صالون الابتكار في الصناعات التقليدية: إبداع وتميز للمصممين والحرفيين التونسيين

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:  تقام في تونس هذه الأيام الدورة الأربعون لصالون الابتكار في الصناعات التقليدية بقصر المعارض بالكرم بالعاصمة، وذلك لتعريف التونسيين على وجه الخصوص بآخر الإبداعات والابتكارات الفنية في مجال الصناعات التقليدية المحلية. ويعد هذا الصالون موعدا هاما للإبداع والتطوير في المهن والحرف التقليدية، ويعتبره البعض أحد أبرز الأحداث الهامة في الموسم الثقافي المحلي. حيث لا يقل هذا الحدث أهمية عن مهرجان قرطاج الصيفي والسينمائي والمسرحي وعن معرض تونس الدولي للكتاب وغيرها من الأحداث الثقافية الهامة التي تعرفها البلاد على مدار العام.

وتُنظم هذه الدورة تحت شعار «40 سنة من التميّز» وبمشاركة أكثر من ألف حرفي وحرفية من مختلف جهات البلاد التي تزخر كل واحدة فيها بموروثها الثقافي والحضاري. وسيُقدم هذا الصالون، الذي يُنظم ببادرة من الديوان الوطني للصناعات التقليدية التونسية، منتوجات تقليدية في جميع الاختصاصات ولن يقتصر على اختصاص دون غيره. ومن بين المنتوجات الموجودة في أجنحة العرض، منتوجات خشب الزيتون، وكذلك خشب النخيل والألياف النباتية والفخار والجلد والبلور المنفوخ والاكسسوارات وغيرها.

التشجيع على الابتكار

ويشار إلى أنه وبعد مرور أربعين عامًا على تأسيسه، وصل هذا الحدث إلى مرحلة النضج الكامل من حيث تحقيقه للمراد من بعثه وهو التشجيع على الابتكار والتطوير في الصناعات التقليدية في مختلف الاختصاصات، وتعريف المواطنين بالإبداع في هذا المجال. ويتجلى هذا التشجيع على الابتكار والتعريف به من خلال الفضاءات الموجودة بالمعرض والتي من بينها فضاء «جهة ومنتوج» و«فضاء الأولمبياد» وهو مسابقة وطنية سنوية تقام بهذا الصالون وتهدف إلى مزيد التعريف بالاختصاصات الحرفية الأصيلة، وقد اختير لهذه الدورة اختصاص التزويق على البلور.
وفي إطار التشجيع على الابتكار في الصناعات التقليدية أيضا، يتضّمن هذا الصالون فضاء للمبتكرين الجدد وهو فضاء لثمانين مبتكرا من الشبان على وجه الخصوص المنتمون إلى مختلف جهات البلاد. والغاية من برمجة هذا الفضاء في المعرض هي التعريف بمشاريع المبتكرين الجدد المتميزة في الصناعات التقليدية والاطلاع على مختلف المتدخلين في القطاع لربط علاقات شراكة وتعاون معهم.
إن زيارة هذا المعرض المتميز في محيطه ليست مجرد فرصة لشراء منتوجات الصناعات التقليدية ذات الجودة الفنية والإبداعية فقط، بل هي أيضا حدث استثنائي يتيح اكتشاف الإبداع الحرفي والتعرف على آخر التطورات الحاصلة في هذا المجال والتي أنجزها الحرفيون التونسيون المبدعون في مجالهم. وبالتالي، يقدم المشاركون من المصممين والحرفيين في المعرض منتوجات توفر للمهتمين بتراث بلادهم والباحثين فيه معلومات عن الديناميكيات والمراجع الإبداعية للفنانين المعاصرين في الابتكار في الصناعات التقليدية.

ملاحظات

إن ما يلاحظه زائر المعرض هو استمرار الكثير من المهن التقليدية وعدم اندثارها مع الزمن، وهذا في حد ذاته شيء مهم، فالحرفيون الذين تطورت الأسواق من حولهم وتغيرت الأنشطة المقامة بها، يواصلون، رغم كل هذه التحولات في محيطهم، التمسك بالتقاليد والحفاظ على حرفهم التقليدية. وبالتالي، وعلى سبيل المثال، فإن صناعة الفخار أو النقش على الجبس مثلا، الحاضرتين بهذا الصالون، ما زالت صامدة وهي مستوحاة من التراث ومما تم توارثه على الأجداد، وكذلك الشأن بالنسبة لصناعة البلغة التونسية، وهي نوع من أنواع النعال، وكذلك الشاشية التونسية، وهي غطاء الرأس الأحمر الذي يختلف عن الطربوش المغربي والعثماني من حيث الشكل وله طريقته الخاصة في الصنع، وهو مختلف عنهما أيضا في المواد التي تتم صناعته منها.
إن ما يمكن ملاحظته أيضا في هذا المعرض هو أن الحرفيين والمصممين الجدد هم من فئة الشباب وهم مؤهلون أكاديميا جيدا، وقد أثبتت مؤسساتهم الجامعية أنها ناجحة ومتفوقة في مجالها، وهو مجال الفنون والحرف اليدوية. ولعل التعاون الحاصل بين المعاهد العليا للفنون والحرف ومعاهد الفنون الجميلة هو الذي خلق هذه المجموعة الهامة من المبدعين التونسيين وجعل هذه المؤسسات الجامعية حاضنة لا تنضب ولا تكف على خلق المواهب المبتكرة في الصناعات التقليدية.
ومن الملاحظات أيضا، أن المصممين نجحوا بشكل كبير وأخرجوا المنتوجات الحرفية المحلية من دائرة التقليد والتكرار إلى آفاق أرحب تم فيها ابتكار أشياء جديدة مستمدة من الماضي لكنها مواكبة للعصر ولمتطلباته. فهناك عملية تطوير للمنتوج التقليدي المحلي من قبل المصممين يلمسها الزائر وهو ما حقق غاية الصالون الأساسية وهي التشجيع على الابتكار في الصناعة التقليدية العريقة عراقة هذا البلد. فالقطع التقليدية وعلى يد هؤلاء المصممين تتطور في أدائها الوظيفي وفي مسحتها الجمالية وهو ما يجعلها تنبض بالحياة باستمرار وتفلت من أغلال النسخ القديمة والتكرار. وبالتالي، فإن زيارة معرض الحرف التقليدية التونسية هي بمثابة الفرصة التي تمكن من التعرف على التوجهات العامة في مجال تطوير الصناعات التقليدية وأيضا لتسليط الضوء على التراث الغني لمختلف جهات البلاد.

غياب السياح

يشار إلى أن وزارة السياحة التونسية تعتزم وضع علامات لحوالي ستين منتجا تقليديا تونسيا يحظى بامكانات تصديرية هامة. وفي هذا الإطار سيتم وضع كرّاس شروط من قبل الوزارة لإنجاح عملية إسناد العلامات لهذه المنتجات التي ستكون موجهة للتصدير.
ومن الأسئلة التي يمكن أن تطرح بعد زيارة المعرض تلك المتعلقة بإمكانية تسويق هذه المنتوجات الحرفية اليدوية للجيل الجديد من عدمها، ولماذا هذه المنتوجات غير متاحة للجمهور الذي يراها فقط عند زيارة المعارض، ولماذا لا تعرض الأسواق هذه المنتوجات وتقتصر فقط على عرض السلع الرخيصة القادمة من وراء البحار؟ إن معرض الابتكار في الصناعات التقليدية لا يعكس واقع السوق التونسي بشكل كامل، حيث يتم عرض هذه المنتوجات على مدار العام فقط في المتاجر السياحية المتخصصة أو في المعارض الفنية من دون أن يتم إقحامها كما يجب في الحركة التجارية.
ويتساءل البعض من زوار هذا الصالون أيضا عن سبب عدم استهداف السائحين على الإطلاق في هذا المعرض الحرفي الذي يمكن أن يصبح وجهة لهم لو توفرت إرادة وكالات الأسفار. فقد تمت، برأيهم إضاعة فرصة بإهمال هذا الجانب خاصة وأن المعرض حدث ثقافي هام جدا ويستحق الزيارة سواء من التونسيين أو زوار البلاد من السياح الأجانب.
وللإشارة فإن صالون الابتكار في هذه الدورة استضاف 27 حرفيا من الجزائر في مختلف اختصاصات الصناعات التقليدية الجزائرية لعرض وبيع منتوجاتهم وذلك تطبيقا لمقتضيات البرامج التنفيذية للتعاون في مجال الصناعات التقليدية بين البلدين. فالجانب الجزائري يبحث منذ سنوات قليلة على الاستفادة من التجارب والخبرات والكفاءات التونسية في عدة مجالات للنسج على منوال تونس في مجال السياحة والصناعات التقليدية وفي تسويق وتثمين وتصدير المنتوجات الفلاحية على غرار زيت الزيتون والتمور وغيرها، ويسعى لإبرام اتفاقيات وشراكات في هذا المجال مع الجانب التونسي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية