لا يرى السياسي اللبناني المعارض د. فارس سعيد أن هناك حرباً واسعة على لبنان لجملة من الأسباب. ويعتقد أن أمريكا تحاول، قبل دخولها المرحلة الانتخابية، بكل ما لديها من قدرة، انتزاع وقف لإطلاق النار في غزة، وتالياً في لبنان تحت مظلة الأمم المتحدة. ولكن إذا فشلت جهود الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل شهر تموز/يوليو المقبل، فستؤجَّل الأمور لما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أي العام 2025.
من وجهة نظر سعيد، الذي كان نائباً سابقاً في البرلمان اللبناني، ومن مؤسسي حركة «الرابع عشر من آذار» أننا سنكون أمام «1701 غزاوي – إسرائيلي» وهو قرار أقل من «حل الدولتين» وأكثر من وقف لإطلاق النار، مُعرباً عن اعتقاده بأن أمريكا غير قادرة اليوم على انتزاع «وعد الدولتين» من بنيامين نتنياهو، لكن إسرائيل ستكون مضطرة مستقبلاً إلى القبول بـ«حل الدولتين» الذي هو مطلب عربي للتطبيع. وما يحصل، برأيه، هو ترتيب يتجاوز غزة وإسرائيل معاً إلى إعادة قراءة المنطقة برمتها على قواعد وموازين قوى جديدتين، وهي منطقة لا يمكن أن تكون من دون إسرائيل، وعالم عربي، وتحديد نفوذ إيران.
سعيد، الذي يُعتبر من القلائل الذين ينادون بتحرير لبنان من «الاحتلال الايراني» مقتنع بأن هناك اليوم جهوزية خارجية وعدم جهوزية داخلية، خلافاً لما كان عليه الوضع في الـ2005 يوم إخراج الجيش السوري من لبنان. ويرى أن المعارضين اليوم ليسوا جاهزين بذهنية سياسية لتلقف ما يجري في المنطقة.
لا يؤمن أن إيران تحمل مشروعاً عقائدياً دينياً فعلياً إلا لتوظيفه في خدمة مصالحها السياسية، وأنها تستخدم أذرعها من أجل تحسين أوراقها التفاوضية مع واشنطن، وحين سيحصل التفاهم مع أمريكا ستتخلّى عن تلك الأذرع بما فيها «حزب الله».
يُطالب بأن يُبلور اللبنانيون ما هي مصلحتهم في ظل اللعبة الأممية الكبرى في المنطقة، محذراً من مشاريع التعداد التي يتحدث عنها «حزب الله» ومشاريع الانفصال التي تتحدث بها بعض الأحزاب المسيحية، والتي تُشكِّل خطراً على معنى العيش المشترك، الذي هو آخر ورقة يمكن أن نُطلَّ بها على العالم، وأن نقول إن لبنان مفيد له. وهنا نص الحوار:
○ شهدت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» تصعيداً غير مسبوق، هل باتت احتمالات توسّعها أكبر أم سيبقى سقفها مضبوطاً؟
• منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب «طوفان الأقصى» كان من المتوقع ألّا تلتهب كل الساحات دفعة واحدة بحجة «وحدة الساحات» وكان من المتوقع أيضاً أن يكون هناك شيء من التنسيق بين الجبهات امتداداً من البحر الأحمر مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان تحت عنوان «المشاغلة» وهذا ما حصل. ولا أظن أن هناك حرباً واسعة على لبنان للأسباب التالية، أولاً: إيران مستمرة في حوارها مع الولايات المتحدة عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة، ولم ينقطع هذا الحوار حتى بعد إعلان وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي. ثانياً: مصر تُصرُّ على ألا تكون هناك حرب على رفح حتى لا يحصل إرباك في الشارع المصري في مواجهة (الرئيس عبد الفتاح) السيسي. ثالثاً: (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو بين نارين، نار الرهائن والمعارضة الإسرائيلية من جهة، ونار (الرئيس الأمريكي جو) بايدن من جهة أخرى. رابعاً: يتبيَّن أنه في حالة اندلاع حرب إسرائيلية على لبنان فلن تكون نزهة لأن إيران ستتدخل مباشرة فيها، كما أعلنت قبل أيام. خامساً: أظن أن بايدن الذي سيدخل المرحلة الانتخابية مضطر لتحقيق انتصار ما قبل دخوله المرحلة الانتخابية في تموز المقبل، وكون هذا الأمر لن يحصل في أوكرانيا سيحاول إنجازه في غزة. سادساً: في 31 أيار الماضي أطلق بايدن مبادرته التي تحوَّلت إلى مبادرة مصرية ـ قطرية ـ أمريكية وتمّ دعمها من قبل الدول السبع ثم مجلس الأمن ليخرج القرار الذي قبلته حماس، وأظن أن نتنياهو سيقبل به أيضاً. سابعاً: القمة الأمريكية ـ الفرنسية التي خصَّصت للشأنين الفلسطيني واللبناني أسطراً مدروسة تؤكد بأنها لن تسمح بتوسّع الحرب على لبنان وتطالب بوقف إطلاق نار وبانتخاب رئيس للجمهورية لإنهاء الشغور الرئاسي. ثامناً: فور انتهاء القمة الأمريكية ـ الفرنسية تحرَّك (المبعوث الفرنسي جان إيف) لودريان باتجاه الفاتيكان والتقى رئيس الوزراء بيترو بارولين الذي سيصل إلى بيروت في الثالث والعشرين من هذا الشهر.
أنظر إلى هذه الإشارات بعين الإيجابية، وأعتقد أنها تدل على أن أمريكا تحاول، قبل دخولها المرحلة الانتخابية، بكل ما لديها من قدرة، انتزاع وقف لإطلاق النار في غزة، وبالتالي وقف لإطلاق النار في لبنان تمهيداً لما أُسميه (مجازا) «1701 غزاوي ـ إسرائيلي»، وتطبيق الـ«1701 اللبناني ـ الإسرائيلي» أي ترتيب مُعيَّن تحت مظلة الأمم المتحدة. وإذا فشل بايدن بجهوده قبل دخوله المرحلة الانتخابية شهر تموز/يوليو المقبل، فأعتقد أن الأمور ستؤجَّل لما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أي العام 2025.
○ على ماذا سيرتكز القرار 1701 الغزاوي – الإسرائيلي وما هي مقوماته؟
• القرار 1701 الغزاوي – الإسرائيلي هو أقل من «حل الدولتين» وأكثر من وقف لإطلاق النار. والمطلب العربي العام من أجل استقرار المنطقة، وخاصة في فلسطين، هو قيام الدولتين. أنا لا أعتقد أن أمريكا قادرة اليوم على انتزاع وعد «الدولتين» من نتنياهو، ولن يكون بإمكانها فقط الاكتفاء بوقف لإطلاق النار. إذاً بين وقف مبسَّط لإطلاق النار وبين حل الدولتين هناك مرحلة انتقالية اسمها «1701 غزاوي ـ إسرائيلي» لكن السؤال الذي يطرح نفسه: مَن هي الجهة التي ستضمن هذا القرار داخل إسرائيل؟ هل هي السلطة الفلسطينية، أم ضمانة عربية؟ لأن من الصعوبة قبول إسرائيل بأن تُمثّـل حماس الجانب الفلسطيني؛ قد تقبل بـ«كونسورتيوم» عربي ـ مصري ـ قطري وربما سعودي تابع للجامعة العربية يتولى عملياً الضمانة من الجهة العربية.
○ برأيك تمرير مجلس الأمن لمشروع القرار الأمريكي بشأن وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن سيؤدي فعلياً إلى هدنة قريبة وإلى حلول؟
• المبادرة تقوم على 3 مراحل: وقف لإطلاق النار؛ وإطلاق سراح الرهائن؛ وإعادة إعمار غزة؛ وليس هناك أي كلمة عن «حل الدولتين» وعن ترتيب الأوضاع مع لبنان. ما تقوله المبادرة يختص بغزة فقط وليس بالشأن اللبناني. الشيخ نعيم قاسم (نائب أمين عام حزب الله) هو مَن صرَّح بأنه إذا تمَّ وقف لإطلاق النار في غزة، سيحصل وقف فوري لإطلاق النار في لبنان، وأردف: بعد وقف إطلاق النار نفصل المسارات، فالمسار الحمساوي ـ الإسرائيلي هو غير مسار حزب الله ـ إسرائيل.
○ إذا كان الـ1701 الغزاوي ـ الإسرائيلي سيشبه الـ1701 اللبناني، فهذا سيؤدي إلى ترتيب الأوضاع إلى أمد محدَّد لا أكثر… (مقاطعاً)
• الهدف هو ترتيب الأوضاع لغاية إنضاج فكرة «حل الدولتين» التي تتطلب سلطة فلسطينية جديدة وكذلك سلطة إسرائيلية بمعزل عن نتنياهو الذي يرفض مبدأ الدولتين. العرب يربطون التطبيع مع إسرائيل بقبولها مبدأ حل الدولتين حتى لو لم يُطبّق على الفور، ويكتفون بإعلان إسرائيل بقبولها به حتى تقوم بعض الدول العربية باتجاه التطبيع مع دولة إسرائيل. إذن ما حصل ويحصل في غزة هو ترتيب يتجاوز غزة وإسرائيل معاً، هو ترتيب يُعيد قراءة المنطقة برمتها على قواعد جديدة وعلى موازين قوى جديدة. وأقولها بصراحة: بموازين القوى هذه، لا يمكن أن تكون هناك منطقة من دون إسرائيل التي دفعت لوجودها في المنطقة حروباً عديدة (1948، 1956، 1967، 1973، 1982، 1993، 1996، 2000، 2006، 2023 وما تخلل هذه الحروب من انتفاضات فلسطينية). إذن هي موجودة وتقدّم نفسها بأنها تُصدِّر الذكاء الاصطناعي وأن لديها مرفأ في حيفا مرتبط بـ«طريق الهند»، وبالتالي أصبحت كياناً موجوداً في هذه المنطقة، والعرب يطبّعون معها دولة بعد أخرى. ولا يمكن أن تكون هناك منطقة من دون عالم عربي موجود بكل قدراته السياسية والاجتماعية والأهلية والمعنوية والاقتصادية والنفطية والغازية. ولا يمكن أن تكون هناك منطقة من دون تحديد نفوذ إيران الموجود في البحر الأحمر والعراق وسوريا ولبنان واليوم أيضاً في فلسطين. السؤال: هل هناك دور للبنان في هذه المنطقة الجديدة؟ وما هو الدور؟
○ قبل الخوض بدور لبنان، هل إيران في هذه اللحظة تضعف أم تعزز أوراقها؟
• إيران تستخدم الواقع العربي بشبابه ومجتمعاته وأهله لتحسين ظروف مفاوضاتها مع أمريكا وليس لمحاربتها أو لمحاربة إسرائيل، بمعنى أن من يضحّي ويموت هم الشعوب الفلسطينية واللبنانية والسورية والعراقية واليمنية، وهي لن تُوقف الحوار مع أمريكا حتى تتوصل إلى تحديد موقعها في هذه المنطقة، وأعتقد أنها تتقدّم ولا تتراجع في هذا الموضوع.
○ هذه الأذرع ستدفع الثمن، أم ستحافظ عليها؟
• إذا توصلت إلى ما تريده من الولايات المتحدة، فستتخلى عن أذرعها، لأن الترتيب الذي سيحصل لن يكون لمصلحة فريق واحد الذي هو إيران، بل سيؤمّن مصلحة إيران ومصلحة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. لا يمكن أن يستقر الوضع على قاعدة «إنني أعمل من أجل عدم استقرار المنطقة لاستدعاء انتباه العالم إليَّ». هذه هي السياسة التي اتبعتها إيران منذ العام 78، أي التلاعب بالاستقرار من أجل استدعاء الانتباه لها والحوار معها. هذا الأمر دام 40 سنة ولا يمكن أن يستمر بهذا الشكل. وأعتقد أن ما حصل في غزة كانت النقطة الفاصلة.
○ هل حان الوقت لوضع حد لتمدد إيران؟
• حان الوقت لإعادة ترتيب المنطقة، فليس هناك من خصوم حقيقيين للولايات المتحدة فيها. أمريكا دخلت الحرب الباردة مع الصين، وبالتالي إعادة ترتيب المنطقة هو من الأولويات الأمريكية، خاصة وأن الصين تقدّمت من خلال التقارب السعودي ـ الإيراني الذي حصل في آذار 2023. وأمريكا – لكي تحصل على توازن مع الصين داخل المنطقة ـ مضطرة لأن تُنجح مبادرة بايدن وأن تُعيد الاستقرار إلى المنطقة، وأن تدخل في عملية حوار مع كل الدول الإقليمية التي تمرّدت عليها، والتي تلاعبت بالاستقرار وعلى رأسها إيران.
○ لننتقل إلى لبنان. إذا كنا نقول إن أقوى ذراع لإيران هي «حزب الله» الذي يقاتل ويدفع الثمن، ووظيفته الاقليمية صون أبواب طهران وهو من يحمي هذا النظام؟ كيف يمكن لإيران أن تتخلى عنه؟
• «حزب الله» يحارب في عيترون من أجل حماية طهران. هو يعمل في السياسة بالبدلة المرقطة، فإذا نزع عنه تلك البدلة يبقى كما بقيت «القوات اللبنانية» بعدما سلّمت سلاحها. أي هو لديه جمهور وناخبون ولكن لا يمكن أن يكون لديه نفوذ سلطوي كما يتم اليوم، حيث عملياً لا وجود لأي سلطة سياسية في لبنان خارج سلطة «حزب الله»، فالدولة ضعيفة والأحزاب غير موجودة والمؤسسات والإدارات إضافة إلى المجلس النيابي والحكومة في حالة شلل، والجيش اللبناني منسحب من الحياة الوطنية بانتظار أن يُنفّذ المطلوب منه دولياً في موضوع الـ1701 في الجنوب، وبالتالي الساحة متروكة لـ«حزب الله» ولنفوذه وسلطته المستمدة من البدلة المرقطة، والتي إذا خلعها فسينتهي، وهذا ما سيحصل في حال دخلت إيران فعلياً بترتيب نهائي مع الإدارة الأمريكية القادمة، وأنا لا أتوقع أن يحصل هذا الأمر اليوم.
○ لكن هناك احتمال ألا يحصل ترتيب مع الإدارة المقبلة؟
• المال هو سرّ الحرب. لا يوجد في خزائن إيران مال لاستمرار الحرب. لفت انتباهي تصريحان، الأول (لأمين عام حزب الله) السيد حسن نصرالله توجّه فيه لأهالي الجنوب والأصدقاء للتبرّع بالمال من أجل صناعة المسيّرات، والثاني لرئيس المجلس النيابي نبيه بري قال فيه إنه يريد أن يتوجّه إلى البنك الدولي ومن خلاله إلى الدول الصديقة لإعادة إعمار الجنوب. فلو كانت هذه الوضعية فعلاً سليمة وهي تكتفي بحاجات حربها وتمتلك القدرة على استمرارها لما كانا بحاجة إلى هذين التصريحين. هذا يعني أن إيران غير قادرة على الاستمرار بالحرب، وأن العالم العربي «من شكراً قطر» إلى «شكراً المملكة العربية السعودية» لا يبدو أنهم على استعداد لإعادة بناء الجنوب فوراً بعد هذا الدمار، وبالتالي الأطراف كلها، من إيران إلى إسرائيل والعالم العربي وصولاً إلى «حزب الله» وغيره من الأذرع هم أمام حائط مسدود، فإما يقبلون بمبادرة بايدن، التي أصبحت مبادرة أممية، أو تستمر الحرب لما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية. أعتقد أن استمرار الحرب يتطلب مالاً وليس من مال لدى إيران للاستمرار بحربها.
وأعتقد أنه على الولايات المتحدة، بعد دخول الصين إلى المنطقة من خلال التفاهم الايراني- السعودي، استمالة أهل المنطقة حتى يتكّرس نفوذها فيها، وحتى تدخل المنطقة في حرب باردة جديدة بين معسكر الصين من جهة ومعسكر الولايات المتحدة من جهة أخرى. ما يجري اليوم هو ترتيبات محلية إلى حين الترتيب الكبير الذي سيكون بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية حيث ستتحدد السياسة الأمريكية في المنطقة ومعها العلاقة مع إيران. أنا أرجّح أن تقبل الأطراف المحلية (إسرائيل وإيران) بوقف إطلاق نار تنفيذاً لمبادرة بايدن.
○ كنا نتكلم عن لبنان وقلت إن «الحزب» من دون البدلة المرقطة يصبح شبيهاً بالآخرين… كيف يمكن نزع سطوة السلاح. نحن جرَّبنا القرار 1701 بعد حرب العام 2006 الذي نص على منطقة خالية من السلاح غير الشرعي جنوب الليطاني لكن «حزب الله» بقي بسلاحه وسلطته؟
• ليس هناك من إمكانية لا في غزة ولا في جنوب لبنان لأن تبقى لـ«محور الممانعة» أظافر قادرة على إعادة التلاعب بالاستقرار الإسرائيلي. إسرائيل قامت على فكرة أنها ملجأ لكل يهود العالم، بُنيت على أرض موعودة هي أرض فلسطين. هذه الفكرة أصبحت ضعيفة بعد «طوفان الأقصى» وبعد وجود «حزب الله» في جنوب لبنان، والحرب الدائرة هناك. وبالتالي إذا لم تستعد إسرائيل هذه الفكرة وتُقنع المجتمع الإسرائيلي بأنها قادرة على تنفيذها، فلا يمكن لها الاستمرار، وهذا مستبعد جداً. الحل سيكون طبعاً على حساب إسرائيل لأنها مضطرة إلى أن تُدخل المنطقة بوقف إطلاق نار، وستضطر يوماً ما إلى القبول بحل الدولتين، أما الكلفة أيضاً، فستكون على حساب أذرع إيران في المنطقة بحيث لا تكون هناك إمكانية لاستخدام السلاح مرة ثانية. هذا الأمر مؤكد، ولا يحتاج إلى تحليل. والقوة الضامنة هي التفاهم الأمريكي ـ الإيراني.
○ هذا معناه أن التفاهم السياسي، قد يُحيّد السلاح ولا نكون في وارد نزعه؟
• التفاهم الأمريكي ـ الإيراني يُنهي وضعية السلاح في المنطقة، والتباعد بينهما يُبقي الوضع على ما هو عليه. إيران تريد أن تستدعي انتباه الولايات المتحدة والتحادث معها وتستخدم السلاح وسيلة لذلك، فإذا تحقّق لها ذلك، وجلست مع الولايات المتحدة إلى الطاولة فستتخلى عن الوسائل التي استخدمتها للوصول إلى هدفها.
○ كانت نظرية المحور الإيراني أن الاتفاق النووي بعدم تناوله بند النفوذ الإيراني في المنطقة شكَّل إقراراً به وحينها لم يقبل الرئيس الأمريكي باراك أوباما طلب دول الخليج تضمين الاتفاق هذا البند، ما أقصده أنكم تراهنون على نهاية هذه الأذرع، وهذا قد لا يحصل؟
• نحن نراهن على أن إيران استخدمت دماءنا لتحسين ظروف مفاوضاتها مع أميركا، وإذا توصلت إلى مبتغاها فستتخلى عنّا كما استخدمتنا، وهذه ليست المرة الأولى التي تتعامل بها قوة إقليمية معنا بهذا الشكل، إذا كان فريق من اللبنانيين يستقوي بها على حساب الشريك الداخلي.
○ ألا تعتبر أن هناك مشروعاً أيديولوجياً تحمله الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
• أنا لا أؤمن بهذه النظرية، ولا أؤمن بأن إيران تحمل فعلياً مشروعاً أيديولوجياً إسلامياً، بل إنها تستخدم هذه الشعارات لتأمين وتنفيذ مصالحها السياسية، وكذلك أنا غير مؤمن بأن «حزب الله» مشروع قابل للحياة في مجتمع متنوّع كالمجتمع اللبناني، أو أن إيران قادرة على استخدام نفوذها إلى أبد الآبدين في المنطقة العربية.
○ في حديث لك قبل فترة، قلت إن هناك جهوزية خارجية لمواجهة سيطرة النفوذ الايراني أكثر مما كانت متوفرة في الـ2005 لمواجهة النفوذ السوري، ولكن ليس هناك جهوزية داخلية اليوم كما كانت حينها؟
• في الـ2005 لم تستسهل الولايات المتحدة عملية إخراج الجيش السوري من لبنان، وكانت تريد استمالة (الرئيس السوري) بشار الأسد بعدما احتلت العراق وأسقطت صدام حسين، حيث أرسلت وزير خارجيتها كولن باول إلى دمشق وتكلّم مع بشار الأسد حول تغيير سلوكه وليس على إخراجه من لبنان، وأنا على وعي تام أنه في ليل 27 ـ 28 شباط 2005 (بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري) اجتمعنا (بالمبعوث الأمريكي) دايفيد ساترفيلد في منزل النائبة نايلة معوّض وقال لنا: لا تحلموا بإخراج الجيش السوري من لبنان، ففي حد أقصى سيُعاد انتشاره حتى البقاع تمهيداً لانسحابه الكامل في يوم من الأيام. لكن حصل ما حصل من انتفاضة. الجهوزية الداخلية استرعت انتباه الخارج الذي بدَّل موقفه، فكان أن خرج في 26 نيسان/أبريل الجيش السوري من لبنان. اليوم هناك جهوزية خارجية، وليس وجود إيران في لبنان مدعوماً لا من العرب ولا من أمريكا كما كان الجيش السوري في لبنان. الفرق هو أن الجهوزية الداخلية اليوم ليست موجودة، بينما في الـ2005 كان التفاهم بين «قرنة شهوان» و«اللقاء الديمقراطي» والرئيس رفيق الحريري جاهزاً لتلقف التغيّرات التي حصلت مع إسقاط صدام حسين ووجود الجيش الأمريكي في العراق. اليوم المعارضون ليسوا جاهزين بذهنية سياسية لتلقف ما يجري في المنطقة.
○ لماذا؟
• لأن الكل في هذه المنطقة يقرأ بعيونه الطائفية. المسيحيون يقرأون أنهم خرجوا من الحياة الوطنية وخرجوا من دائرة التأثير وغالبيتهم يسعون للهجرة أو الانفصال عن لبنان. والدروز بزعامة وليد جنبلاط ينتظرون الحل النهائي للتكيّف معه، من دون أن تصطدم هذه الطائفة المؤسِّسة ولكن القليلة العدد في لبنان مع «حزب الله». والسُّنة ينتظرون الإشارات العربية. والشيعة مغلوب على أمرهم، فالحرب أكبر من قدرتهم على القول إذا كانوا يؤيدونها أم لا، وبالتالي هناك شلل سياسي في الداخل اللبناني، وأعتقد أن التفاهم السعودي ـ الإيراني، الذي صمد منذ آذار 2023 حتى اليوم، جزء منه يمرّ عبر عدم «تشجيع» أي اصطدام مع «حزب الله» في الداخل اللبناني، بل بالعكس، هناك حالة من تدوير الزوايا من خلال دعوة بشار الأسد إلى القمة العربية، وعدم الاصطدام مع «حزب الله» في لبنان، وتقديم التعازي بالرئيس رئيسي في السفارة الإيرانية في بيروت، وبالتالي هناك جو عربي من اللااستعداد للعودة إلى مرحلة الاصطفاف السياسي بين 8 و14 آذار. كل هذه الأمور أدت إلى الشلل، ولكن المسؤولية الأساسية لعدم وجود جهوزية معارضة تعود إلى اللبنانيين أنفسهم لأنهم يتمترسون داخل المربعات الطائفية، ولا أحد ينظر إلى إعادة تكوين حالة وطنية تُعيد التوازن بحده الأدنى مع «حزب الله».
○ ربما لأن هناك شعوراً بأن الواقع الجغرافي له تأثيره الكبير، بمعنى أن النفط في الجنوب وأمن الحدود مع إسرائيل بيد «حزب الله» وليس بيد الجيش اللبناني؛ وبالتالي الاتفاق يجب أن يكون مع «الحزب» بوصفه اللاعب الأساسي وليس القوى السياسية الأخرى، والتي تتخوف من أن القوى الدولية قد تستخدمها فقط؟
• أن نشرح ما هي مصالح الدول الإقليمية والدول الكبرى شيء، وأن تختبئ حول توصيف المصالح الإقليمية والدولية من أجل إعطاء تبرير لعدم بلورة مصلحتنا اللبنانية شيء آخر. دائماً هناك مصالح إيرانية وعربية ودولية وروسية وأمريكية وصينية في المنطقة وعلى المنطقة، ولكن أنا أطالب بأن يُبلور اللبنانيون ما هي مصلحتهم في ظل هذه اللعبة الأممية الكبرى التي تحصل في المنطقة. نحن فقدنا سبب وجود هذا البلد ما عدا معنى العيش المشترك. إذا فقدنا هذا المعنى، وعاد كل منّا إلى مربعاته الطائفية، هذا يطالب بالتعداد، وذاك يطالب بالانفصال، نفقد آخر ورقة كان يمكن أن نطلَّ بها على العالم، وأن نقول إن لبنان مفيد له.
○ هل نحن فعلاً أمام هكذا خطر؟
• نعم، نحن أمام خطر حقيقي، لأن بين مَن يريد التعداد وبين مَن يريد الانفصال ليس هناك من أرجحية وطنية حقيقية قادرة على القول للاثنين أنكما على خطأ، نحن نريد التأكيد على العيش المشترك، وعلى معنى لبنان وعلى مستقبل هذا البلد. غير صحيح أن نقاط قوتنا كانت فقط بأننا كنا مستشفى وجامعة ومصرف الشرق الأوسط. نتائج الانتخابات الأوروبية الأخيرة تبرهن أن نقطة قوتنا الأساسية هي في قدرتنا على العيش المشترك وعلى بناء مصالحنا المشتركة معاً ضمن الدستور والاقتصاد والسياسة ونظام المدن ونظام الريف مع بعضنا البعض. إذا تخلينا عن آخر ورقة واسمها القدرة على العيش مع الآخر المختلف كما هو، نكون قضينا على معنى البلد.
○ التعداد والفيدرالية يتطلبان ظروفاً إقليمية ودولية مؤاتية لذلك، هل ما يحصل في أوروبا وتقدُّم اليمين المتطرف ومشاريع الانفكاك المناهضة لمفهوم العيش المشترك يزيد المخاوف؟
• ما حصل في أوروبا يُعزِّز موقف مَن يُريد التعداد ومَن يريد الانفصال، وما يجب أن يحصل في لبنان من أجل إعادة مخاطبة أوروبا وأمريكا وكل المنطقة هو إعادة صياغة معنى لبنان على قاعدة العيش المشترك. نحن قبل أوروبا، لدينا شهادة حياة ونعيش مع بعضنا البعض منذ 1600 سنة. نمر بمراحل تقاتل، نَقتُـل ونُـقْتل فيها، ولكننا مررنا بمراحل تمتد لمئات السنين بنينا فيها معاً نظام مصلحة لبنانية قد يكون نموذجاً للعالم بأسره. بعض الأحزاب المسيحية التي تتحدث عن الانفصال و«حزب الله» الذي يتحدث عن التعداد يضربان فكرة البلد. أدعو الجميع إلى عدم تفويت فرصة إبراز معنى لبنان حتى يبقى لنا موقع أو كرسي على طاولة مفاوضات المنطقة التي تتحدّد اليوم بين إيران والعالم العربي وتركيا وإسرائيل وأمريكا والصين. هذه لعبة كبيرة جداً، على اللبنانيين أن يدخلوها وهم يحملون أفضل نموذج للعيش معاً.
○ هناك تحرّك لكتلة جنبلاط ولكتلة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، هل هذا يتماهى مع أي معطيات عن قرب الحلول في لبنان أم هو تحرّك في الوقت الضائع؟
• باسيل يحاول القول إن هناك قوّتين تعرقلان انتخاب رئيس للجمهورية، «حزب الله» الذي يتمسّك بترشيح سليمان فرنجية، و«القوات اللبنانية» التي تتمسّك برفضها للحوار؛ فبين التمسّك بفرنجية ورفض الحوار يتحرّك باسيل ضمن إطار كتل نيابية بين الطرفين لمحاولة تشكيل أرجحية نيابية تلعب دورها وتُلاقي المبادرات الإقليمية والكبرى التي قد تحصل في المنطقة، قد ينجح وقد لا. وبشكل عام «حزب الله» غير منزعج بتمسّكه بفرنجية ولا يهمه إن كان البلد بلا رئيس. و(رئيس حزب القوات) سمير جعجع غير منزعج أيضاً من تصنيفه بنفس القدرة مع «حزب الله»، ضمن عملية القوة السلبية، ولكن قوّتين سلبيتين لا تصنعان إيجابية حتى هذه اللحظة، والباقون يتحركون بين هذين الطرفين، على قاعدة أنه ربما يؤمنون أرجحية نيابية عندها القدرة على استدعاء انتباه الخارج فيذهبون باتجاه انتخاب رئيس قد يلاقي هذه المبادرات الكبرى التي تحصل في المنطقة.