تونس: الإقبال على الباكالوريا الفرنسية هل هو هجرة مقنعة؟

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: يقبل التلاميذ التونسيون بأعداد هامة في السنوات الأخيرة على اجتياز امتحان الباكالوريا الفرنسية، في ظاهرة باتت تلفت الانتباه وتطرح التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا الإقبال. فقد كان التونسيون في الماضي القريب يحتفلون بنجاح أبنائهم بشهادة ختم التعليم الثانوي أو الباكالوريا في موعد واحد هو موعد إعلان نتائج المناظرة التونسية، لكن في السنوات الأخيرة أصبح هناك موعدان للاحتفال، واحد بمناسبة الإعلان عن نتائج الباكالوريا التونسية، وآخر بمناسبة الإعلان عن نتائج الباكالوريا الفرنسية.

فبعد أن تهدأ الأمور وتحتفل أغلب العائلات بنجاح أبنائها في هذا الامتحان الوطني، وتتقبل التهاني من الأهل والأحبة، ويعتقد أغلب التونسيين أن السنة الدراسية قد انتهت ويبدأون بإعداد العدة للإجازة الصيفية، يفاجأ رواد مواقع التواصل الاجتماعي بإعلان البعض عن نجاح أبنائهم في الباكالوريا الفرنسية، التي يبدو أنها مع الوقت ستدخل في عادات التونسيين الذين سينتظرون نتائجها بشغف تماما كما ينتظرون نتائج الباكالوريا المحلية. فالإقبال عليها في ازدياد لافت وكثير من الآباء والأمهات بصدد تشجيع أبنائهم على اجتيازها من خلال الدفع بهم إلى تحسين مستواهم في اللغة الفرنسية التي ستمهد لهم سبل التفوق في هذه المناظرة.
والباكالوريا التونسية هي شهادة متميزة وجدية، ومعترف بها دوليا، وبإمكان الحاصل عليها أن يُقْبَل للدراسة في كبرى الجامعات في الخارج، ورغم ذلك يهجرها البعض إلى الباكالوريا الفرنسية وذلك لأسباب عديدة لعل من بينها اختصار الزمن الدراسي باعتبار أن المرحلة الثانوية في فرنسا هي أقل بسنة واحدة من نظيرتها التونسية. ومن بين الأسباب أيضا إيجاد فرصة للهجرة إلى أوروبا بحثا عن التشغيل وتأمين العيش الكريم بعد أن ضاقت السبل في البلاد وزادت نسبة البطالة بشكل لافت في السنوات الأخيرة، ولا توجد حلول حقيقية في الأفق تشجع الشبان على البقاء.
فقد تم في السنوات الأخيرة منع الانتداب في الوظيفة العمومية للضغط على كتلة الأجور المرتفعة بطلب من صندوق النقد الدولي إنقاذا للاقتصاد التونسي الذي وصل إلى الحضيض خلال العشرية الثورية التي أتت على الأخضر واليابس. كما أن هناك حالة من اليأس منتشرة في صفوف كثير من الشبان سببها قناعة لديهم أن إمكانية إقامة مشروع تجاري خاص مربح أمر مستحيل بسبب الاقتصاد الريعي في البلاد الذي يجعل كل قطاع مُحتَكر من قبل عائلة أو عائلتين أو ثلاث في أقصى الحالات لا تقبل المنافسة، فتفرض القوانين التي تناسبها وتتحكم بالسوق وبمصادر التمويل وتعيق نجاح المستثمر الشاب.
ويرى البعض أن هناك تشجيعا للتونسيين على الإقبال على الباكالوريا الفرنسية يتم من قبل الفرنسيين أنفسهم بالنظر إلى رغبتهم في انتداب مهاجرين صغار السن ينتمون إلى فئة الأذكياء المتفوقين دراسيا بالإمكان صقلهم في فرنسا. والأمر يحصل أيضا مع النجباء من حملة الباكالوريا التونسية ومع الأطباء والمهندسين خريجي الجامعات التونسية الذين تُشرِع أمامهم باريس أبواب جامعاتها وتعطيهم المنح بسخاء لافت بينما تُغلِق أبوابها بوجه البسطاء وغير المتعلمين.
ولعل السبب في ذلك، حسب هؤلاء، هو حالة التهرّم السكاني التي تشهدها بعض المجتمعات الأوروبية مقابل تراجع نسبة الخصوبة لديها لأسباب عديدة، وهو ما يجعل هذه المجتمعات تخشى الفناء والإندثار بعد قرون، أو تخشى على الأقل المحافظة على تفوقها. لذلك فإن أصحاب هذا الرأي تراءى لهم أن أوروبا تبحث عن ضخ دماء جديدة في مجتمعاتها من خلال استقطاب شبان يافعين متعلمين من بلدان قريبة وبعيدة وذلك لتدعم وجودها ولتأمين محافظتها على مستوى من التفوق على باقي الشعوب الأخرى خاصة تلك التي هيمنت عليها تاريخيا وصادرت قرارها ولهفت ثرواتها.
كما يرى البعض الآخر في توصيفه لهذا الإقبال على الباكالوريا الفرنسية بأن هناك استغلالا للوضع الاستثنائي الذي تمر به تونس من قبل الجميع، القريب والبعيد على حد سواء، وهناك أيضا، وعلى غرار فرنسا، من يرغب في قطف ورود تعليمها التي تتفتح والحيلولة دون أن تستفيد الخضراء من عبق عبيرها الزكي.

تراجع النفوذ

ويذهب البعض بعيدا للتأكيد على أن تراجع نفوذ فرنسا الثقافي في القارة الأفريقية وإدراك شعوب مستعمرات فرنسا القديمة أن اللغة الفرنسية لم تعد أداة تواصل مع العالم الخارجي خلافا للغة شكسبير، قد يكون دفع بفرنسا إلى تشجيع التونسيين على اجتياز مناظرة الباكالوريا الفرنسية والالتحاق بالتعليم الفرنسي. فتونس قامت بتعريب إدارتها منذ عقود، وفرضت أيضا تدريس مواد علمية من فئة العلوم الصحيحة والتجريبية في المرحلتين الإبتدائية والمتوسطة باللغة العربية، بالإضافة إلى العلوم الإنسانية والفلسفة التي يتم تدريسها بلغة الضاد، وفرضت أيضا تدريس الإنكليزية منذ المرحلة الابتدائية، ووصل الأمر في نهاية عقد الثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي إلى فرض عقوبة مالية لكل تاجر أو بائع يضع في واجهة محله لافتة باللغة الفرنسية فقط.
كل ذلك برأيهم كان يزعج الفرنسيين ويثير امتعاضهم ويعبرون عنه بطريقتهم، من خلال إثارة ملفات حقوقية تتعلق بانتهاكات حصلت خصوصا خلال فترة حكم بن علي، أو من خلال حرمان تونس من دعم مالي أو دبلوماسي أوسياسي، أو من استثمارات كانت مرصودة لها أو غيرها من العقوبات. ويبدو برأيهم أن الفرنسيين يهدفون إلى إعادة الاعتبار إلى لغتهم التي يجتاز بها تلاميذ تونسيون الباكالوريا الفرنسية، وكم من عائلة تمني النفس اليوم بأن يتحسن مستوى إبنها باللغة الفرنسية حتى يجتاز الباكالوريا الفرنسية بنجاح ويسافر إلى بلد الأنوار لإكمال دراسته.

تعقيدات المنظومة

سامية العموري الخبيرة في الإعلام التربوي وأستاذة التعليم في تونس أكدت لـ«القدس العربي» أن موضوع الباكلوريا الفرنسية في البلاد يستحق أن يكون محور اهتمام ويجب أن يُطرح بجدية لأن له مسببات تجعل المواطن يحث إبنه أو ابنته على اجتياز هذا الاختبار. وتتابع محدثتنا: «أولا لنتساءل كيف تسمح التشريعات والقوانين بطرح مثل هكذا مناظرات في بلادنا التي لديها وزارة للتربية وباكالوريا تونسية، وثانيا لماذا يلتجئ التونسي إلى الباكالوريا الفرنسية؟».
وتضيف: «هذا يعود برأيي إلى تواجد الدولة الفرنسية في تونس، وأن الاستعمار الفرنسي ما زال موجودا بكل موروثه ويظهر ذلك في عدة مجالات على غرار التظاهرات الثقافية ومن خلال هيمنة اللغة الفرنسية، وأيضا من حيث تواجد الباكالوريا الفرنسية التي تدفع الناشئة للإقبال على هذا الاختبار. فالتونسي يجد نفسه مجبرا على دفع تكاليف الباكالوريا الفرنسية لأنه حسب نظرته أكثر ضمانا لمستقبل أبنائه باعتبار أن التلميذ التونسي قادر على النجاح بتفوق وبعلامات ممتازة في الباكالوريا الفرنسية والتمتع بمنحة للدراسة في فرنسا».
وتضيف: «أما العامل الثالث فيعود إلى محتوى الاختبار، فالمنظومة التونسية اختباراتها صعبة ومعقدة، بينما الباكالوريا الفرنسية من حيث المحتوى متيسرة ويقبل عليها  التلميذ التونسي بكل راحة ويجتازها بسهولة ويحظى بعلامات مرتفعة تسمح له بالتمتع بالمنح في فرنسا. إذن فالمنظومة التربوية في تونس تعاني من صعوبة البرامج والاختبارات وهو ما يجعل بعض التلاميذ يهربون منها بأيسر الطرق وذلك بنسبة تتصاعد من سنة إلى أخرى».

فرص نادرة

فيصل بن عثمان موظف تونسي تحصل إبنه هذا العام على الباكالوريا الفرنسية عبر في حديثه لـ«القدس العربي» عن سعادته البالغة بحصول أكبر أبنائه على الباكالوريا الفرنسية وعن استعداده لإرساله إلى فرنسا لإكمال دراسته الجامعية هناك. وأكد أنه يشجع ولديه الباقيين على النسج على منوال شقيقهما لأن الحصول على شغل في تونس بات أمرا صعبا، وظروف البلد بعد ثورة 2011 لم تعد تشجع الشباب على البقاء.
يقول محدثنا: «لا أتمنى لأبنائي أن يعانوا من البطالة بعد التخرج أو أن يشتغلوا في ظروف سيئة لا تضمن لهم أبسط الحقوق خاصة وأن الانضمام إلى القطاع العام بات مستحيلا بعد غلق باب المناظرات للضغط على كتلة الأجور وذلك بعد أن أغرَقَنا حكام العشرية الماضية في الديون وملؤوا الإدارة بالعمال والموظفين من المنتمين إلى تياراتهم السياسية. أما القطاع الخاص فإن مؤسساته لا تضمن أبسط الحقوق لمن يعمل بها، ولا تقدر صاحب الشهادة العلمية والمتفوق حق قدره وتمنحه راتبا بسيطا يذهب أغلبه إلى مصاريف التنقل والأكل وبعض الحاجيات اليومية».
ويضيف: «إن تونس التي نعيش فيها اليوم ليست التي عرفتها في العقود الماضية التي كان التعليم فيها مصعدا للارتقاء بالمعيشة ويمكن للفقير الذي يكد ويجتهد ويعمل أن يصل إلى أعلى المراتب ويتموقع في مكانه الطبيعي في الوظيفة العمومية. ما ذنب هذا الجيل ليحرم من حقه في الوظيفة العمومية مثل الأجيال التي سبقته، والأجيال التي ستأتي من بعده، ولماذا يتحمل هو المسؤولية عن أخطاء من عبثوا بالبلد وأغرقوه بالديون وبكثرة الانتدابات في الوظيفة العمومية خلال العشرية السابقة.
كنت أتمنى أن يبقى أولادي في تونس وأن يعملوا لإعادة بناء وطنهم لكن ما باليد حيلة وهذا الوطن قد لا يمنحهم فرصة للمساهمة في بنائه ويبقيهم على الهامش مثل الكثير من هذا الشباب العاطل الذي نسمع منه قصصا محزنة لتضحيات وكد وجهد كانت نتيجتها البطالة. لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها كثير من الحائزين على شهادة الدكتوراه عاطلين عن العمل في تونس ونراهم في وسائل الإعلام يحتجون ويطالبون بالتشغيل، فكيف لا أفرح لنجلي وقد حاز على فرصة لتأمين عيش كريم لنفسه لقادم السنوات؟».
الحفاظ على النخب

من جهتها ترى بسمة المرابط أستاذة التعليم الثانوي في حديثها لـ«القدس العربي» أن الباكالوريا الفرنسية ليست أفضل من حيث الجدية والمستوى من التونسية، بل العكس تماما فالاختبارات التونسية أشد صعوبة وأكثر رغبة في البحث في أعماق التلميذ وتكوينه العلمي والمعرفي، والدليل أن التلاميذ الذين يجتازون الباكالوريا الفرنسية سنويا بتفوق حتى على الفرنسيين هم أبناء التعليم التونسي وتكونوا في المدارس والمعاهد التونسية. ويدرك الفرنسيون أكثر من غيرهم أهمية التعليم التونسي والدليل، حسب المرابط، أنهم يقبلون لا فقط على الأطباء والمهندسين وغيرهم من خريجي الجامعات التونسية وكذلك الناجحين بتفوق في الباكالوريا التونسية، بل أيضا على شريحة التلاميذ في المرحلة الثانوية وذلك من خلال الباكالوريا الفرنسية.
وتضيف: «برأيي على الدولة أن تجد حلا لمشكلة التشغيل وأن تخفف من البطالة قدر المستطاع لإقناع الشباب اليافع بالبقاء في وطنه الذي هو بحاجة ماسة له ليعلي من شأنه، بالإضافة إلى أن نسبة الخصوبة منخفضة أيضا في تونس ونسبة الولادات في تراجع مقابل استقرار نسبة الوفيات. فمن غير المعقول أن تنفق الدولة على تدريس تلاميذ وطلبة تنتفع منهم بلدان أخرى وكأن دافعي الضرائب التونسيين الذين يمولون دولتهم أصبحوا يعملون ويشقون ليساعدوا دولا أخرى تستفيد من تلاميذ وطلبة وأطباء ومهندسين جاهزين كليا أو جزئيا في تكوينهم».
وترى المربية التونسية أن هذا الإقبال المتزايد على الباكالوريا الفرنسية قد يضر بسمعة التونسية أمام العالم فيعتقد المهتمون بالتعليم في الخارج أن التونسيين يقبلون على التعليم الفرنسي لأن تعليمهم مستواه هزيل. وتتساءل المرابط في هذا الإطار «ما أدرى شخص في مكان ما من هذه الأرض قرأ أو استمع إلى خبر مفاده أن التونسيين يقبلون على الباكالوريا الفرنسية بأن سبب هذا الإقبال هو في الحقيقة البحث عن شغل من المرجح أنه لن يجده لو أنهى تعليمه في وطنه؟»
وتختم بالقول «لقد كان التعليم التونسي على الدوام مضرب الأمثال في الجدية وفي تخريج الكفاءات في مختلف الميادين ويجب الحفاظ على هذا المكسب من خلال إعطاء المناظرات الوطنية وعدم خلق مسارات تعليمية موازية. وبالمقابل فإن على الدولة أن توفر الشغل للشباب حتى تحد من هجرة أصحاب الشهائد، وعلى الإعلام أن يكثف من استضافة النماذج الناجحة في الحياة من خريجي التعليم التونسي حتى تكون المثال والقدوة لشباب في مقتبل العمر».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية