في فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وما قبلها كانت هناك خصوصية لشكل وطبيعة الفرح الريفي المصري، حيث البساطة المُتناهية في الاحتفال بالزواج وابتداع أشكال مُختلفة من فنون الرقص والغناء في الباحات الواسعة القريبة من البيوت الريفية المبني أغلبها من الطوب اللبن والمسقوفة بأعواد الخشب وجريد النخيل والتي لا ترتفع أكثر من طابقين.
هذه البيوت البسيطة التي ظهرت مراراً وتكراراً في أفلام بعينها وثقت لحياة الفلاحين وعبرت عن بساطة وطيبة أهلها كما في فيلم «يوم سعيد» للموسيقار محمد عبد الوهاب الذي غنى فيه أغنيته الشهيرة محلاها عيشة الفلاح، تلك الأغنية التي حملت كل معاني الصدق وترجمت كلماتها حالة القناعة والرضا التي كان عليها الفلاح المصري قبل عصر الحداثة والاختراعات.
أذيعت أغنية عبد الوهاب لأول مره ضمن أحداث الفيلم المذكور «يوم سعيد» كخلفية لأحد الأفراح الريفية المُعبرة عن طقوس الاحتفال بالزواج الميمون في واحدة من القرى المصرية، حيث صاحب جو الفرح صوت المزمار البلدي وصورة فنية من الرقص الاستعراضي لفرقة الغوازي والعوالم وفق ما كان سائداً في ذلك الزمان.
وقد توالت الصور الإبداعية المُميزة لحياة أهل الريف في العديد من الأفلام كفيلم «الأرض» للمخرج يوسف شاهين، أحد أهم الأفلام الواقعية التي قدمت الواقع الريفي بتفاصيله الحياتية والإنسانية بمنتهى الصدق.
كذلك جاء فيلم «الزوجة الثانية» للمخرج صلاح أبو سيف مُعبراً تعبيراً دقيقاً عن الفارق الاجتماعي بين حياة الأغلبية من فقراء الريف وبين طبقة الإقطاعيين والحُكام التي ينتمي إليها العُمدة الظالم صلاح منصور وزوجته حفيظة سناء جميل، ومن بين ما تم التركيز عليه في الفيلم شكل الفرح الريفي بطابعة الاحتفالي الخاص القائم على الولائم ودعوة الكبار من أهل القرية والقرى المجاورة للمشاركة والمُباركة والاستمتاع بمشاهدة مباريات التحطيب بين المُحترفين على إيقاع المزمار البلدي وصوت الأراجوز وزغاريد النساء والفتيات.
وقد ظهرت حالة الاحتفال بالأفراح والليالي الملاح جلياً في فيلم «حسن ونعيمة» بطولة محرم فؤاد وسعاد حسني، فأحداث الفيلم اعتمدت بشكل أساسي على تفاصيل الأفراح البلدي في مناطق الريف المصري، لارتباط ذلك بمهنة حسن المغنواتي محرم فؤاد بطل قصة الحُب الخالدة في السيرة الشعبية المعروفة والمتداولة بين الناس عبر سنوات وسنوات.
لقد غني محرم فؤاد في هذا الفيلم عددا من الأغنيات أمام سُعاد حسني في أول تجربة سينمائية جمعت بينهما، من أشهرها أغنية الحلوة داير شباكها شجرة فاكهة ولا في البساتين وأغنية رمش عينه إللي جرحني، وتُعد الأحداث الدرامية للفيلم مُحاكاة سينمائية لقصة حقيقية وقعت بالفعل ودفع فيها واحد من المُطربين الشعبيين حياته ثمناً لُحبه وعلاقته العاطفية بإحدى الفتيات الريفيات في أوائل القرن العشرين.
الهودج
بالعودة لموضوع الطقوس الريفية في الأفراح الشعبية بريف مصر والتي اختفت تماماً بعد ظهور موجات الحداثة والتمدن وطغيان الشكل العصري على الطابع الكلاسيكي في الأفراح، نجد أن الهودج الذي كانت تجلس عليه العروس محمولة على ظهر الجمل في رحلة انتقالها لبيت العريس في يوم الزفاف لم يعد له وجود قط، إذ أصبح من التراثيات فالقليل من الشيوخ والمُسنين ما زالوا يذكرونه ويحكون عنه لأحفادهم بوصفه أثراً قديماً كان في يوم من الأيام شائعاً ومعلوماً للقاصي والداني.
من بين ما اختفى من مظاهر الأفراح البلدي أيضاً في الأرياف رقصة الحُصان، فالحُصان كان يُستخدم في قديم الزمان في مهمتين، إما أن تمتطيه العروس خلف طفل صغير يركب أمامها كنوع من التفاؤل والتمني بأن يرزقها الله بالذرية الصالحة، أو أن يُستخدم الحُصان في الابتهاج إذا كان مُدرباً على الرقص بصحبة عازف المزمار، ويتطلب ذلك وجود شخص ذو خبرة في ركوب الخيل والتعامل معها.
وكانت العادة في الأزمنة الفائتة أن يتم زفاف العروس مساءً بعد تزيينها الزينة الكاملة على أضواء المصابيح «الكلوبات» لتطوف البلدة وهي داخل الهودج راكبة على ظهر الجمل وسط الأهل والمدعوين تلاحقها الأغاني التقليدية والزغاريد من الصبايا والنساء، بينما يكون العريس في انتظارها في باحة واسعة بالقرب من بيته الذي أعد ليكون عُش الزوجية السعيد.
وكان موعد زفاف العروسة يختلف باختلاف الوسيلة التي ستنقلها إلى مسكنها الجديد، فإذا كانت ستُزف على جمل فالزفة تكون كما أسلفنا في المساء، أما إذا كانت ستُزف نهاراً فالحُصان هو الأنسب في هذه الحالة نظراً لطبيعته وتحسباً لتوتره وارتباكه المتوقع وحفاظاً على سلامة العروس وعدم الإخلال بطقوس الفرح.
تلك كانت العادات والتقاليد السائدة في أفراح الريف المصري وليالي الزفاف في سالف العصر والأوان والتي كانت تُعد لها العُدة قبل موعد الفرح بأسابيع، حيث الذبائح والولائم والصواني العامرة بأشهى المأكولات، كل حسب قدرته وطاقته وإمكانياته. وهكذا تظل الأفراح قائمة والتهاني مستمرة لما بعد الزفاف ببضعة أيام.