الفن والأدب، في هذا الزمان، هما الأكثر طلباً، فحاجة البشر إليهما لا تنفد، رغم البدائل الحديثة، التي تحاول جر الإنسانية بعيداً عن المسارات التقليدية المتوارثة، وقذفها في خضم عالم افتراضي، سريع الإيقاع، لا يتوقف أمام التاريخ ليسائله عن صفحاته الماضية، أو ليتذكر معه بعض اللحظات الشاردة. تخيل معي العالم بلا مسرح، سينما، رواية، قصة قصيرة، شعر، وموسيقى. تخيل لو صار بلا تاريخ، بلا سيرة ذاتية. بلا سرد بكل أنواعه. ما شكله؟ قطعاً سيكون عالماً بلا ماضٍ، بلا هوية، متعثراً في خطاه، متخبطاً في ظلمات لا حصر لها، مفتقراً إلى سند يؤسس عليه إنسانيته، وتفرده بين الكائنات.
يقوم السرد بتشكيل وعينا، يقبض على المنعطفات المهمة، ويعيد ترسيم خرائط الذاكرة قبل أن تتلاشى الأحداث من خلاياها وتغيب في النسيان. أما الرواية، على وجه الخصوص، فهي الأكثر طواعية للمبدع إذا أراد أن يستعيد جزءاً من حياته ويرويه كسيرة ذاتية، أو يحاول استعراضه تحت أجنحة الخيال، لينطلق، دون كوابح تُحد من ثراء اللحظات التي يريد إعادة اكتشافها مجدداً، عن طريق الكتابة. أتذكر هنا، دائمًا، مقولة الكاتب الجزائري الشهير مالك حداد: إن المبدع في كل ما يكتب، لا يكتب إلا عن نفسه. وأنا أميل جداً إلى صحة هذه المقولة عندما أطالع كتابات البعض. وأرى هذا الاجترار للذاتي، والشخصي، والسيري، لمحطات معينة في حياة الكاتب، حتى لو تخفى وراء ضمير الغائب، وكتب روايته وهو ينظر من مكان آمن إلى أبطاله.
في رواية «مقام الفيضان» يقوم طلعت شاهين بتشييد المكان: قرية من قرى الجنوب المصري، شبيهة تاريخياً وجغرافياً، بمعظم القرى المحيطة بها، تكاد تتطابق معها في العادات والتقاليد. كذلك العمل زمانياً على الماضي: تاريخ مصر الحديث، منطلقاً من حقبة محمد علي باشا والي مصر، ليؤصل من خلالها لعائلة «الكاشف» كبرى عائلات تلك القرية البعيدة، متتبعاً الموروث الشفاهي، باحثاً عن الجذور، عبر استنطاق عدد من الأجيال، للوقوف على الأصل التاريخي لهذه العائلة.
هنا الأسطورة، الأسياد والعبيد، الغجر، الفلاحون، عُمد بالوراثة، مشايخ، الجن والعفاريت، خفراء، هجانة، قتلة من أجل لا شيء. الهجرة من أجل العمل في المدن البعيدة، نتيجة الفقر المدقع، أو السفر إلى خارج الوطن، ثم العودة مجدداً بأموال كثيرة، للزواج ومصاهرة الأسر العريقة، حتى لو تغير الحال مع أجيالها الجديدة، ولم يعد أفرادها على قمة الهرم في هذا المجتمع القبلي. هنا أيضاً، جزء صغير من تاريخ نهر النيل العظيم، الفيضان الذي سيقام له «مقام» كأنه أحد عباد الله الصالحين، تخليداً لذكرى «الشيخ حمادة» هذا الولد الصغير، شقيق «البسة» الذي جرفه الفيضان، ولم يعثروا على جثته، والذي رأته في منامها يأمرها بإقامة ضريح له، حتى تستريح روحه الهائمة في البرية، هو ومن ابتلعهم الماء وأخفى أجسادهم، والقصص المرتبطة بهذا الموسم السنوي، قبل بناء السد العالي. إن التحولات التي مرت ببيت «الكاشف»، هي التحولات، عينها، التي مرت على مصر، وما بيت هذه العائلة إلا انعكاساً سردياً لها. مرور ثورة يوليو 1952 على أبطال الرواية والتقاط التحولات الكبرى التي أحدثتها في هذا الجزء من العالم.
شخصية «البسَّة» حفيدة الكاشف، تلك العجوز التي ستبدأ بها الرواية، ثم تجري الأحداث من خلالها ذهاباً وإياباً، تنطلق من ذكرياتها، إلى واقعها، ثم تعود إليها، دائرياً. إنها الشخصية الرئيسة، التي يرصد بها الراوي العليم أحداث روايته، متخلياً عن تواجده المشخصن داخل العمل، فهو راوٍ محايد، يعيد اكتشاف هذا الحيز من العالم بعين وذاكرة تلك المرأة، التي لا بد من ذكر سر إطلاق تلك التسمية عليها. ولكن لنعرف أولاً من هو الكاشف، الذي يقف في كواليس الرواية كشخص أسطوري ثم نعود إليها، مسلحين بمعرفة الجذور، وأصل الحكاية. بالإحالة إلى التاريخ الاجتماعي، نعرف أن هناك عائلات مصرية كثيرة تحمل لقب الكاشف، ولكن لا رابط بينها، ولا يجمعها جَد واحد تعود إليه جذور هذه العائلات. فهي ليست قبائل، أو عشائر يعود تاريخها إلى الهجرات القادمة من الجزيرة العربية، أو تلك التي جاءت من غرب مصر كالأمازبغ مثلاً. الكاشف مهنة. إنه ذلك الرجل جابي الضرائب، المحتسِب، وفقاً للنظام القانوني الذي استحدثه محمد علي باشا، عندما جعل كل الأراضي ملكاً له، ولعائلته، ورجاله، مقسماً مصر إلى مديريات، والمديريات إلى مراكز تضم مدناً كبيرة، أو صغيرة تسمى «الأبعديات». أما المناطق الريفية فتنقسم إلى قرى ونجوع وكفور وعِزب. فهو، هنا، من يقوم على فرض الضرائب، حسب ارتفاع منسوب فيضان النيل، لقد كان هناك، في كل منطقة كاشف، مبعوثًا من قبل محمد علي باشا، يبسط سلطته على المكان، يقوم بدفع الضريبة إليه، ثم يقوم بتحصيلها من الفلاحين أضعافاً مضاعفة، مستغلاً العناصر التي وفرتها السلطة له: خفراء، عُمد، رجال درك، فرق هجانة من راكبي الجمال، مسلحين بسياطهم الرهيبة.
هذا الرجل، متمثلاً لما سبق، هو الشخصية المهيمنة على الرواية، بطل الظل، وهو الجد الأكبر لآل الكاشف، أبطال هذا العمل، وليس الجد الأوحد لكل من يحمل هذا اللقب. غالباً ما يكون هذا الشخص غريباً، غير مصري، تركيّاً، جركسيّاً، ألبانيّاً، غير مسلم أحياناً، قبل انخراطه في النسيج المصري، وفي البيئة المحيطة به. يذوب هو أولاً، ثم نسله، عبر المصاهرة مع بقية عوائل المجتمع المحلي. إننا نستخلص هذا التأصيل عن طريق السرد، لا عبر التسجيل الوثاثقي، فنحن لسنا بصدد رواية تاريخية، أو تأريخية، بل رواية أجيال، معظم أبطالها غائبون، ولكنهم حاضرون في مخيلة الراوي، وحكايات الأبطال، على نحو يدفع المتلقي إلى المتابعة الدقيقة، حتى لا تتسرب منه تفصيلة من تلك الأحداث، ولا يمكن نزع أي قطعة من ذلك الموزاييك، الذي يشكل الصورة الكلية لهذا الخليط المتنافر.
نعود إلى «البسَّة». إنها إحدى حفيدات الكاشف، اسمها الحقيقي «زينة»، لكنها ولدت بيضاء، بعينين ملونتين، لا تحمل لون بشرة الأب أو الأم، أو لون عينيهما، عندما رآها شقيقها الأكبر فور ولادتها، جرى في الشوارع صائحاً: أمي ولدت بسَّة.
البسَّة في مصر هي القطة. وقد كانت عيون زينة تشبه عيون القطة التي تسرح في دارهم. كانت الطفلة بيضاء الوجه، حمراء الخدين، عيناها ملونتان. ثم صارت تلك الفتاة المدللة لدى الأسرة، فهم جميعاً ببشرة سمراء، أو حنطية، وعيونهم سوداء. تمضي الرواية معها بالكنية الجديدة. زواجها بابن عمها، رغم الخلافات العائلية بين أبيها وبين عمها على الميراث، نطالع تلك المؤامرات الصغيرة التي تعقدها الأمهات، من أجل تزويج بناتهن. اللجوء إلى الرُّقى والتعازيم، الذهاب إلى المشايخ أو السحرة، الاستعاتة بامرأة من تلك النساء اللواتي لا يثير وجودهن داخل البيوت مشاعر الريبة، وهي «الداية»، أي القابلة، التي تقوم بتوليد النساء، ولها أكثر من مهنة أخرى لدى الأسر والعائلات. لقد تم استخدامها كرسول سري بين الأطراف. تنقل الأخبار، وتشارك في التخطيط المحكم لإتمام الزواج، ورسمه كأنه جاء وفقاً لأفكار الرجال، وقراراتهم الحاسمة، النهائية.
استطاع طلعت شاهين أن يستفيد من وضعه كمواطن مصري من أبناء الجنوب، «الصعيد الجواني»، وأن يقبض على كثير من ملامح الحياة في هذا الموقع، الضاربة جذوره في التاريخ منذ عهد الفراعنة، وأن يحفظ لنا كثيراً من العادات والتقاليد قبل اندثارها، وإن كانت الحياة هناك تميل إلى المحافظة، بطيئة التطور، متمسكة بالماضي على نحو عنيد. وهو يرصدَ قوانين التغيرات الاجتماعية، بعيداً عن التنظير، ويحوّل نمط هذه الحياة إلى أحداث مثيرة، تجعل المتلقي يقوم باستخلاص الصورة الكاملة لهذا التجسيد المثالي. فلنقترب قليلاً من عادة متأصلة في الجنوب، وهي «الثأر». إنه يفرد فصلاً مثيراً له، ضحيته أحد شخصيات الرواية تحت عنوان «مصرع المنسي»:
«سُمع صوت ارتطام مكتوم، لا يبين صوته كثيراً، يشبه ضربة بلطة في جسد رخو أعقبه صوت آهة زاعقة كما لو كانت تنبع من جُبٍّ عميق، تنبه سعيد العبد للصوت الذي وصله في أعلى النخلة التي كان يجمع بلحها الرطب، لكن العرق المتصبب من جبينه بفعل قيظ الظهيرة حجب الرؤيا عن عينيه، لم يهتم كثيراً بما سمع على الرغم من وضوحه. قبل أن تغيب الآهة عن أذنيه خيل إليه أنه شاهد ثلاثة رجال يهرولون تحت نخلته، لم ينتبهوا إلى وجوده في الأعلى، انتبه إلى خطواتهم المتسارعة، وإلى الهراوات التي يحمل كل منهم واحدة».
المروي عنه هنا هو سعيد العبد. العبد ليس لقباً عائلياً متوارثاً، إنه عبد بيت الكاشف، المختطف من السودان صبياً صغيراً، الذي تم بيعه من تاجر إلى تاجر، حتى وصل إلى هذه العائلة، وكان من بين أعلى أمجادها ومجال فخرها: إنهم يملكون عبيداً. تزوج هناك وأصبح لديه ذرية تعمل في الخدمة لديهم. يصف الكاتب المشهد كاملاً، من خلال عيون، أو ذاكرة سعيد العبد، بخبرة عميقة، واستيعاب كامل للمفاهيم الاجتماعية، في تجلياتها الأعلى شراسة، والأكثر راديكالية.
يمضي مع العبد، مستعيراً صوته، واصفاً لنا تفاصيل مشهد ذبح «المنسي»، الدامي برمته. حضور ضابط النقطة والعساكر، العروج السردي الناعم على تواجد نقاط الشرطة في القرى الكبيرة، طبقاً للقوانين التي أحدثتها ثورة تموز (يوليو) 1952، تعديل نظام «العُمدية»، من النظام الوراثي إلى نظام الانتخابات، تداعيات القتل، التي يتم فرد الفصل التالي لها تحت عنوان «خيط الدم».
«أي دم يراق في الصعيد الجواني يصبح مثل زلزال لا تنتهي نتائجه بانتهاء ضربته القاتلة الأولى، بل تكون له توابع نتائجها أخطر من الزلزال نفسه».
في هذه الرواية، لا يحاول طلعت شاهين القفز في مياه عميقة، أو يمكث في مكان لا يعرف عن تضاريسه وتعقيداته شيئاً، إنه يسبح في مياه هبط إليها كثيراً من قبل، بيئة مواتية، يحفظ مكوناتها تماماً. ويعرف المناطق المظلمة فيها. ينسج الحكايات، يُلقي أضواء كاشفة على شخصيات نعرفها، والتقيناها كثيراً، فهي تشبهنا، تشاركنا التفاصيل نفسها، وإن كانت أكثر حدة. يلجأ إلى إضاءة هذا العالم عبر الحكايات المنفصلة/ المتصلة، بعيداً عن النمط التقليدي للرواية الكلاسيكية: بداية، ووسط، ونهاية. إن استبعاد الحبكة التقليدية، والتوسع في اللعب مع عنصري الزمن الماضي والحاضر، أتاح له توصيل رؤيته الشمولية إلى هذا المجتمع الجنوبي، واستطاع، من خلال هذه القفزات، أن يدمج الحقيقي بالخرافي، الواقعي بالخيالي، الأسطوري بالتاريخي، على نحو فريد. وهو يستعيد للرواية سرّ نجاحها الأول، وتميمتها الناجعة، وهي الاعتماد على الحكاية، بعيداً عن لعبة الأفكار. ليس في الرواية توزيع أحكام، أو وجهات نظر يتم فرضها على القارئ، إنه يلقي الحكايات على مسامعه، فقط، وهو واقف في الخلف، مستعيداً تراثاً شفاهياً، قارب على الزوال، متمثلاً أنموذج الشاعر الجوال في القرى، الذي يحكي «السيرة الهلالية» من دون لي ذراع الأحداث، أو فرض وجهة نظر تتوافق مع أهوائه.
طلعت شاهين: «مقام الفيضان»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2021
174 صفحة.