بارزة لا يُستهان بها، فضلاً عن بعض الحضور المؤثر لإيمي سمير غانم، الذي خفف بالطبع من مُبالغات التظرف في العديد من المشاهد المكتوبة باستسهال لا يفي بالغرض الكوميدي المطلوب، غير أنها عادة الاستسلام الجماهيري للمُنتج الإبداعي الصادر عن كاتب ذائع الصيت والتأثر بحالة البروباغندا الضخمة، الهادفة إلى ترويج العمل الفني بأي شكل وتحت أي ظرف وهو نوع من التحدي مُتعارف علية في فنون وعلوم التسويق القسري للبضاعة الراكدة أو الفاقدة لمواصفات الجودة المطلوبة.
في تجربة «تيتة رهيبة» التي جاءتها بعد فترة توقف طويلة عن السينما لم تستفد نجمة المسرح المصري وسيدته الأولى سميحة أيوب من وجودها بين جيل الشباب، رغم نوعية دورها واختلافه عن بقية أدوارها السابقة قاطبة، فغاية ما حاولت تقديمه في الفيلم هو الخطاب الوعظي في مشهد المحكمة، عن سوء التفاهم الذي يجب أن لا يتفاقم بين جيل الآباء وجيل الأبناء والأحفاد، وكمية النصائح المتتالية، التي تمت صياغتها كحيثيات مُقنعة لوصاية الكبار من أصحاب التجارب والخبرات على الصغار من الشباب المتهور المُنفلت، وفقاً لسياق الأحداث ومبررات وجود الفنانة الكبيرة كواحدة من أبطال الفيلم الكوميدي، الذي ظلمته الحبكة الدرامية المُهلهلة وخابت فيه حيل المخرج سامح عبد العزيز، لتحسين مستواه، ولو بشكل نسبي فحُسبت التجربة كلها بالسلب على محمد هنيدي، ولم تسقط عقوبتها الجماهيرية بالتقادم، فمنذ ذلك التاريخ لم يسترد البطل الشعبي مكانته في موقع الصدارة بشكل مُطلق كما كان.
كاتب مصري