في أبريل/نيسان 1965، وصل تيتو إلى الجزائر على متن باخرة. وجد أحمد بن بلة في استقباله، وسلمه هذا الأخير دكتوراه فخرية في القانون والاقتصاد من جامعة الجزائر، ثم أعلن تيتو عن إلغاء التأشيرة بين البلدين، وعن فتح خط جوي مباشر بين العاصمتين. زار زعيم يوغسلافيا كذلك قسنطينة ووهران. تلك الزيارة التي كان من المفترض أن تدوم أسبوعاً واحداً، استمرت 11 يوماً، وكان تيتو أول رئيس أوروبي يزور البلاد عقب استقلالها. ود أن يزور الصحراء ووصل إلى الأغواط. أعجب بجمل عربي فاتح اللون، يناهز طوله المترين. في طريق عودته، وجد تيتو ذلك الجمل وقد صار هدية على متن باخرته. لسنا نعرف من أوحى إلى بن بلة بتلك الهدية، بحكم أن هذا النوع من الجمال لا يعيش في بيئة مثل بيئة بلغراد، لكن تيتو أفرحه الأمر. غادر وترك بن بلة يواجه انقلاباً عسكرياً. ثم انقضت عقود، مات الرئيسان، تفككت يوغسلافيا، ولا نعرف ماذا حل بالجمل، لكننا نعرف أن الهودج (المحمل الذي يعلو ظهر الجمل) لا يزال موجوداً، وبات يعرض في «متحف يوغسلافيا»، الذي خصص جناح منه في عرض الهدايا التي وصلت إلى تيتو، من بينها الهودج الذي جلبه من الجزائر. هذه الواقعة كانت المرة الأولى والأخيرة التي يجاهر فيها رئيس من الجزائر بعلاقته بالحيوانات، لم يحصل أن سمعنا، في وقت لاحق، عن علاقة رؤساء الجزائر بالحيوانات. هل الظهور مع حيوانات يعكر صورتهم إزاء الشعب؟ مع أن الأمير عبد القادر لم يخف ميله إلى الأحصنة من صنف (كحيلان)، ومصالي الحاج، مؤسس الحركة الوطنية، عاش عطوفاً على القطط يهوى تربيتها، لكن الذين جاؤوا من بعدهم لم يسبق لهم أن ظهروا في صورة جنب حيوان.
نظرة خارجية
كان جورج واشنطن يتفاخر بحمار أهداه إياه ملك إسبانيا، بينما روزفلت فكان يمتلك حديقة حيوانات (دب، دجاج، ببغاء، إلخ)، مع عدد لا يحصى من قطط وكلاب. أما الروس فقد حولوا الكلب إلى رمز قومي، منذ أن أرسلوا الكلبتين بيلكا وستريلكا إلى الفضاء عام 1960، ولا يدخل رئيس إلى الكرملين، من غير أن يكون متبنياً كلباً، تلك هي التقاليد. وعندما صار أوباما رئيساً في أمريكا (2008)، وعد بأن يلتحق بكرسي الحكم مرفقا بكلبه، وذلك ما حصل بالفعل. أما إيمانويل ماكرون فقد سمّى كلبه «نيمو»، وقد صار شهيراً من كثرة ظهوره. وعندما صار فرنسوا هولاند رئيسا للبلاد، ولم يكن يملك حيواناً، فإن الهدية الأولى التي وصلته كانت كلبة من فصيلة «لابرادور»، سمّاها: فيلا. وعندما سافر فاليري جيسكار ديستان إلى بريطانيا، لم تجد الملكة إليزابيث ما تهديه له أفضل من كلب اسمه «سامبا». وبعد دفن ديستان أقيم تمثال (سامبا) إلى جانبه.
هكذا لا يصل رئيس إلى الحكم، من غير رفقة حيوان، وهذا الإصرار على حيوانات أليفة يراد منه تلطيف صورة الحاكم في عقول الناس، تخليصه من صورة الشخص المتعالي وتحويله إلى شخص لطيف، يميل الناس إليه. وهذه الحيوانات لها كذلك وظيفة اتصالية. أن يظهر رئيس مرتدياً ربطة عنق، أو يجلس في اجتماع، فذلك أمر عادي ومكرر ولا يثير الانتباه، عكس ظهوره في رفقة حيوان، مع كلب أو قط، مما يثير فضول الناس، ويجعل من تلك الصورة محل انتباه، ويمكن أن يجري تداولها على أوسع نطاق. فالحيوان يساعد على ترويج صورة الحاكم. وتزيد صورة الحاكم مع الحيوان في ثقة الناس نحوه، وفاؤه إزاء كلب أو قط قد يفيد أن الرجل يميل إلى الوفاء في وظيفته السياسية كذلك. ما يرفع من شعبيته. ولكن هناك عاملا آخر يتعلق بالثقافة الشعبية في البلد الذي يتبنى فيه رئيس حيواناً أليفاً. هذه الممارسة مألوفة، في بلدان كثيرة، وتدخل في ثقافتهم، عكس الحال في الجزائر، حيث إن تربية الكلاب أو القطط أو حيوانات أليفة أخرى، ليست سارية، وعندما تجري تربية هذه الحيوانات، تكون الغاية نفعية، عدا في حالات نادرة قد نصادف أشخاصا يربون حيوانات حباً في الحيوان نفسه، وليس من أجل منفعة.
بريجيت باردو والجزائر
منذ مطلع القرن العشرين، سادت ممارسة في الجزائر، يطلق عليها في العامية كلمة «القالوفة»، حيث تبادر البلديات إلى قتل الكلاب والقطط المتشردة، بطلقات نيران، حذر إصابتها بداء الكلب، أو أمراض معدية أخرى. في السنين الماضية، كان من المعتاد أن نصادف في الشارع ملصقات، تحذر الناس من الخروج من بيوتهم، في ساعات متأخرة في الليل أو في ساعات الصباح الأولى، تجنباً من أن تصيبهم رصاصة طائشة، بينما يقوم عمال بالقضاء على الحيوانات المتشردة ثم دفنها. وبدل معالجة الكلاب المريضة، جرت العادة في القضاء عليها. وتآلف الناس مع هذه الممارسة كذلك. والسائد في المخيلة الشعبية أن الكلب فأل شر، لا يستحب أن يدخل بيتاً، ولا يستحب سماع نباحه. لكن قبل عامين تدخلت بريجيب باردو، نجمة السينما الفرنسية سلفاً، والتي أسست قبل ثلاثين عاماً مؤسسة في الدفاع عن الحيوانات تحمل اسمها. راسلت رئاسة الجمهورية، في الجزائر، قصد منع «القالوفة»، والحد من قتل الحيوانات، بداعي إصابتها بأمراض معدية، ولقي نداءها استجابة، بل جرى وقف عمليات قتل الحيوانات.
لكن العلاقة مع الحيوانات لم تتغير، على الصعيدين الشعبي أو الرسمي. لا تزال الكلاب غير محببة، ولا يزال المسؤولون يخجلون من الظهور مع حيوانات أليفة، بل يمكن أن نرى صورهم في مباريات كرة، أو نراهم يسبحون أم يتسوقون، أو يصلون في مسجد أو يتجولون وسط مدينة، أو يشترون أغراضاً من سوق، أو ينوبون عن عامل في مصنع، أو يجلسون على طاولة في مدرسة، لكنهم لا يظهرون جنب حيوان (عدا أكباش عيد الأضحى). يظهرون مع حيوان عندما يدنو من نهايته، وليس حيواناً من شأنه أن يرافقهم في حياتهم العادية. ويبدو أنهم يسايرون الثقافة السائدة، المناهضة للحيوانات، ولا يدركون القيمة الاتصالية في الظهور مع حيوان أليف، مما يرسخ صورة مريحة عنهم في عقول الناس، ويرفع من رصيدهم في الأوساط العامة، هكذا إذن صار الحيوان عنصراً مفقوداً من المشهد السياسي في الجزائر.
منذ الجمل الذي أهداه أحمد بن بلة إلى تيتو، لم نر حيواناً آخر، ولسنا نعرف ما هي الحجة في النفور من الحيوانات الأليفة، بين أوساط الحكام في الجزائر.
كاتب جزائري