تونس ـ «القدس العربي»: يعتبر المخرج المسرحي والممثل التونسي معز القديري من أهم الفنانين المتواجدين على الساحة في الوقت الحاضر بالنظر إلى أهمية أعماله التي تحوز على إعجاب الفنانين والنقاد والمهتمين بالحركية المسرحية في البلاد وكذلك الجمهور. وأعمال القديري متنوعة وتنقسم بين المسرح والسينما والتلفزيون. فمنذ عام 2007 لم ينقطع عن المشاركة في المسلسلات التلفزيونية كما أسس مدرسة لتدريب الممثلين وشركة إنتاج خاصة بالمسرح والسينما والتلفزيون. ويتميز الفنان والمخرج معز القديري بأنه أحد أهم مكتشفي المواهب الشابة في تونس باعتباره قدم الكثير من الممثلين الجدد للساحة الفنية وساعدته في ذلك مدرسته التي تستقطب الشباب وتصقل موهبتهم ليقتحموا عالم المسرح والسينما والتلفزيون بكل تمرس. وكم من ممثل موهوب عرفه الجمهور في عدد لا بأس من الأدوار الناجحة كان معز القديري وراء اكتشافه وبروزه بعد أن تفطن إليه وأشرف على تكوينه وقدمه إلى الجمهور من خلال مسلسل أو عمل مسرحي سعى القديري إلى أن يكون الممثل الشاب حاضرا فيه.
تجارب جديدة
وتعتبر مسرحية «11- 14» التي تصنف ضمن مدرسة مسرحيات الـ «بسيكودراما» من أهم أعمال معز القديري في عالم الفن الرابع باعتبارها حازت على إعجاب النقاد والجمهور في تونس وخارجها وسال حبر كثير بشأنها صب في خانة الإشادة والإعجاب. وقد شارك القديري بمسرحية «11- 14» في مهرجان ليالي المسرح الحر، بالأردن، الذي شهد العرض الأول للعمل الفني عربيًا ونال الجائزة الذهبية الأولى.
وتتميز المسرحيات التي تنتمي إلى هذه المدرسة بتسليطها للضوء على القضايا النفسية، وتوظّف في هذه العملية الألوان والأصوات وجميع مكونات خشبة المسرح للتعبير عن الحالة النفسية للممثلين أو الشخوص الذين يؤثثون العمل.
وقد كانت هذه المسرحية من خلال نصها الأصلي مونودراما بالإمكان أن يقوم بعرضها شخص واحد لا غير، لكن معز القديري بفضل براعته قام بتحويلها إلى ديودراما تتم من خلال ممثلين إثنين على الركح يحصل بينهما حوار تتطور من خلاله أحداث المسرحية. وفي عملية التحويل تلك توجد رمزية، باعتبار أن داخل الشخص الواحد نفسه توجد شخصيتان متناقضتان متنافرتان وصراعات دائمة بين الشخصيتين تتجلى في ثنائيات تقليدية مألوفة على غرار الخير والشر والحب والكره والصدق والكذب والغدر والوفاء وغيرها.
ولعل ما يحسب أيضا لمعز القديري في هذه المسرحية الحدث هو نجاحه في جعل بطلي المسرحية متناغمين في الأداء، وفي الخطاب الذي يتضمنه الحوار، وعلى مستوى الحركات والتنقل على الركح، وذلك رغم التناقض بينهما بالنظر إلى أحداث المسرحية. ولئن دل ذلك على شيء فإنه يدل على احترافية القديري ونجاحه في تطوير نفسه خلال السنوات الماضية للوصول إلى هذا المستوى الإبداعي الذي سيزيد في تطوير المسرح التونسي الرائد وإثرائه بتجارب جديدة تبقى مراجع لمختلف الأجيال.
صراع مميت
وتتحدث هذه المسرحية عن فتاة تفقد حبيبها وتصاب نتيجة لذلك بانهيار عصبي، فيحصل داخلها صراع مميت بين الوعي والعقل الباطن، أو الوعي واللاوعي بلغة علم النفس التحليلي الفرويدي. فيخرج اللاوعي من العقل الباطن من خلال عملية تصعيد ويبرز للوعي وتكون الصدمة للوعي الذي كان يعتقد أنه السيد في تصرفاته وأفعاله فإذا بشخصية ثانية تعيش معه وتناقضه تماما في توجهاته وتعاني من آلام ورواسب استقرت في زاوية ما داخل الإنسان وبقيت تتحين الفرصة للتعبير عن ذاتها.
لقد كان عقل الفتاة الباطن في حالة يأس تام يصعب معها الاستمرار في الحياة بعد فقدان الحبيب فيستيقظ الوعي الذي يكتشف هذه القوة التي تجذبه إلى الوراء والتي تشاركه السكن في ذات الجسد، ويتفاجأ بوجودها، فيحاول أن يعيدها إلى صوابها ويخرجها من مستنقع الألم والإحباط. فالوعي يرغب إذن في التجاوز والانطلاق مجددا وصناعة الأمل فيما اللاوعي محبط ومنهار ويعيق مسير الفتاة نحو آفاق أرحب حيث العمل والأمل والتخطيط المحكم للنجاح في الحياة.
طبيب نفسي
لقد غاص معز القديري في أماكن عميقة داخل هذه الفتاة وخصوصا في منطقة اللاوعي أو اللامرئي، وتعمق كما يجب في عقلها لاستجلاء التفاعلات داخلها مبرزا الصراع ما بين العقل الباطن والوعي وكأنه طبيب نفسي بصدد الكشف عن مريضه حتى يقوم بتشخيص الداء لوصف العلاج اللازم له. ويبدو أنه اعتمد على تقارير طبية تخص بعض المرضى أو جلس إلى أطباء نفسيين تحدثوا عن حالات تعرضوا لها أثناء ممارستهم لعملهم اليومي لأن ما جاء في المسرحية ينم عن ثقافة واسعة في مجال الطب النفسي ودراية لامتناهية بهذا الميدان الحساس.
إن مسرحية «11 ـ 14» هي باختصار رحلة لسبر أغوار المعاناة الإنسانية التي يعيشها المصابون بالاكتئاب ممن تعرضوا إلى فاجعة غيرت مجرى حياتهم فتراهم تتقاذفهم الثنائيات يمينا ويسارا فتارة يحدوهم الأمل لمستقبل أفضل وطورا هم محبطون إلى حد كبير لا رغبة لهم في الحياة من الأساس. ويبقى هؤلاء على حالتهم تلك إلى أن يتغلب أحد الطرفين على الآخر، فإذا تغلب الوعي انطلق الإنسان وواصل مسيره في دروب الحياة محققا آماله، وإذا تغلب اللاوعي عاش محبطا أسير ماضيه مستسلما لآلامه وعجز عن الانطلاق والمسير مجددا.
تناغم كبير
ويجسد الممثلان مروان الميساوي وهيثم المومني الشخصيتين الرئيسيتين والوحيدتين في المسرحية ونجحا إلى حد كبير في إتقان الدورين وباحترافية عالية بدا من خلالها أن القديري قد وفق في الكاستينغ لاختيار بطلي مسرحيته وكان على دراية تامة بقدرات كل منهما وعلى ثقة من نجاحهما. كما بدا جليا أنهما تدربا كما يجب على المسرحية بما تتضمنه من حوار وتعبيرات جسدية، وأجريا عروضا تجريبية كثيرة بإشراف وتأطير معز القديري الذي لم يترك شيئا للصدفة وقرأ حسابا لكل شيء فيما يتعلق بالنص والممثلين والديكور والإضاءة وغيرها مما يحتاجه العمل المسرحي.
كما تميزت المسرحية بفترات صمت مطبق يقطعها صوت قطرات ماء للدلالة على الحالة النفسية للمريضة التي تكون هادئة وقد نسيت لبعض الوقت أزمتها لكن الذكريات الحزينة تبدأ في التقاطر على عقلها الباطن فينتفض. ومع انسياب قطرات الماء يبدأ الخطاب بين الشخصيتين في التشنج وتحتد اللهجة حتى تصل إلى أوجها فتبرز معاناة الإنسان في هذا الصراع الذي يبدو ضروريا لتشكل الوعي باللاوعي.
تأويلات
وللإشارة فقد طغى اللون الأبيض على الركح في كل عروض هذه المسرحية وكأن المخرج يريد أن يجعل المشاهد يعتقد أنه في مستشفى جدرانه بيضاء وأسرته ملتحفة بلحاف أبيض وطاقمه من أطباء وممرضين وغيرهم يرتدون لباسا أبيض. أو ربما أراد من خلال اللون الأبيض أن يصور لا وعي الفتاة حيث الفراغ والضياع التام والعدم، وربما وعلى النقيض من ذلك تماما يرمز البياض إلى الأمل في حياة أفضل بيضاء ناصعة مع انتصار الوعي على اللاوعي.
لقد أثبت معز القديري من خلال هذه المسرحية أن الحركة المسرحية في تونس بخير رغم الأزمة التي يمرّ بها البلد، وذلك بفضل صمود المسرحيين وتنافسهم فيما بينهم على الإبداع، وهم الذين ينتجون مئات العروض كل عام من دون كلل أو ملل. والأهم هناك جمهور للمسرح يعرفه زوار تونس الأجانب في المهرجانات المسرحية الدولية، عرف بوفائه لمسرحه وإقباله على متابعة عروضه وهو ما يشجع المسرحيين على مزيد النجاح والتألق.