الدعوة لانتخابات مبكّرة تُخرج الخلاف بين المالكي والسوداني إلى العلن وتعمّق الانقسام داخل «الإطار»

مشرق ريسان
حجم الخط
0

هناك حالة من الخلاف واضحة وجليّة داخل البيت الشيعي. فالرسائل المشفرة تنمّ عن وجود خلاف حقيقي قد ينعكس على شكل التحالفات وطبيعة المشهد السياسي في البلاد.

بغداد ـ «القدس العربي»: أثارت دعوة زعيم ائتلاف «دولة القانون» الأمين العام لحزب «الدعوة الإسلامية» نوري المالكي، لإجراء انتخابات مبكّرة في العراق، موجة من ردود الفعل السياسية المعارضة، وأظهرت عمّق الخلاف بين أقطاب «الإطار التنسيقي» من جهة، وبين المالكي ورئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السويداني، من جهة ثانية، وسط ترجيحات بتفكك مرتقب للتحالف الشيعي الحاكم.

وأواخر الأسبوع الماضي، خرج المالكي بتصريحات غير متوقعة، دعا فيها إلى إجراء انتخابات مبكّرة قبل نهاية العام الحالي.
وقال في مقابلة تلفزيونية، إن «العراق بحاجة إلى انتخابات مبكرة بعيداً عن حل مجلس النواب، لا سيما أنها وردت في البرنامج الحكومي».
وأكد أنه «يدعم ويؤيد» إجراء انتخابات مبكرة في موعد أقصاه نهاية العام الحالي، بنظام الدوائر المتعددة، لافتاً إلى أن «الرهان على المقاعد النيابية وحدها خاسر».
وأشار المالكي إلى أن «المقاعد غير كافية من دون وجود تفاهمات» مبيناً أن «الانتخابات المبكرة ليست بحاجة إلى حل البرلمان».
ووفق المالكي فإن «أي رئيس وزراء لا يمكن أن يأتي دون شروط، والجيل السياسي الأول أكثر جدية من الآخرين».
وحسب المحلل السياسي العراقي، واثق الجابري، فإن «دعوة المالكي لانتخابات مبكّرة تأتي لدغدغة مشاعر بعض القوى السياسية» مبيناً أن «الواقع العراقي يشهد استقراراً بوجود الحكومة الحالية التي تشكلت عبر ائتلاف سياسي حاكم، لذلك فإن الدعوة لانتخابات مبكّرة أتت في غير أوانها».
وأوضح في حديث لـ«القدس العربي» أن «الانتخابات المُبكّرة لا يمكن إجراءها، باعتبار إنها تحتاج إلى استعدادات لوجستية وموازنات وأموال وقانون لمفوضية الانتخابات. كل هذه الأمور غير ممكنة في الوقت الراهن».
في حين، يقول الكاتب والمحلل السياسي العراقي، علي البيدر، لـ«القدس العربي» إن «فكرة الانتخابات المُبكّرة هي نتيجة لرفض شخصيات شيعية للسوداني، ومحاولة منها للضغط عليه أو ابتزازه سياسياً وإزاحته بطرق دبلوماسية وديمقراطية» غير أنه لفت إلى أن «الانتخابات المُبكّرة خطوة من شأنها تقويض حالة الاستقرار وتربك الوضع العام في البلاد، وتؤسس لعرف سياسي جديد تكون فيه هذه الانتخابات حالة طبيعية، وهذا يقود إلى صناعة واقع سياسي تقوده الأمزجة والمصالح وليس احتياجات الدولة والشعب».
دعوة المالكي لإجراء انتخابات مبكّرة اصطدمت باعتراضات على المستويين السياسي والقانوني، إذ يرى الخبير القانوني العراقي، علي التميمي، أن الدستور يوجب أن يكمل رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني ما تبقى من عمر حكومته.
وذكر في إيضاحٍ له أن «إجراء الانتخابات المبكرة لا يكون إلا بحل البرلمان، لان هذا البرلمان منتخب لمدة 4 سنوات ومحدد عمره بأربع سنوات وفق المادة 56 من الدستور، كما أن حل البرلمان، يكون بطريقتين، إما بطلب من ثلث أعضاء البرلمان وموافقة الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه أو بطلب من رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية وأيضا موافقة الأغلبية المطلقة للبرلمان، حيث يدعو رئيس الجمهورية إلى انتخابات عامة في البلد خلال شهرين من تاريخ الحل كما قالت المادة 64 من الدستور».
وأفاد أيضاً بأن «السياق الدستوري والمواد 76 من الدستور توجب أن يكمل الرئيس السوداني ما تبقى من عمر حكومته، ولا يوجد شيء في الدستور العراقي اسمة انتخابات مبكرة، أو حكومة مؤقتة، بل لابد لإجراء الانتخابات المبكرة حل البرلمان، ولا يمكن بغير ذلك إجراءها وفق المواد 56 و76 و77 و66 ومن الدستور العراقي بتفاصيلها».
ووفق التميمي فإن «الحديث ما دون ذلك هو سياسي وليس قانونيا أو دستوريا».
أما على الصعيد السياسي، فسجل ائتلاف «النصر» الذي يتزعمه القيادي في حزب الدعوة، حيدر العبادي، موقفاً معارضاً لدعوة المالكي، مؤكداً عدم وجود اتفاق وطني على إجراء انتخابات مبكرة في البلاد.
وذكر بيان للائتلاف، أن «هناك أولويات وطنية أهم من الانتخابات المبكرة» لافتا إلى «عدم وجود اتفاق وطني اليوم على إجراء انتخابات مبكرة».
وأشار البيان إلى أن «هناك مهام كبرى أخرى تستوجب العمل لها والالتزام بالتوقيتات الدستورية لاختيار رئيس مجلس النواب لاستقرار العملية السياسية وتقديم ما هو أفضل للمواطنين» داعياً القوى السياسية إلى «جعل الأولوية رعاية مصالح المواطنين ورسوخ النظام السياسي وانسيابيته وفاعليته لتقديم الخدمات للشعب وحفظ استقراره وتقدمه».
كما عدّ أمين عام تجمع «أجيال» النائب محمد سعدون الصيهود، الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة «محاولة لخلط الأوراق» ووسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية شخصية.
وقال الصيهود المقرّب من السوداني، في بيان صحافي، إن «الدعوة إلى إجراء الانتخابات المبكرة تأتي عندما يوجد انسداد سياسي أو الرغبة بتغيير مجلس النواب أو الحكومة بسبب عدم ارتقائهما الى مستوى طموحات الشعب العراقي أو عدم تنفيذ البرنامج الحكومي».
وأضاف انه «عندما تكون الحكومة تسابق الزمن في تطبيق فقرات البرنامج الحكومي الخدمي ومستوى تقديم الخدمات أكثر وأكبر من المتوقع، فإن الدعوة لإجراء الانتخابات المبكرة غير مبررة وتعد دعوة لخلط الأوراق أو وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية شخصية».
وأظهرت تصريحات المالكي الأخيرة، حجم الخلاف داخل القوى المنضوية في «الإطار التنسيقي»، وتشير إلى احتمال تفككه قريباً.
ويقول الجابري إن «الضرورة دعت القوى السياسية إلى تشكيل الإطار التنسيقي، وإن أطرافه تسير لوحدها، لكنه حافظ خلال الفترة الماضية على اجتماعاته ومواقفه ومساندته للحكومة» مشيراً في الوقت عينه إلى أن «تفكّك الإطار مرهون بنتائج الانتخابات».
كذلك، يرى البيدر أن «هناك حالة من الخلاف واضحة وجليّة داخل البيت الشيعي. هناك رسائل مشفرة تنمّ عن وجود خلاف حقيقي قد ينعكس على شكل التحالفات وطبيعة المشهد السياسي في البلاد».
ورجّح «تشظي الإطار التنسيقي في المرحلة المقبلة، كما حصل في انتخابات مجالس المحافظات، عندما طالت الانقسامات البيت السني والكردي».
وعلى الرغم من أن السوداني أحد أعضاء حزب «الدعوة» الذي يتزعمه المالكي، غير أنه خرج من عباءته عندما أعلن استقالته رسمياً من الحزب، إبّان احتجاجات أكتوبر 2019 وطرح اسمه كمرشح لرئاسة الوزراء حينها، وقرر تشكيل تيار «الفراتين السياسي».
غير أن البيدر لا يرى في ذلك علاقة مع موقف المالكي والقوى السياسية التي تقف بالضد من ولاية ثانية للسوداني، موضحاً أن «موقف الأطراف السياسية من الولاية الثانية للسوداني لا يتعلق باستقالته من حزب الدعوة» لافتاً أن «السوداني تواجد في رئاسة الوزراء، كون الائتلاف الشيعي (الإطار التنسيقي) كان لا يمتلك شخصية تحظى بقبول مجتمعي وسياسي مثله».
وأشار إلى أن «هناك الكثير من الشخصيات استقالت من الحزب وبقيت مدعومة من جناح المالكي أو بقية أجنحة الحزب».
وتحدّث عن قوى سياسية «تضع شروطاً» على السوداني أو «ترفضه كُليّاً» بعد أن «وجد لنفسه مساحة كبيرة أكبر من أن تحددها تلك القوى».
وفي صيف 2020 اتفق «الإطار التنسيقي» الشيعي على تقديم السوداني كمرشحٍ وحيد لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، خلفاً لرئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي.
وذكر التحالف الجامع للقوى السياسية الشيعية- باستثناء التيار الصدري- في بيان حينها أن «قادة الإطار اتفقوا بالإجماع على ترشيح السوداني لرئاسة الوزراء».
وفي أواخر أكتوبر، منح البرلمان العراقي الثقة لحكومة السوداني وكابينته الوزارية.
ووفق البيدر فإن حركة «عصائب أهل الحق» التي يتزعمها قيس الخزعلي، وتمتلك حضوراً سياسياً في البرلمان العراقي متمثلاً بكتلة «الصادقون» وتمثيل أمني «الحشد الشعبي» هي الأقرب إلى السوداني والأكثر دعماً له في الجوانب السياسية والمجتمعية، فضلاً عن حركات أخرى مثل عمار الحكيم الذي يتزعم «تيار الحكمة» وائتلاف «إدارة الدولة» مع رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي.
وبشأن أسباب دعم هذه التيارات السياسية للسوداني، يرى البيدر بأنه يأتي لكون الأخير «نجح في تبييض صورة الإطار التنسيقي على المستوى الشيعي وعموم المشهد داخل البلاد، وإنها ترى في السوداني خياراً ناجحاً بالنسبة لها ومن الممكن التعكّز عليه سياسياً ومجتمعياً بحيث يمكّنها من ربط نجاحه بها».
كما يقول واثق الجابري أيضاً إن «أقرب الجهات للسوداني هي تيار الحكمة (بزعامة عمار الحكيم) وبدر (بزعامة هادي العامري) والعصائب (يتزعمها قيس الخزعلي)» مبيناً أن «هناك اختلافات بوجهات النظر بشأن السوداني داخل ائتلاف دولة القانون، غير أنه لم تظهر حتى الآن قوى تقف بالضد منه وتعلن موقفها بشكل رسمي».
وطبقاً للبيدر، فإن «موازين القوى الجديدة لا تسمح بتشكيل تحالف يبتلع الآخرين. الخيارات الوطنية بدأت تضمحل بعد أن عرفت المكونات حجمها وحضورها، فضلاً عن غياب الثقة بهذه الفكرة» لافتاً إلى أنه «في السابق كانت تُقدم قائمة شيعية بمشاركة بعض الشخصيات السُنّية، للمجتمع على أساس إنها خيار وطني».
ولم يستبعد أن يقدم السوداني «قائمة وطنية تضم نواب ووزراء سنّة ويحصل على أصوات معيّنة من المكوّن السنّي، غير إن السؤال هو هل يمكن لهذه القائمة أن تحظى بدعم البيت الشيعي؟! وكيف سيكون قانون الانتخابات؟! خصوصاً أن أي تعديل في القانون يُقرّ برلمانياً، والسوداني لا يمتلك حضوراً نيابياً، الأمر الذي من شأنه أن يدفع بعض القوى الشيعية إلى تقويض نفوذه عبر تشريع قانون القوى التي حصل عليها السوداني».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية