«مثل واحد آخر» مجموعة القاص المصري سيد الوكيل: التناغم الاسلوبي خلف الولع بكتابة القصة القصيرة

صابر رشدي
حجم الخط
0

يمثل سيد الوكيل، قاصاً، وروائياً، وناقداً، قيمة أدبية ينظر إليها بتقدير من جانب متابعي نشاطه الثقافي المثمر، والدؤوب، الذي يقوم به متطوعاً، باحثاً عن نصوص جيدة، ودافعاً بعدد من الأسماء المغمورة، الموهوبة، إلى الساحة الأدبية، واضعاً إياها في مكانها الصحيح، من خلال الدعم المتواصل، عبر موقعه الإلكتروني على شبكة الإنترنت، المختص بالقصة القصيرة: نصوصاً، وتعليقات، ومتابعات نقدية. ومن خلال تواجده الفعال في الندوات والمؤتمرات الثقافية. ورئاسته تحرير عدد من السلاسل الأدبية المهمة. وتقليبه الدائم في التربة المصرية للبحث عن كتابات تستحق التشجيع والمساندة.
سيد الوكيل عاشق للقصة القصيرة، مكرساً جل جهده لها: قاصاً، ناقداً، ومنظراً، متابعاً لمساراتها وتحولاتها الفنية، دائمة التطور. يتبدى هذا الإخلاص بوضوح في مشروعه السردي، القائم على الانشغال بهذا النوع الأدبي، الذي لا يقبل الهواة، أو العابثين، ولا يمنح مفاتيحه، سوى للمخلصين من محبي هذا الفن.
في مجموعته القصصية «مثل واحد آخر»، يبدو هذا الولع بكتابة القصة القصيرة، وفقاً لخبرات عميقة، واستغراق تام في عوالمها، وتمكن من حقن السرد، بتكتيكات مختلفة، رافداً بها نصوصه، محاولاً إفساح المجال للفعل الذي يستمتع به الكاتب أولاً، وهو ينسج خيوط عمله. ثم تنتقل عدواه، بالتبعية، إلى المتلقي، من دون أن يشعر بأن جهداً فنياً قد بذل، وعدداً من الاختبارات القاسية، والخيارات العديدة، والحذف، والإضافة، والصقل، قد جرت، قبل المجازفة بالنشر.
لقد قام بتقسيم هذه الإضمامة إلى أربعة محاور:
1  ضفاف الحياة البعيدة
2  همس الأرواح
3  انفعالات ليست «لنتالي ساروت»
4  حكايات عابرة.
تحت كل قسم عدد من النصوص، تجمعها وحدة نفسية، وتناغم أسلوبي واضحان. فلنقرأ معاً قصة من كل قسم. كنموذج كاشف، وغير انتقائي في الوقت نفسه.
في قصة «شباك حبيبي»، من القسم الأول، يتفاعل الكاتب مع واحدة من أعذب الأغنيات المصرية: «أما براوة»، التي صدحت بها المطربة نجاة الصغيرة، بكلمات نابعة من البيئة المصرية الخالصة، كتبها أحد أساطين كتابة الأغنية، هو الشاعر مرسي جميل عزيز، ولحنها موسيقار ذو بصمة فنية لا تمحى، وهو محمد الموجي. صنع الوكيل لهذه الأغنية الشعبية الشهيرة لوحة ذات إطار ذهبي، ثم تسلل بخفة إلى داخلها، راسماً تفاصيلها بدقة، كواحد من عناصرها الرئيسة، لم يرضَ بالوقوف خارجها كضيف عابر، لا يلمح سوى سطوح الأشياء، ولا يستطيع الوصول إلى جوهرها.
يبدأ الرسم بريشة تلتقط أدق التفاصيل، موزعاً كلمات الأغنية، وموسيقاها، على المساحة التي فرضها زمن اللحن، حتى نكاد نشعر أثناء قراءتها بأن هناك مذياعاً قريباً، يتصاعد منه صوت نجاة الصغيرة، بهذا اللحن بالغ الرومانسية. إنه يبدأ بثلاث فتيات مراهقات، بزيهن المدرسي، في داخل محطة مترو الأنفاق، يرقصن ويغنين، بصوت خافت خجول. حتى لا يلفتن نظر الأمن، رمز المراقبة، وتنكيد المعنويات. واحدة منهن تتقمص دور المطربة الشهيرة، نرى ظهرها وهي تتمايل، بينما الأخريان، في مواجهتها، تتمايلان مثلها، وترددان وراءها، على درجة الإيقاع نفسه، في مشهد متناغم.
إنه يلقي بكلمات الأغنية، بيتاً وراء بيت، مرفقة باستخلاص المعني الحقيقي من وراء المجاز، يفسح المجال لهذه الكلمات المغروسة في الوجدان الشعبي، كي تضفي ظلالاً من التأويل على حاضر يفتقر إلى كثير من مباهج الحياة. يخرج من اللوحة، مع نهاية الرقصة، ليتذكر، بالتداعي، الراديو الذي أحضره والده من اليمن، بعد انتهاء خدمته العسكرية هناك، وحكاياته الصادمة عمَّا حدث للجنود المصريين في الجبال، وفي متاهات الصحاري. الموت عطشاً، على نغمات «قلة حبيبي ملانا.. عطشانة.. عطشانة.. يانا».
يتذكر، أيضاً، مع نجاة، أيام مراهقته، حبه لبنت الجيران على وقع أغنية «ساكن قصادي وبحبه». النظر من النافذة على «شباك حبيبي». يذوب في حالة من النوستالجيا الشائقة، عوضاً عن الحاضر الكئيب، مستحضراً لحظات سعادة مفرطة، خفقان القلب العاشق، ذكرياته عن حب شجي، ما زالت عالقة في منطقة ما. في نهاية هذا النص المدهش، ننتبه معه لصوت اصطكاك عجلات المترو بالقضبان الحديدية، تعلن نهاية اللحن الجميل، نشاهده وهو يخرج من المشهد نهائياً، بريشته وألوانه، ليقف على أنقاض الماضي، عائداً بذاكرته إلى جبهات الحرب، على ضفتي قناة السويس، حيث ذهب إليها أبوه ولم يعُد. وكأن الحزن، والفقد، هما مركز التأثير في هذا النص.
في قصة «مثل واحد آخر» من القسم الثاني، ثمة لعبة فنية ندخلها مع السارد، الذي يعلن منذ اللحظة الأولى بأنه راوٍ عليم، يكتب قصة قصيرة، مفشياً أسرارها ومفاجآتها للقارئ، مع السطور الأولى، متخلياً عن ادخار عناصر الإثارة والتشويق، التي يتم الكشف عنها، على نحو متدرج، وحسب خطة مدروسة. إنها تقنية الميتاسرد، قصة القصة، التي تلفت الانتباه إلى وضعها الخيالي، وإلى وقائع تأليفها حسب ديفيد لودج. أي سرد مكتفٍ بنفسه. متمركزاً حول نفسه. لكنه راوٍ ماكر، استطاع أن يحبس أنفاسنا من خلال هذه التضحية بمفاتيح النص، جذبنا إلى المتابعة الدقيقة، والانتباه، حتى نلتفت إلى بطله الذي أعلن عن موته في البدايات:
«هذه الليلة هي في الحقيقة بداية لعلاقة جديدة لبطلنا مع باب شقته، وهي على أي حال لن تستمر طويلاً لأن بطلنا سيموت في الصباح. نعم.. بالتأكيد سيموت في الصباح.. أنا الراوي العليم الذي يتحدث عنه النقاد، أمتلك صلاحيات إله، أحيي وأميت، وأحدد مصائر الشخصيات كما أريد. سيموت بطل القصة، ولكن عليه أن يفتح هذا الباب اللعين، ويدخل خطوتين».
لقد أنشأ خشبة مسرح، وضع عليها بطله، وحدد خطواته، بطله اللامسمى. فقط، نعرف أنه شاب، يسكن شقة وحده بعد وفاة أمه، يحركه الكاتب داخل هذه الحيز الضيق، بنقلات بطيئة، مصحوبة بلمحات عن حياته، لكنَّا نشعر بأننا بصدد شخصية قادمة من مسرح صمويل بيكيت. لا حوار هنا، شخصية تتحرك في المكان وفقاً لمنظوره، لكنها تُقاد سردياً تحت جناح كافكا، وأجوائه. نحن إذن، نعاين عبثية الحياة، وضبابيتها، وراوياً عليماً. يضع نهايات، تتماشى مع أفكاره، وخطته، ويبسط ظلاً كابوسياً على تحركات بطله الوحيد، متأنياً في وصف أفعاله. إنه يريدها لعبة مصائر، ساعياً معها، خطوة، وراء خطوة. لكنها تحولت في النهاية إلى مأساة وجودية، تحمل في أحشائها وقائع عزلة الفرد، وغربته. راسماً نموذجاً كئيباً لإنسان يمثل لا شيء، بعدما بلغ أقصى درجات العدم، وفقد كل طموحاته.
في قصة «عُري بلوري»، من القسم الثالث. ثمة مونولوج طويل لرجل مخمور، يلقي نظرة، تبدو كأنها الأخيرة، على عالمه البسيط، المحدد بعناصر قليلة، نستشعر ترنحه، وتعثر لسانه، من خلال الوصف البطيء للأشياء، التي بالكاد يشعر بها. وعيه المخمور ينبئه بأنه سيموت منزوياً أسفل أحد الجسور، بجوار قاعدة إسمنتية، أثناء خلو الشارع من المارة. مثل هذه الميتة تستدعي وجود كلب ضال، لينهش الجثة. جاء كلب بالفعل، ولكنه كلب مبتور الساق، اقتحم المشهد، وأخذ يحدق إلى الجثة، من دون أن يلمسها، ليدعم فكرة فلسفية ربما أرهقت الكاتب: لماذا يموت البشر هكذا؟
يستدعي الروائح أيضاً. اليوريا، البول النفاذ، الذي يتسرب من رائحة الخمور.. لا أدري، لماذا أميل إلى تيار الوعي، عندما تُجرى حواراته على ألسنة الحشاشين والسكارى، وأجده ملائماً جداً، وواقعياً، لهذه الحالات. أنظر إلى أنيس زكي في «ثرثرة فوق النيل» رائعة نجيب محفوظ. أنظر إلى هذيانه، عندما يضيع في سحابات دخان الحشيش، خليط مذهل من الحكمة واللامعقول، يصنع، بلا شك، فقرات سردية ناجعة.
بطل منذور للموت، لا للحياة، يعاقر الخمر يائساً من العالم، ليس بحثاً عن البهجة. شخص مأزوم، إدارته لنفسه في هذه الحياة مُعطلة تماماً. يستبطن ذاته، على نحو يشي بأنه يستشعر النهايات:
«لقد حملني التاكسي إلى طريق لم أذهب إليه قبلاً، واعتذر السائق بأنه لا يستطيع أن يمضي أكثر من ذلك، ولو فعل فلن يعرف كيف يعود! لذا كان عليَّ أن أحدد موقعي بنفسي، فضلاً عن أنني لا أملك ساعة يد».
مواصلة الطريق مع سائق يعتقد أنه ميت. يجوس في الحياة كـ«بدرو بارامو» بطل رواية خوان رولفو. لا ندري هل هو ميت يمضي في عالم الأحياء، أو حي يتحسس خطاه في مدينة الموتى. يمضي بلا ساعة يد. كأن الحكاية تدور خارج الزمن، خارج الحياة الواقعية، تفجر الأسئلة في كل خطوة، وتفتح المجال لعديد من التأويلات، حيال الغموض، وحيال الأفكار الملغزة.
في قصة «طلب إعانة» من القسم الرابع، ثمة صوت يسرد بضمير المتكلم، لشخصية تعيش حالة من حالات العذاب الإنساني، الأشد قسوة. إنه الذل، نتيجة الحاجة والعوز. ثيمة تستوجب التعاطف منذ اللحظة الأولى. رغم قصر النص، الذي جاء في سطور قليلة، لكنه احتشد ببؤس الإنسانية. جاعلاً الحالة مركزاً للتأثير، مجرداً الشخصية من عمرها، من مظهرها الإنساني. المكان طرقة طويلة، ضيقة، يقع في آخرها مكتب، يجلس وراءه شخص ما، يجيب الطارق بصوته الحاد: اُدخل.
كل الأشياء هنا غائمة: الشخصية. الزمان. المكان. لا اسم ولا كنية. إذن. من هذان؟ لا يهم! فهما حاملا رسالة الكاتب، إحدى الوسائل الفنية، تقنية ما، نشاهد من خلالها ما يجري من تفاصيل، تخص كثيراً من الحالات الشبيهة، ولكن عبر سطور تنضح بالألم، وتلمس جانباً مؤلماً من وقائع الحياة. نحن لسنا بصدد حلول هنا، فالسرد لا يحل مشكلة، لكنه يضع أيدينا على أوجاع البشرية، يشير إلى عذاباتها، هامساً، متحرجاً أحياناَ، أو صارخاً، صادماً، أحياناً أخرى. المهم أن يصل الصوت، على نحو ما، منطلقاً في فضاء العالم، كاحتجاج ضد الظلم. ضد الفقر. ضد استعباد البشر. وأن تكون نبرته صادقة، تنطوي على سلطة الإقناع، التي توفرها الكتابة الجيدة.
يلقي إلينا سيد الوكيل بنهاية محكمة للقصة، بعد المقابلة السريعة بين مقدم طلب الإعانة وبين متلقي الطلب، خاتمة تحمل داخلها كل التأثيرات الفنية المطلوبة. لم يشرح شيئاً، ولم يضع تعليقات سردية، ولم يسترسل في وصف الأشياء، فقط، أغلق القصة بإحكام، معتمداً على الاكتناز والتكثيف، تاركاً للمتلقي تأويلها على طريقته:
«مجرد ابتسامة تلوح من وراء شفتين مطبقتين. ويد تتناول مني ورقة بيضاء، وتبسطها فوق زجاج المكتب بعناية فائقة. وعندما وصلت لنهاية الطرقة، سمعت تمزيقاً مدوياً».

سيد الوكيل: «مثل واحد آخر»
دار ميتا بوك، القاهرة 2022
150 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية