رينيه عُتيّق في «نسويات المشرق العربي»: هدفي ترميم صورة المرأة الشرقية العربية الراسخة في أذهان أهل الغرب

سمير ناصيف
حجم الخط
0

من مواضيع الساعة التي تُطرح كثيراً هذه الأيام موضوع النسويّة التي يُعرفُها البعض بالمساواة الكاملة بين المرأة والرجل في العالم في الحقوق والواجبات، فيما يرى آخرون انها تعني تحرر النساء من هيمنة الرجال على حياتهن في شتى الشؤون الهامة، أكان ذلك في الشأن العائلي أو المهني أو في القرارات المرتبطة بالحرية الشخصية.
قلّما يتجرأ الكُتاب على تناول موضوع النسوية في العالم العربي بشكل موضوعي لارتباط هذا المفهوم بشؤون قانونية ودينية واجتماعية حساسة. بيد أن الكاتب الفرنسي ـ العربي رينيه عتّيق تجرأ وخطا خطوة علمية اجتماعية متقدمة في هذا المجال في كتابه الصادر بالفرنسية مؤخراً بعنوان «نسوّيات المشرق العربي: نماذج عن نساء متحررات».
يعتبر المؤلف أن أحد أهداف كتابه كان ترميم الصورة الخاضعة للمرأة المشرقية العربية في أذهان معظم سكان الغرب والتي يعتبرون من خلالها أنها إنسانة مرتهنة ومقيدة من جانب مجتمع ذكوري يهيمن عليه الرجال في الدول العربية والإسلامية عموماً، وان دورها فيها يقتصر على القيام بمهماتها في الحيز المنزلي العائلي، وأن مثل هذا الدور تبدل لفترة في منتصف القرن العشرين عندما رجحت كفة أنظمة علمانية التوجه على حساب أنظمة تقليدية متشددة دينيا خصوصاً فيما يتعلق بدور المرأة وتصرفاتها ومظهرها الخارجي ـ بيد أن هذا التوجه التقليدي، برأي الكاتب، عاد إلى الظهور والانتشار في الفترات والعقود الأخيرة لأسباب سياسية فيما كان قد واجه تحدياً كبيراً في فترة النهضة في مصر خصوصاً في منتصف القرن التاسع عشر. الكاتب عتيّق هو حالياً الرئيس الفخري لـ«المركز الوطني للأبحاث الاجتماعية» في فرنسا وأستاذ العلوم السياسية في جامعة بوردو الفرنسية، حيث يركز دراساته ونشاطاته الفكرية على شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا.
ومن أهم ما في هذا الكتاب ما يقوله المؤلف عن أن الحركة النسوية في المشرق العربي الذي يضم دول الهلال الخصيب بالإضافة إلى مصر، مرت في مرحلة ظهرت خلالها نساء قياديات وفاعلات في مجال التحرر الاجتماعي في منتصف القرن التاسع عشر إبان فترة نهضة المشرق العربي. وهؤلاء النساء، اللواتي يتناول الكاتب باختصار ما فعلته شلة منهن في القسم الأول من كتابه، شكلن قدوة للنساء العربيات المتحررات اجتماعياً في القرن العشرين والواحد والعشرين، وبالتالي، تكتسب المقارنة بين هذين الجيلين من النسويات المشرقيات في الكتاب أهمية سوسيولوجية كبيرة، ليس فقط في موضوع حرية المرأة فحسب بل في مقارنة مجتمعات المشرق العربي آنذاك بالوضع الحالي لهذه المنطقة.
بين اللواتي اختارهن الكاتب من كبيرات قادة الحركة النسوية في منتصف القرن التاسع عشر، الكاتبة والشاعرة اللبنانية مي زيادة وزميلاتها المصريات هدى شعراوي وملك حفني ناصيف والفتاة اللبنانية الآتية من طبقة متواضعة في جنوب لبنان زينب فواز والتي أصبحت مرجعاً في موضوع تحقيق التحرر النسوي من دون التخلي عن الايمان بالقيم الدينية والممارسات الإسلامية كما وردت في المراجع الإسلامية المقدسة.
أما بين نسويات القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين، فاختار المؤلف الكاتبة الثوروية المصرية نوال السعداوي والشاعرة والكاتبة الفلسطينية فدوى طوقان والمخرجتين الوطنيتين التقدميتين جوسلين صعب من لبنان ومي مصري من فلسطين بالإضافة إلى الحقوقية اللبنانية البارزة في مجال تعديل الشرائع المجحفة تجاه حقوق المرأة في لبنان والعالم العربي لور مغيزل. كما تناول شخصيات نسوية أخرى بارزة في الماضي والحاضر.
في المقدمة، يشير الكاتب إلى أن أحد أهداف الكتاب أيضاً شمل مواجهة الصورة النمطية للمرأة العربية الخاضعة لأيديولوجيات متناقضة مع الأيديولوجيات الغربية كما بثها وركز عليها الكُتاب المنحازون ضد العرب والإسلام والذين انتقدهم وفضح نواياهم الراحل ادوارد سعيد في كتابه المرجعي «الاستشراق» والتي قد تصل إلى مواقف عنصرية ضد شعوب العالم العربي الإسلامي. مثل هذه التوجهات هي في أوج انتشارها هذه الأيام في الغرب بسبب انحياز بعض السياسيين والإعلاميين الأوروبيين في هذا المجال لتحقيق غايات سياسية تفيد مشاريع الاستعمار الجديدة والصهيونية المتطرفة لدى قادة إسرائيل وحلفائهم الداعين إلى قتل وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.
يذكر الكاتب أن العالم العربي المشرقي ضم في صفوفه مفكرين ذكورا دعموا حرية المرأة ويمكن اعتبارهم من ملهمي الحركة النسوية العربية على شاكلة الكاتب المصري قاسم أمين الذي دعم نساء مصر والمشرق العربي في محاولتهن ضبط هيمنة الرجال المتسلطين على حريتهم. كما يشير إلى رجال دين مسلمين ومفكرين في الحقل الديني دعموا بدورهم قضية تحرير المرأة العربية المشرقية عبر الفهم الحقيقي للإسلام وخصوصاً في المركز الإسلامي لجامعة الأزهر في القاهرة.
ومن كُتب قاسم أمين، حسب المؤلف، كتاب «تحرير المرأة» الذي كتبه في عام 1889 «والمرأة الجديدة» الصادر عام 1900. كما دعا رفاعه الطهطاوي بحماسة إلى تعليم المرأة وتحريرها في الفترة ذاتها.
ويشير الكاتب إلى أن كتابه هذا يشكل هدية للنساء اللواتي اخترن الحرية ومواجهة المجتمع الذكوري الذي كان يحاول قمعهن في مراحل صعبة جداً من تاريخ العالم العربي ومشرقه.
ويقول عن هدى شعراوي (1879ـ1947) أنها أسست في عام 1919 «جمعية المرأة الجديدة» في مصر ودعمت القائد سعد زغلول في مطالبته بالاستقلال الشامل لمصر من الاستعمار البريطاني وشاركت في قيادة «حزب الوفد» الذي كان نائب رئيسه علي شعراوي زوجها. وفي الثورة المصرية لعام 1919 بعدما سَجنَت السلطات المستعمرة معظم القادة الثوار الرجال ونفت بعضهم، أطلقت هدى مجموعة ثوروية نسوية لمواجهة المستعمر ضمت مئات النساء اللواتي تظاهرت في الشوارع ونظمت عمليات مساعدة لعائلات الثوار الرجال المبعدين. وفي عام 1920 انتُخبت هدى رئيسة للجنة المركزية لحزب الوفد وكرست عملها فيها للمطالبة بالاستقلال وتنظيم التحركات في سبيل تحقيق ذلك. وتابعت نشاطاتها في السنوات التالية، وبعد ذلك بين عامي 1930 و1940 في مواجهة المشاريع الصهيونية في فلسطين. (ص35 ـ 37).
أما الكاتبة النسوية اللبنانية مي زيادة والآتية من أب لبناني ماروني مسيحي وأُم فلسطينية والتي تنقلت في عيشها بين مصر ولبنان وفلسطين في الناصرة حيث كان والدها معلماً، فقد أنشأت في صباها مجالس التقاء ثقافي اجتماعي في أماكن معروفة في القاهرة كمؤسسة «غروبي» حيث تم النقاش حول قضايا تهم المرأة والرجل العربي وبرزت ككاتبة وشاعرة وخطيبة ما زاد من الإقبال على مجالسها الثقافية من جانب أدباء ومثقفين مشرقيين ومشرقيات وزوار أجانب (ص43). وتأثرت مي زيادة بدورها بكتابات قاسم أمين وجبران خليل جبران وركزت على أهمية تعليم المرأة. ولبست ثوب الحداد لدى وفاة قاسم أمين عام 1908 الذي اعتبرته ركيزة في النهضة المشرقية النسوية التي انطلقت في مصر.
غير انها واجهت صعوبات عائلية واجتماعية لدى عودتها إلى لبنان حيث استغلها رجال من أقربائها للاستيلاء على ميراثها علماً انها لم تتزوج وكانت من عائلة مرتاحة مادياً، وأدى ذلك إلى ضغوط نفسية كبيرة عليها.
وبدلاً من مساعدتها على النهوض من أزمتها النفسية، سُجنت في مصح نفسي في لبنان أخرجها منه بالقوة والضغط الاجتماعي المفكر أمين الريحاني ومؤسس الحزب السوري القومي أنطون سعادة الذي أعدمته السلطات لاحقاً بسبب مواقفه السياسية الاجتماعية، وزملاء لهم وساروا معها في تظاهرة شعبية ضخمة تقدمتها هي برفقتهم في شارع محاذٍ للجامعة الأمريكية في بيروت، حيث دخل المتظاهرون معها إلى صَرح الجامعة وألقت خطاباً تاريخياً في إحدى قاعاتها. وأكد ذلك الخطاب صحتها النفسية والمعنوية الكاملتين وتقدمها الفكري. وبعد ذلك عادت إلى مصر وكررت الكرّة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ولكن المنية وافتها بعد ذلك بسنوات قليلة (عام 1941) هناك.
الكاتب أورد في كتابه التظاهرة في القاهرة ولكنه لم يشر إلى تظاهرة بيروت لدعم مي زيادة ضد أقربائها من دون ذكر الأسباب. كما تطرق إلى المراسلات الفكرية والإنسانية بين مي زيادة وجبران خليل جبران في الصفحتين (46 و47) من الكتاب ويقول إن جبران دعاها في الشهر الأول من عام 1920 إلى تشجيع الكتّاب والكاتبات في مصر والمنطقة عموماً لاعتناق توجهاتها الفكرية المتجددة.
ويعتبر الكاتب أن منهج مي زيادة الفكري يتقدم على منهج زميلاتها من النسويات المصريات في عهدها كملك حفني ناصيف وهدى شعراوي، إذ ان مواجهة قمع النساء حسب منظارها يتطلب، وفي وقت متزامن مع تحرير النساء، مبادرات لتحرير الرجال من رواسب ذكوريتهم وهيمنتهم إذ لا يمكن ان تتحقق المساواة بين الرجل والمرأة بالقوة والثورات والتظاهرات الشارعية وحدها بل يجب تغيير العقلية الذكورية المنتشرة في المنطقة منذ السنين الغابرة (ص 51) وهذا ما عانته مي زيادة في حياتها الشخصية وساهم في مساعدتها على تجاوزه رجال كبار آمنوا بأهمية حرية المرأة والمساواة بين المرأة والرجل والتزموه فعلياً.
في مجال تغطيته لنسويات القرن العشرين والواحد والعشرين، يربط الكاتب إلى حد كبير الحركة النسوية بالتزام شخصيات كمي مصري وجوسلين صعب وفدوى طوقان بأهمية وأولوية النضال من أجل تحرير فلسطين.
مي مصري مثلاً كانت متزوجة بالسينمائي الراحل جان شمعون، (حسب قول المؤلف) وحققت معه مشاريع سينمائية مشتركة ولكنهما ومنذ مطلع عام 1990 وبرغم استمرار حياتهما الخاصة معاً انطلق كل منهما في مسيرته السينمائية الخاصة حتى وفاة جان في عام 2017.
ولعل أبرز أفلام مي مصري السينمائية والذي نالت عليه الجوائز العالمية كان فيلم «ثلاثة آلاف ليلة» الذي عُرض في عام 2015 والذي يستند إلى قصة حقيقية لامرأة فلسطينية وضعت مولودها في فترة احتجازها في السجن الإسرائيلي. وكانت مي تعرّفت على هذه المرأة في نابلس في عام 1980 وتأثرت كثيراً بهذه القصة الحقيقية. (ص 219). أهمية هذا الفيلم (برأي المؤلف) أنه يظهر دور المرأة الفلسطينية في المقاومة وتعاضد الفلسطينيات مع بعضهن خلال الصراع المستمر إلى الآن، وكونه يظهر صلابة الفلسطينية حتى عندما يحاول الإسرائيليون تكبيلها بسلاسل الاعتقال.
وجرت محاولات لمنع عرض الفيلم في دول أوروبية وبينها فرنسا، ولكن مصري نالت دعم الصحافة الفرنسية وكبار القادة الفرنسيين الفكريين الأحرار وبينهم وزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ مدير معهد العالم العربي في فرنسا آنذاك، ومخرجون عالميون كبار ككين لوتش وكوستا غافراس. وتم عرضه بعد ذلك ولكن في صالة خاصة. ويرى المؤلف بأن مي مصري تبقى الصوت النسوي الفاعل لفلسطين في عالم السينما.
وهناك صوت فني ملتزم غاب عن هذا العالم في عام (2019) وهو صوت السينمائية اللبنانية المقاومة جوسلين صعب والذي يتحدث عنه الكاتب أيضاً في كتابه.
جوسلين صعب عاشت في مرحلة صعبة جداً خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فأهلها انتموا إلى الطائفة المسيحية اللبنانية خلال مرحلة كانت الميليشيات المسيحية تسيطر على الشارع في مناطقهم بينما كانت هي ذات ميول يسارية ـ إنسانية وملتزمة القضية الفلسطينية في أفلامها وخصوصاً الوثائقية منها. وقد تعرّض عدد من أولئك المفكرين والمبدعين الملتزمي الانتماء الإنساني المزدوج عائلياً وفكرياً للقمع، ولكن جوسلين تفادت ذلك لانها كانت كثيرة التنقل ولم تركز أفلامها فقط على فلسطين ولبنان بل تنقلت إلى بلدان عربية أخرى وإلى أوروبا وحققت أفلاماً رائدة عن ليبيا والمغرب وكانت شجاعة جداً في مواقفها ما ساهم في ثقة كبار قادة العالم العربي على اختلافهم بها.
Rene Otayek: «Feministes Arabes Du Levant»
L’Orient Des Livres, Paris 2023
223 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية