خلف خطوط الذاكرة

هذا كتاب جديد لخالد منتصر الطبيب والكاتب والصحافي الذي عرفته منذ سنوات بعيدة قد تزيد عن الربع قرن من خلال برنامجه التلفزيوني «خارج النص» وفقرته الطبية في برنامج العاشرة في قناة «دريم». لم نلتقِ إلا مرتين تقريبا. الأولى منهما كانت في عزاء الفنان الكبير أبو بكر عزت عام 2006 فهو زوج ابنته سماح أبو بكر عزت، ومرة ثانية قريبة في حفل توقيع أحد الكتب. تابعته في مقالاته ودراسته التي جمعها في كتب مثل «الختان والعنف ضد المرأة» أو «الحب والجسد» وكان دائما هادئا يبتعد عن الصوت العالي، ولا يبتعد عن أفق التطور في الحياة الثقافية والاجتماعية بكتب مثل، «النكتة الشبابية في عصر الإنترنت» أو كتابه الأدبي «بورتريهات بألوان الشجن» عن الكتاب والفنانين المنسيين بسبب الظلم والتجاهل. وكذلك كتابه «أبو بكر عزت.. مكان في القلب».
كان طبيعيا أن أقرأ كتابه الجديد «خلف خطوط الذاكرة». شجعني أيضا عنوانه الفرعي «سيرة ذاتية لجيل الآمال المؤجلة» الكتاب منشور هذا العام في دار «ريشة». جذبتني لغة الكتاب الأدبية التي تحلق في فضاء، بعيدا عن الجمل التقريرية، فهي أقرب إلى رواية أدبية، وإن كانت سيرة شخصية خالية من الخيال. منذ بداية الكتاب تعرف أن الذاكرة تطاردك فما مرّ لا يغيب، وعليك أن تمسك بها قبل أن تمسك بك، ففيها ما يمكن أن يقيم حياة سوية. تتقدم في الكتاب فتعرف أنه من إحدى قرى دمياط، سقط مرة في طفولته في إحدى الترع، وتم إنقاذه من الغرق، ومن يومها لم يعد ينزل إلى البحر في أي مكان. ساعده ذلك على النجاة من البلهارسيا التي كانت تصيب الآلاف من أبناء الريف. صفحات فنية مؤلمة عالية الصورة عن المصابين بالبلهارسيا ستأتي في ما بعد، وأشكال أجسامهم بعد الإصابة.

هو من مواليد 1960، حائر في معنى الثورات، فقد رأى سياسة السادات تمسح ثورة يوليو/تموز بأستيكة في ما سمي بحركة التصحيح، ثم رأى ثورة يناير/كانون الثاني وكيف انتهت إلى الإخوان المسلمين، فاحتار في أمر الثورات. وأضيف أنا ما جرى بعد إزاحة الإخوان أيضا، والذي يفوق في معاداته للثورة. المهم أن هذه الحيرة تظهر لغة فنية جذابة في أحداثها، أكثر مما تجذب الأحداث التي يعرفها من هم مثلي. هو من جيل الآمال المؤجلة حقا، لكنه مثلي من جيل الآمال الضائعة، لأنه حين استيقظ وجد حوله هزيمة يونيو/حزيران 1967، ورغم ما جرى بعدها، لا تزال في شكلها السياسي بكامب ديفيد، والاجتماعي أكثر بما يحدث حولنا. جاءت محبته للثقافة من والده، ومكتبة والده الموظف في مصلحة الطب الشرعي. والده الذي كان يحضر صالون العقاد وكانت له مكتبة كبيرة في البيت. كانت أول قراءات خالد منتصر فيها وهو صغير لكتاب صعب عليه هو «عبقرية خالد» لعباس العقاد، وقال له والده إنه من الكتاب جاء اسمه.
تولى والده مناصب عديدة حتى سافر إلى ليبيا، وكانت والدته قد توفيت عام 1969 بعد وفاة أخته. وصف الحياة بعد وفاة الأم والأخت تصل إلى ذروة الجمال والأسى لمشاعر الطفل الصغير. صارت الكتب والقراءة ملاذه لكنه عرف فتألم. رحلة بين كتب ذلك الزمان وناشريها من كتب أطفال وكتب أدبية وفكرية وتراثية. كان يعيش مع والده في القاهرة فظن أن الحياة تقبع في الكتب، لكن الأب تزوج مرة أخرى وانتقل للعمل في ليبيا خبيرا لتدريب الكوادر على كشف التزييف والتزوير، فانتقل خالد للحياة في قريتهم في دمياط. هنا رأى الحياة المختلفة فلم يعد مشاهدا في المسرح كما كان في القاهرة وكما يقول، بل في الريف صعد إلى خشبة العرض. أحاديث جميلة عن صناعة الأثاث في دمياط بكل تجلياتها من نجارة ودهانات وعبقرية العاملين التي ترفعهم إلى سماوات الفنون، وكيف تعرضت للخسارة، لكن دخل الاتحاد السوفييتي للشراء منها فانتعشت. الحقيقة أن الاتحاد السوفييتي كان يشتري الأثاث بدلا من ديون مصر له على المصانع التي يساهم في بنائها، وكانت فترة انتعاش حقيقية لدمياط في الستينيات.

المهم أننا في حالة سرد روائي رائع وجذاب للوضع في دمياط وقريته ونموه بينها وانتشار البلهارسيا كما قلت، والموالد الدينية ومظاهرها من الرقص والغناء، والغناء الديني من ناحية أخرى. وغير ذلك من كراهية بدأت تظهر للمسيحيين، وستزداد في السنوات المقبلة من المساجد أو غيرها. نمضي معه هو الكاميرا التي تضيف إلى الصورة روحا فنية رائعة. ظهور نتيجة الثانوية العامة موسم 76-77 والتحاقه بكلية الطب هو الذي كان مغرما بالإعلام. حديث رائع عن أساتذة عظام يؤمنون بالحرية، وأدباء وصحافيين. تمشي مع التغير الذي حدث في البلاد، وما حدث فيها من انتفاضات على سياسة السادات، أبرزها مظاهرات الخبز عام 1977، وظهور أسماء مثل نجم والشيخ إمام، وفرق فنية مثل فرق الموسيقار هاني شنودة وغيرها، بين ذلك كله تكونت ثقافته. ومعها ما جرى في الجامعات من هجوم الجماعات الإسلامية على الغناء والموسيقى والفن، حتى صار كاتبا. لم يكن ذلك كله غائبا عن الدولة، بل كانت هي الداعمة لهم. أمثلة مما جرى في كليته وغيرها، ومعها أيضا سلبيات كثيرة وصلت إلى التعليم نفسه، وظهور أساتذة يستعدون الطلاب، بينما كانت قلة من الأساتذة العظماء مثل محمد أبو الغار وغيره، الذين كانوا لا يرون العلم منفصلا عن الأدب والفن.

هكذا تدخل في رحلة أخرى هي كيف تكون طبيبا. كان حلمك الخمس عيون، عيادة وعربية وعروسة وعمارة وعزبة، فتصير في محرقة بين تغير رجعي في الفكر، وتسلط لبعض الأساتذة الذي يصل في أحد تجلياته، أن يتبول زميل مجتهد جدا بينهم قبل أن يقف أمام أستاذه المتسلط في الامتحان الشفهي، الذي كانت درجاته تحدد النجاح من الرسوب. مشهد حقيقي حدث ليس من خياله يعكس لك التراجع في الحياة الجامعية، بين السياسة الجديدة التي تجعل جهاز أمن الدولة يستدعيه هو للتحقيق، بعد أن ضربته جماعة الإسلام السياسي ضربا مبرحا، لأنه كان مع تقديم حفلة فنية في الكلية عملوا كل جهدهم لإيقافها وأوقفوها. بالمناسبة مذكرات عبد المنعم أبو الفتوح فيها كل ما يتحدث عنه عن الجماعات الإسلامية، وفي روايتي «الإسكندرية في غيمة» الأمر نفسه في الإسكندرية في السبعينيات في الجامعات وغيرها. عبد المنعم أبو الفتوح الذي انشق عن جماعة الإخوان بعد ثورة يناير، ورغم ذلك كان نصيبه السجن حتى الآن، فيها الكثير من ذلك. المهم أن ذلك التحول في الحياة بمعاونة الحكم نفسه لم يشغله عن الحديث عن مظالم التعليم. خلال ذلك نعرف كيف بدأ خطواته الأولى في نشر القصص القصيرة التي لم يستمر فيها، رغم من تنبأوا له فيها بمستقبل جميل، أو المقالات في صحف مثل «روز اليوسف» و»الأهرام» و»المصري اليوم» وكيف اتسع له العالم بمن قابلهم من أساتذة وكتاب يطول الحديث عن أسمائهم، لكنه يقف بجلال رائع عند صلاح عيسى.
لا يمشي الكتاب إلى ما بعد البدايات الطموحة فهو عن سنواته الأولى. سيرة روائية شديدة الإيجاز في القص والتعبير، ربما تفسر لك ما وصلنا إليه من استبداد سياسي يبحث دائما عن سند ديني موجود الآن حولنا، رغم التخلص من الإخوان المسلمين. اختلف القائمون بذلك ولم ينته التحالف بين الحكم العسكري وجماعات الإسلامويين. يمكن لمن يقرأ أن يختلف في الرأي، وهو بالمناسبة لا يقدم رأيا، بل أحداثا ووقائع، لكن يظل لمن رأى ذلك وعرفه مثلي، الجمال الفني الفائق في السرد الروائي، الذي تسبقه مع كل فصل فقرات من كتاب عالميين عما ينوي الحديث عنه، تعكس قراءة جميلة. الكتاب سيرة كتبت بلغة فنية مرئية، وهذا كان أكبر عوامل قراءة الكتاب والانتهاء منه.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية