الكتابة بين صيف وشتاء

لكل كاتب طقوسه في الكتابة. هناك من يكتب في البيت، وهناك من يكتب في مقهى، وهناك من يكتب في الليل، وهناك من يكتب في الصباح الباكر أو النهار. كثيرا ما يأتيني هذا السؤال من الصحافة. قليلا ما يسأل أحد عن طقوس القراءة مثلا.
في هذه المسائل الانسانية لا إجابة قاطعة. فأنا مثلا حتى الآن يراودني سؤال متى كان يكتب نجيب سرور، وأنا لأكثر من عشر سنوات أجده جالسا في مقهى ريش، يشرب البيرة من الظهيرة حتى ينتصف الليل تقريبا، فتأتي زوجته الروسية لتصحبه إلى البيت، أو يغادر وحده في حالة سكر شديد، ولا أحد يعرف كيف يعود إلى البيت، لكني كنت أجده في اليوم التالي في المقهى. لم أفكر قط أن أسأله أنا الجالس معه معظم الأيام لأنه لن يتحمل السؤال. حياتي في الإسكندرية جعلت الشتاء هو موسم الكتابة، بينما القراءة لا موسم لها فهي طول العام.
في الإسكندرية حيث كنت أعمل في شركة الترسانة البحرية، كنت لا أستطيع أن أسهر مع الكتابة إلى أكثر من منتصف الليل، لأنه لا بد أن أنام لأذهب إلى عملي في الصباح الباكر، لكن ظلت الكتابة في الشتاء لا الصيف. السبب هو أن صيف الإسكندرية عالي الرطوبة، ومن ثم فالخروج إلى الشاطئ والقراءة هناك أفضل. لم تكن الشواطئ بهذا الزحام الذي نراه الآن. لم تكن الإسكندرية حين غادرتها أكثر من خمسمئة ألف مواطن، والآن يزيدون عن خمسة ملايين، والشواطئ كلها كانت مفتوحة للناس وليست كما هي الآن. لا أنسى يوما وأنا في سن الخامسة عشرة أني جلست على شاطئ ترعة المحمودية أقرأ في «الكوميديا الإلهية» لدانتي أليجيري بترجمة حسن عثمان. انشغلت وقتها بكتابة كتاب لم أكمله، ولا أعرف أين ضاع مني ما كتبته، عن علاقة الكوميديا الإلهية برسالة الغفران للمعري، وهو موضوع كتب فيه كتاب كبار، مما شجعني، لكن كيف يكتب الفتى الصغير بحثا يحتاج عقلا حاضرا، وهو مهموم بكتابة القصة التي انكشف ميله إليها. على شاطئ مثل المكس قرأت كثيرا من الكتب. كانت الجلسة على الشواطئ مدخلا لكثير من الحكايات، كتبت بعضها قصصا قصيرة في ما بعد، مما يحدث حولي من الماء والبحر، أو من الناس، أو من طيور النورس. حين جئت لأعيش في القاهرة تغير الأمر. عملي في الثقافة الجماهيرية، أو ما سُمّيَ في ما بعد بالهيئة العامة لقصور الثقافة، أعطاني الفرصة للغياب أكثر من الحضور. لم أزاحم أحدا في مكافأة أو منصب، واعتبرت غيابي هو أعظم مكافأة. كنت حريصا فقط على حضور المؤتمرات الثقافية في المدن المختلفة لأراها، وهكذا تقريبا طفت كل المدن المصرية شمالا وجنوبا. لكن هذا لم يكن يشغل إلا أشهر قليلة من العام، ومن ثم بقية العام لي. صارت طقوس الكتابة جديدة ولم تتغير حتى الآن، رغم تنقلي في أكثر من حي في القاهرة.

صارت الكتابة بعد منتصف الليل حتى أرى أول ضوء للنهار مع الفجر، فأخرج إلى الشرفة أتنشق هواء صافيا قبل ظهور السيارات والناس، ثم أعود للنوم. كان مما فاجأني قول نجيب محفوظ إنه لا يكتب في الصيف، بل في الشتاء في الصباح الباكر.

صارت الكتابة بعد منتصف الليل حتى أرى أول ضوء للنهار مع الفجر، فأخرج إلى الشرفة أتنشق هواء صافيا قبل ظهور السيارات والناس، ثم أعود للنوم. كان مما فاجأني قول نجيب محفوظ إنه لا يكتب في الصيف، بل في الشتاء في الصباح الباكر. ترددت أكثر من مرة في القول إني أكتب فقط في الشتاء، حتى لا يقول أحد إنه يقلد نجيب محفوظ، غير مدرك أن حياتي هي التي شجعتني على ذلك في الإسكندرية، أو القاهرة، وغير مدرك أن طقوس الكتابة ليست إرادة، لكنها الظروف التي تدفع الكاتب إليها، والميول المختلفة بين الأدباء. أذكر أني حاولت مرة الكتابة في مقهى قريب من البيت، لكنني لم أستطع. فلا صاحب المقهى سيوافق على إغلاق التلفزيون، ولا المتحدثون سيكفون عن الحديث بصوت عالٍ، ولا من يتحدثون في الموبايل سيخفضون صوتهم، وهم يتحدثون في أمور لا تهم غيرهم. عادة الحديث بصوت عالٍ لم أصادفها إلا في مصر وإيطاليا، حتى إني في زيارتي مرة لإيطاليا تصورت أني في مقهى مصري. لم أصادف ذلك في فرنسا ولا في إسبانيا أو ألمانيا، ولا حتى في أمريكا أو غيرها. فشلت في الكتابة في المقهى، وعدت إلى ما تعودت عليه، وساعدتني ظروف العمل، وهو الكتابة بعد منتصف الليل حتى أول ضوء للصباح. جعلت ذلك للرواية والقصة، لأني كنت أشعر بالصمت حولي وما زلت، كأنه لا يوجد في الدنيا غيري خلقني الله الآن. على العكس كنت أكتب المقالات نهارا فهي بنت العقل لا الروح، لكن أيضا في بيتي.
سافرت لبلاد كثيرة لم أكتب فيها إلا في مدينة لاروشيل الفرنسية، لأني كنت ضيفا مرتين في برنامج خاص بإقامة الكتّاب لثلاثة أشهر، ومن ثم كان لا بد من التعود على الكتابة ونجحت. في الزيارة الأولى وكانت عام 2001 كتبت سيناريو لمسلسل تلفزيوني. في الزيارة الثانية وكانت عام 2015 كتبت رواية « قطط العام الفائت» وأنهيت جزءا كبيرا منها. الآن اختلف العمر والوقت، ومنذ بدأت أكتب لا أتعجل النهاية، لأني أرى أمامي المستقبل، وأقول «ماذا سيحدث لو متَّ قبل أن تنتهي من الرواية! لن تقف الدنيا فهناك كثيرون يكتبون، وأنت تكتب الرواية استجابة لما منحك الله من موهبة ومستمتعا، لكن ما يأتي بعدها من شهرة أو مال أو جوائز، أمر ليس من أهدافك».

اختلف الأمر مع التقدم في العمر، فصرت أفكر أن لا يشغلني شيء عن الكتابة حتى انتهي منها. منذ خمس سنوات توقفت عن العلاج من عدم القدرة على الحركة. كان خطأ كله. وجلست أكتب في رواية ليلا ونهارا وصيفا وشتاء. الصيف طبعا أتغلب عليه بجهاز التكييف في البيت، رغم أن العادة لم تجعلني استفد منه من قبل. كنت أشعر بأهمية أن انتهي من الرواية. جاءت في ثلاثة أجزاء فأرسلتها إلى دار المتوسط طالبا أن يطبعها العزيز الفنان خالد سليمان الناصري في مجلد واحد، لأني بعد أن انتهيت منها وجدت نفسي حيا، وعليّ أن استكمل رحلة العلاج التي لا أعرف نهايتها. قلت له أريد الأجزاء الثلاثة معا حتى لا يُنشر جزء مكتوب عليه نُشر بعد رحيله. وحدث أن نشرها كما أردت. الأهم أني لم أرحل رغم رحلة العلاج الصعبة التي استأنفتها خارج مصر، بل أضحك الآن كثيرا وأقول لنفسي على مهلك لا تطلب نشر الرواية بسرعة، فتأخير نشرها يعني أنك ستعيش لتراها.
ظلت طقوس الكتابة حولي ثابتة لا تزيد عن أضواء في غرفة مكتبي بيضاء، وصوت الموسيقى الكلاسيكية الذي لم يفارقني منذ اكتشفتها في أواخر الستينيات، ما زالت هي التي تحملني إلى الفضاء، رغم إحساسي بأني خلقني الله الآن وحدي، وظهرت في أكثر من رواية لي حتى صارت موضوعا لرواية «أداجيو». لا طقوس أخرى غير الضوء الأبيض والموسيقى الكلاسيك. كنت في البدايات أحب سماع الطرب العربي قبل الاندماج في الكتابة، لأنه يثير الشجن، ومع الكتابة أتحول إلى الموسيقى الكلاسيكية. الآن لم أعد اتحمل الطرب العربي، لأنه يذكرني بأيام مضت، وأحباء وأصدقاء رحلوا مع قصصهم، وشوارع ومدن خالية وغرباء يحملون قصصا عجيبة، يتجسدون أمامي كلما استمعت للطرب العربي، وكثيرا ما تنهال دموعي حين أسمعه. فكرت كثيرا أن أكتب كتابا عن الطرب العربي، لكن لم أفعلها لأني أعرف أن دموعي ستوقف رغبتي. فكرت أن اختار حتى ولو عشرين أغنية لعبد الحليم حافظ وعبد الوهاب وأم كلثوم ونجاة وشادية وأسمهان وغيرهم، لكن أعرف أن باب الشجن سينفتح. حتى أغنية لليلى مراد مثل «يا رايحين للنبي الغالي هنيالكم وعقبالي» التي يمكن أن تفتح كنزا عن احتفالات أيام السفر إلى الحج والعودة، سيدمرها حادث مثل موت أكثر من ستمئة مصري في الحج هذا العام من الحر والشمس!

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية