وكأننا في يونيو/حزيران 2013، ولسنا في يونيو/حزيران 2024، الفاصل الزمني بينهما هو أحد عشر عاماً إلا قليلا!
وكأننا فيما قبل 17 يونيو/حزيران 2019، ولم يمر على هذا التاريخ خمس سنوات، إلا بضعة أيام، مضت على وفاة الرئيس المدني المنتخب، في القفص وأمام قاضيه، وليس في سجن طرة، كما جاء في «ويكبيديا». وقبل هذا التاريخ كان وجود الرئيس المدني المنتخب يهدد عرش قائد الانقلاب العسكري، وأنصاره يطالبون بعودة الشرعية، وكأن الأمين العام للجماعة، لم يظهر حينذاك عبر قناة «مكملين» ضاحكاً مستبشراً، وهو يعلن أن الشرعية لم تعد موضوعهم، فقد انتقلت إلى الشعب، وعندئذ خرجت لجان الجماعة للتغطية على حالة الفرح هذه بالهجوم على محمد ناصر، فهو السبب في جو البهجة هذا الذي عم الأستوديو وانتقل بالعدوى للدكتور محمود!
أحد عشر عاماً من حرب الإبادة على الإخوان، وخمس سنوات من طي ملف الشرعية، ولا يزال القوم يذكرون الإخوان قياماً وقعوداً، وعلى جنوبهم، فيتم تخصيص برنامجين من بابهما للهجوم على الجماعة، أحدهما على قناة «إكستر نيوز» والثاني على قناة «العربية» بجانب البرامج العامة في ترسانة القنوات، والدراما، وقد حشر أهل الحكم أنفسهم بإعلامهم وأصدقائهم الإقليميين في «ماسورة» اسمها الإخوان، فكم قرناً يحتاجون للقضاء على هذه الجماعة ثم يتنفسون الصعداء؟!
برنامج «الشاهد» على «إكسترا نيوز» استضاف شخصيات كثيرة لهذا الهدف، وكان عجباً أن يهز البابا تواضروس طوله، ليدلي بدلوه في حديث معاد ومكرر، فابتذل نفسه دون داع، وهو صاحب التأكيد حتى الملل أنه ليس سياسياً، لكنه مع كل ظهور تلفزيوني لا يتكلم إلا فيها، وفي موضوع واحد هو فترة حكم الرئيس محمد مرسي، فلا عظة دينية، ولا مناقشة للتحديات التي تواجه كنيسته، مثل أزمة الطلاق، عندما نعلم أن آلافا منعوا من الحق في الزواج الثاني، لعدم اعتراف الكنيسة بالطلاق، الذي أقرته المحاكم، وقد انتهزوا فرصة الحرية التي أنتجتها الثورة فذهبوا وحاصروا الكنيسة والمقر البابوي، في مشهد يفسر لماذا تؤيد هذه المؤسسة الديكتاتورية، وترى أمانها في الاستبداد، فلا يمكن أن نشاهد مشهد حصار الكنيسة والتظاهر أمامها الآن، في ظل الحكم العسكري، الذي يتحالف معه البابا!
مقام البابا ولغة الجسد
الأصل أن مقام البابا يمنعه من هذا التوظيف لقضية واحدة، هي الرأي في الرئيس المدني المنتخب، ولا يكون أداة لنكئ جراح لم تندمل بعد، لاسيما وأنه لا الإخوان ولا الرئيس محمد مرسي داسوا للمسيحيين على طرف، وأول موظف مسيحي يدخل القصر الرئاسي كان في عهد الرئيس الإخواني، وكان المعين على درجة مستشار للرئيس، ولم يحفظ هو نفسه الآن هذا التقدير الذي حصل عليه!
ليس لدى البابا جديداً يقوله، أو قديماً يستحق أن يرويه، فتحدث عن اللقاء الذي جمعه بالرئيس عقب زيارته له مع وفد من الآباء البطاركة، لشكره على اعتماد قرار اختياره بابا الأقباط، ولتعزيته في وفاة شقيقته، ولم يكن في اللقاء ما يكدر الصفو، فالرئيس – حسب البابا – عاد وزاد في أن توليه الموقع البابوي اختيار رباني، على نحو كاشف بأن اللقاء تم في أجواء احتفالية، ولأن البابا يعلم طبيعة المهمة التي جرى استدعاؤه لها لبرنامج «الشاهد» فقد ذهب إلى «تخصص آخر» لأداء مهام وظيفته، فتحدث باعتباره خبيراً في «لغة الجسد»!
ومعلوماتنا المتواضعة عن نيافته أنه كان قبل سلك الرهبنة، صيدلياً، فأين درس هذا الاختصاص المهم، ليكون مهماً أن تستعين به البرامج التلفزيونية للحديث فيه، ليمثل المعادل الموضوعي لليلى عبد اللطيف في «توقعاتها المرئية»!
قال البابا إنه من خلال لغة الجسد في هذا اللقاء أدرك أن مصر تستحق رئيساً أفضل، ولم ينس أن يؤكد أن مصر كانت في طريقها للمجهول بعد فوز مرسي، وكانت هناك حالة من الخوف والفزع بعد إعلان فوزه.. خوف وفزع؟ ممن، ولماذا؟!
أما برنامج «مراجعات» على قناة «العربية، فقد أوكلت مهمة تقديمه لرئيس هيئة الاستعلامات المصرية، ورئيس لجنة الحوار، بجانب ما تيسر من مناصب ومهام أخرى، ولأول مرة نشاهد موظفاً رسمياً في وظيفة حساسة يعمل لدى الغير، والأصل أن «العربية» ليست محطة مصرية، وتندرج الوظيفة بها ضمن تضارب المصالح، بين من يمثل الدولة المصرية في ملف حساس ضمن اختصاص الهيئة، ثم يتقاضى أجراً من جهة أخرى، إلا اذا كان الإقليم انصهر في دولة واحدة، على أمل تحقيق الوحدة، وفق قواعد الوحدة المصرية – السورية، وإعلان الجمهورية العربية المتحدة، رحم الله موتاكم!
على خط المواجهة مع الإخوان
ما علينا، فـ»مراجعات» تحول لبرنامج على خط المواجهة مع جماعة الإخوان، وجيء بالإخوان السابقين، لهذه الاستدعاءات الموسمية، وهم في كل مرة عد غنمك يا جحا؟ ففي الواقع هم شخصيات كانت جزءاً من أداء الإخوان السلبي، فلم يغادروا الجماعة لاختلافات فكرية، أو حتى لأخطاء في الممارسة، فجيلي لا ينسى أن السبب في وضع نقابة المحامين تحت الحراسة كان لهذا الغرور الذي تملك مختار نوح، لدرجة تورم ذاته، والتعالي على النقيب أحمد الخواجة، وهو ولي نعمته، وقد استحدث في القانون مقعدين للشباب في مجلس النقابة؛ واحد له والثاني لسامح عاشور، لكن عندما وجد نوح في مرحلة لاحقة أغلبية اخوانية داخل المجلس، سعى بحكم كونه أمين الصندوق أن يجعل من النقيب خيال مآتة، وكانت هذه رعونة من الجماعة، مثل فيها نوح الرأس والأداة، مع أن سيف الإسلام حسن البنا (الأمين العام للنقابة ونجل المرشد المؤسس) كان مع فكرة التوافق والعمل تحت مظلة الخواجة، لكن الجماعة وعبر مسؤول الملف المستشار الهضيبي (نجل المرشد الثاني) انتصرت لمختار نوح، ورجح سياساته، والنتيجة فرض الحراسة على النقابة لسنوات طويلة ولنقابات أخرى، ولم تنج من ذلك سوى نقابة الصحافيين لأنها لم تقع تحت هيمنة الجماعة، والأطباء لأن ممثلي الإخوان فيها (عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح) كانا أعقل من مختار نوح!
ولم تكتف السلطة – بسبب ذلك – من فرض الحراسة على النقابات، وإنما أصدرت قانوناً سيئ السمعة، يجعل النقابات تحت السيطرة، فما كان أغنانا عن هذا كله لو لم يوجد مختار نوح في نقابة المحامين، وسيطرة أفة التعالي والغرور عليه، وهو سلوك إخواني إذا أقبلت عليهم الدنيا، شاهدت مثله من زملائي الصحافيين الإخوان بعد الثورة، إذ كان الواحد منهم يتصرف كما لو كان «ليمونة في بلد قرفانة»!
لقد بشر برنامج «مراجعات» بحلقة حكيم المرحلة مختار نوح، ولم أشاهدها لكني شاهدت حضوراً تلفزيونيا آخر في قنوات تلفزيونية لمثل هذه الاستدعاءات الموسمية، فتحدث كما لو كان باحثاً في الحركات الإسلامية، وكما لو كان مفكراً صاحب رؤية مغايرة للجماعة، وكأنه لم يكن أحد الوجوه السلبية لها، والمنفذ لأجندتها في الاستحواذ والسيطرة!
فالثابت أن الحلقة التي أذيعت هي الخاصة بخصم آخر للجماعة هو عبد الجليل الشرنوبي، وهو ابن الجماعة ولحم أكتافه من خيرها، وكان القائم على منبرها الإعلامي لسنوات، ومثله كمثل مختار نوح لم يغادر الجماعة لخلاف فكري، أو بسبب الممارسة، ومع هذا ذهب بعيداً، حد القول إن مواجهة تنظيم الإخوان، تبدأ من نزع الهالة عن حسن البنا، وإعادة كتابة شخصية المؤسس وتعرية حقيقة الإخوان.
هل تحتاج المهمة إلى حركة «تكوين» جديدة؟ وكما مولت دولة في الإقليم قناة «دي إم سي» ومولت دولة أخرى «القاهرة الإخبارية» فلتمول الدولة الأخرى «تكوين البنا» كما مولت الأولى «تكوين الأولى» وهو الشائع إلى الآن ما لم يتم الإعلان عن أسماء رجال الأعمال الذين قال إسلام البحيري إنهم يمولون «تكوينه» وهو إعلان يوجبه القانون!
لا بأس، فالبأس الشديد، أن يظل الإخوان بعد أكثر من عشر سنوات من التغييب، والتوقيف، وحرب الإبادة الإعلامية، رقماً صعباً وخطراً على الحكم الحالي، وهو على خلاف رأيي.
فكم قرناً يحتاجون لطي صفحة الإخوان؟!
صحافي من مصر