عنوان هذه المجموعة القصصية الجديدة لحسين عبد الرحيم هو « يجري في ملابسه كالضليل» نشرتها مجموعة بيت الحكمة منذ شهرين. حسين عبد الرحيم صاحب الأعمال السابقة، التي تصل إلى خمسة عشر عملا بين روايات ومجموعات قصصية أو شهادات صحافية، والحاصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2017 وتُرجمت بعض قصصه القصيرة إلى لغات أجنبية.
معرفتي بأعماله قديمة يدهشني فيها دائما اللغة الحسية الأقرب إلى المشهدية، فقد عمل وقتا طويلا مساعدا في الإخراج السينمائي. وعندما تقرأ هذه المجموعة مثلا تندهش من معرفته العميقة الدقيقة بالقاهرة أو غيرها كالإسكندرية، هو ابن محافظة بورسعيد. حقا يعيش في القاهرة، لكن من المؤكد أن الأفلام التي عمل فيها جعلته يطوف بالقاهرة وغيرها. لن أستطيع الحديث عن كل القصص، لكن سأتنقل بين المعاني الكبرى فيها لرحلة البشر مع الحب والأحلام والأوهام والفلسفة الوجودية التي تغلف ذلك كله. هنا العنوان حافل بالحركة، لكن التأمل يثير السؤال. كيف يكون الجري في الملابس كالضليل، الذي تعودنا أن نراه يجري عاريا.
في إحدى قصص القسم الأول الذي يحمل عنوان «النار التي أشعلت الحواس»، والذي يضم ثماني قصص، تعرف أنه وصف حال الشخصية وهو طفل حين كان أبوه يعاقبه، وصار هكذا حتى كبر حتى وإن لم يعد يجري.. قصص المجموعة كلها معبرة عن العنوان. ففي أول قصة التي تحمل عنوان» واحد بورسعيد» وهو نداء السائقين لسيارات الأجرة الواقفين بسياراتهم في المحطات العامة، نجد لهاثا بين البلاد من الشمال إلى الجنوب، في سيارة مع صديقه وهما صائمان، ويجري في وصف الأماكن بصورة مجسدة، لكنه أيضا يجتر محطات عمره الفائت في دوائر وحلقات ولا يصل إلى مكان. تظل القصة مفتوحة على الخوف من الموت المعلق في الفضاء بأي حادثة مكافأة على الحياة. في القصة الثانية «ليالٍ عشر» اغتراب عن كل ما حوله، ينظر إلى جمجمته ويتذكر شكلها الذي تغير مع الزمن، والحادثة التي وقعت له منذ سنوات وهو يزور صديقا في الزمالك، فسقطت أسياخ الحديد عليه من شقة صديقه وأصابته. الآن صار عجوزا يناديه صبي المكوجي من خلف الباب ولا يرد. وحين يلاحظ أن جهاز التكييف يعمل ليل نهار منذ أن دخل إلى الشقة عائدا من السفر تعرف أنه لا يخرج منها. اختبأ بنفسه وعقله عن العالم. وهكذا في القصة الثالثة التي عنوانها «خمسة وستون عاما» كأنها تكملة لرحلة بلا طائل أو جواب. وتأتي القصة الرابعة» عمر الحمزاوي»، ورغم أن الأسماء فيها حقيقية مثل المخرج حسام الدين مصطفى ومثله هو حسين عبد الرحيم ويوسف شاهين وغيرهم. يلتقي بحسام الدين مصطفى في حفل تدشين فيلم «الشحاذ» في بورسعيد. تعرف من الحوار والأحداث أن حسين عبد الرحيم هو عيسى الدباغ أيضا بطل رواية «الشحاذ» الوجودي الحائر الذي لا ينتهي إلى شيء أبدا. حتى بعد تعرفه على المخرج وزيارته له في بيته في الزمالك لم ينته من كتابة الرواية التي ينتظرها المخرج لتحويلها إلى سينما.
في قصة «الأرض الواطئة» ينتابه المرض فتستيقظ الذاكرة والأحلام لكن عزرائيل يسخر ضاحكا من الذين يحاولون الفرار من الموت، وتأتي قصة «رجرجة» التي هي رجرجة بين الواقع والضائع من الرؤى، لتأتي آخر قصة بعنوان «الرحلة» ليس مهما التفاصيل ولا سبب الرحلة هل للتجنيد أم لشيء آخر، لكن نهايتها كاشفة حين يسأل شخص صديقه «هل تعلم موعد وصولنا إلى المعسكر» يقصد بالقطار. فيتساءل الصديق «هو طالع على كينج مريوط عِدِل أم سيتوقف في دهشور؟»، والذي يعرف أين تقع هذه المدن يدرك أن الحديث ضياع، فليست أي منهما في طريق الأخرى. دهشور في محافظة الجيزة وكينج مريوط في طريق الساحل الشمالي.
ننتقل إلى القسم الثاني الذي عنوانه «سفر الأحلام والتوهمات»، الذي بعد أن تدخل في قصصه تدرك أنه أحد تجليات النار التي أشعلت الحواس في القسم الأول، لكن هنا تكون الأحلام والتوهمات، هي نتاج النار التي تملأ روح شخصيات القصص. خمس عشرة قصة قصيرة تتجلى فيها هذه الأحلام أو التوهمات. في القصة الأولى «الروح» توهمات بأن كل النساء في العمل يشبهن الحبيبة الغائبة. يسرد في فقرات سريعة ملامح من قصة الحب. لكنها تزوجت وغابت وتزوج هو وصارت صديقتها وصديقته تحمل ملامحها، ثم صارت كل النساء. تستمر رؤاه لها في الحدائق والشوارع وكل شيء. في القصة التالية «الساحلي» أحلام الطفل الذي فقد أبوه وهرب من عمه، أن يطوف بسفينة تتجه نحو المكسيك. يكبر وتضيع قصة الحب في حديقة المريلاند بين الأشجار، ولا يبقي غير أشجار السيسبان ترقص أوراقها. هكذا نستمر مع الأحلام والأوهام. نلاحظ هنا أن القاهرة بكل أحيائها الشهيرة وحدائقها تقريبا تفرض حضورها. المريلاند يتكرر حضوره وكل الأحباء يعرفون كم كان أجمل أماكن الحب يوما فيه تم تصوير أفلام، ووراء الحب فيه حكايات لم يبعد عنها أحد من شباب القاهرة. في قصة مثل «ألف سنة» يدور البطل في عالم قديم، كأنه بداية البشر بما فيه من طبيعة واتساع، ليلتقي بالمرأة لأول مرة، وكعادة المجتمعات القديمة يرى جنودا أتوا من كل وادٍ سحيق، مدججين بالسلاح والهراوات يحاولون الفرار، لكنه يحجب الطرق بأن يطلق أدخنة تحجب السماء القريبة. يمكن أنه يسد عليهم الطريق، لكن الأكثر هو أنه يسد الطريق على رؤاه. في قصة مثل «الهروب» يهرب في المدينة من جنود يطلقون النار في كل مكان فتملأ الدماء الشوارع في القاهرة والنيل. حتى بيروت تظهر في إحدى القصص «صخرة طانيوس»، أثناء الحرب الأهلية وفيها مرافق البطل في الغرفة في الفندق يسمع أحلامه وما يقول فيها.
يأتي القسم الثالث تحت عنوان «الركض فوق الجسور»، وفيه ست عشرة قصة. العنوان دال. فهنا حركة وركض، حتى لو كانت في القصص بعض الأوهام. هنا نبدأ بقصة المرأة التي هربت من جنود الحلفاء بعد وصولهم إلى ألمانيا وإيطاليا، إلى خلاء وغابة ريميني. يلحق بها جندي يطلب الاختفاء فتضعه تحت ثوبها وبين فخذيها، يشعر بجسدها ويضحك، وحين وصل جندي بريطاني كان يتابعه وكانت قد جلست تطهو، تقدم إليه شطيرة من اللحم وتسأله هل أعجبتك فطيرة اللحم التي هي من الجاموس الفريزيان الذي يعشقه جنود الحلفاء المنتصرون؟ ليس مهما أي معنى وطني هنا، لكنه الفعل الفارق لأي توقع إنساني وفقا لخيال الكاتب العجيب.
نجد أنفسنا نتنقل في الحركة بين البلاد منها أيضا قناة السويس وطريق الرسوة والمستشفى الذي فيه أم البطل، حيث المرضى والبطل ودورانه فيها بين الغرف في متاهة، وتصوير كل شيء من الممرضات للأطباء للمدير، وكأنها دائرة جهنمية لا تنتهي. كذلك يأخذه الخيال إلى زيارة المطرب عبد العزيز محمود ليغني في بورسعيد وجولة مع الفتوات الذين يتحلقون حوله، والذين جاء ذكر بعضهم في قصص سابقة وهكذا نستمر مع الحركة. فالنار التي أشعلت الحواس ما زالت تعمل، رغم اختلاف النتائج. مشهدية السرد هي مصدر شاعريته، فعينا حسين عبد الرحيم كما تتوقفان مثلا عند الأشجار بمسمياتها المختلفة وصفاتها، يصف كل شيء بدقة مصمم الملابس إذا كان الحديث عنها، أو مصمم المكان إذا كان الحديث عنه. ويذكر نوع كل سيارة ولا يتوقف عن وصفها. بالبلدي «مايفوتش النملة في الوصف» كمخرج سينمائي أريب، ولا يثقل به الأحداث، بل يزيدها بريقا. تشعر بخبرته في العمل في السينما. ورغم اختلاف زمان ومكان كثير من الروايات لا يخطئ في ما يصف، بل يجعلك تفكر في هذه الموضات من الملابس أو البنايات أو غيرها أين ذهبت. وكل ذلك الحضور لا يمنع من السؤال الوجودي إلى أين تذهب الحياة، ومن الذي يجري في ملابسه كالضليل؟ ليس إلا نحن البشر.
كاتب مصري