نسرين شهرة فنية سريعة واعتزال مُبكر قبل اكتمال النجومية

كمال القاضي
حجم الخط
2

ربما لا يعرف جيل التسعينيات والألفية الثانية من جمهور الشباب الفنانة نسرين، أجمل وجوه السينما المصرية وأكثرها براءة، فقد اعتزلت مُبكراً وتركت الساحة الفنية غير آسفة ولا مُكترثة بما فاتها من فرص كان من الممكن أن تضعها فوق القمة وتُحقق لها مزيداً من الشهرة والنجومية.
لقد اتخذت نسرين محمد أحمد عبد السلام الشهيرة بنسرين قرار الاعتزال في عام 1991 بكل إصرار وتحدي ورفضت أي نوع من المساومة لرجوعها مرة أخرى للتمثيل وهي التي كانت واعدة ومحبوبة وتتمتع بقدر هائل من الموهبة والحضور على خشبة المسرح وشاشتي السينما والتلفزيون. اكتفت نسرين خريجة المعهد العالي للكونسرفتوار بأكاديمية الفنون بما حققته من نجاح وشهرة وقنعت بدور الزوجة والأم، فهي متزوجة من الفنان مُحسن محي الدين ولديها اثنين من الأبناء عكفت على تربيتهما ومضت في مسيرتها الجديدة بهدوء بلا صخب أو شوشرة.
وبرغم اعتزالها منذ أكثر من ثلاثين عاماً لا تزال تحتل موقعا متميزا في ذاكرة جمهورها القديم الذي يحفظ عن ظهر قلب أدوارها في السينما والمسرح والتلفزيون، حيث قدمت العديد من الشخصيات بصور شتى وأنماط مختلفة إنسانياً وسيكولوجياً وثقافياً. وبرزت الفنانة كشخصية قوية لها كاريزما خاصة وأدوار معينة كان لها تأثير بالغ إبان عرضها الأول كدورها في مسلسل «الشهد والدموع» الفتاة الجامعية المُثقفة التي انحازت للحق وارتبطت بعلاقة عاطفية مع ابن عمها خالد زكي متجاوزة الخلافات العائلية وميراث الحقد بين أمها دولت هانم، نوال أبو الفتوح وعائلة عمها شوقي، محمود الجندي.
كما أنها قدمت دوراً مهماً للغاية في مسلسل «رحلة السيد أبو العلا البشري» الذي كتبه أسامة أنور عكاشة بحساسية ورهافة ورسم فيه شخصية الفتاة الرومانسية المثالية التي تواجه رغماً عنها ظروفا نفسية صعبة تحول دون توافقها الكامل مع خطيبها محمد العربي ابن ناظر المدرسة، محمد توفيق، الملتزم بالحق والفضيلة والداعي دائماً إلى التمسك بالقيم والمبادئ لمواجهة العالم البرغماتي المادي حفاظاً على ما تبقى لدى الشخصية المصرية من خصال حسنة ومُثل عُليا.
هناك حوارات كثيرة فلسفية في مُعظم أدوار نسرين كان يخصها بها أسامة أنور عكاشة لإحساسه بأنها الأقدر على أدائها بصدق وعفوية.
وقد ارتبطت بالفعل بهذا النمط من الأداء التمثيلي الأرقى والأعمق، فليس غريباً على فنانة درست الموسيقى في أعرق معاهدها المُتخصصة أن تكون بهذه الرقة والحساسية المُفرطة في خطابها ولغتها وثقافتها العامة.
لقد هجرت نسرين الساحة الفنية والثقافية لكنها لا تزال مؤثرة وحاضرة بقوة في الوجدان المصري والعربي، ولو أن هناك لقباً يمكن أن يُطلق عليها كفنانة لاستحقت بكل جدارة لقب فيلسوفة الأداء التمثيلي كونها اعتنت بالبحث في فلسفة ما تقدمه من أدوار وشخصيات وغاصت في عمق شخصياتها الإبداعية فاستخلصت أهم ما فيها من معان وحكم وتفسيرات يخضع بعضها للمنطق ويُحلق بعضها الآخر في الفضاء المثالي الرحب فتبدو الشخصيات الحية كأنها منفصلة عن الواقع ومُنبتة الصلة بمن حولها.
وبرغم إسهامات نسرين السينمائية والمسرحية غير القليلة إلا أنها ارتبطت في الذاكرة الجمعية للجمهور بالأدوار التلفزيونية، ذلك لأنها ركزت بمحض إرادتها على هذا الجانب واختصت الفئات البسيطة من مشاهدي التلفزيون بأفضل ما لديها من الأدوار الإنسانية، فيما ادخرت الجزء الآخر من موهبتها لجمهور السينما بوعيه المُختلف وثقافته المُتباينة.
ولم تنس بالطبع المسرح بعالمة الفكري ولغته الإبداعية الخاصة، حيث الالتزام الحرفي بالنص وأسلوب الأداء الذي يستلزم في أغلب الحالات الجدية والانتباه الشديد لكل كبيرة وصغيرة من تفاصيل العمل وأبعاده وإشاراته وإسقاطاته ومضمونة الكلي والجزئي.
وقد شهدت سنوات النشاط في مسيرة نسرين الفنية التي انحصرت بين عامي 1973 و1991 تنويعاً في الأعمال وجودة في الماهية والقيمة، فهي من لعب دور البطولة في العديد من الأفلام التي كان من بينها «شباب على كف عفريت» و«أبناء للبيع» و«الحفيد» وكلها نماذج تخلو تماماً من أي هبوط أو إسفاف أو مُتاجرة رخيصة.
ولم يختلف الأمر بالنسبة لإبداعها المسرحي، حيث حرصت قدر الإمكان على اختيار الأنسب من الأدوار في مسرحيات مثل «ليلة الزفاف» و«فندق التلاث ورقات» و«عالم يهوس» و«هالو دوللي» و«آخر موضة» ولطبيعة الفن المسرحي كانت الكوميديا هي العنصر الأقوى الباعث على الضحك والمؤدي في كثير من الحالات للسخرية من الظواهر السلبية وهو ما كان مُستهدفاً من النصوص والمُعالجات الدرامية ذات المعاني والمغازي الإيجابية.
وإذا كنا قد أشرنا لأهم أعمال نسرين الدرامية وتوقفنا عند البارز منها فهذا لا يمنع أن هناك مُسلسلات أخرى قدمتها في بداية حياتها كان لها صدى جماهيريا واسعا عزز بلا شك من وجودها آنذاك كفنانة وأكد نجاحها، كمسلسل «فرصة العُمر» الذي قدمته مع الفنان محمد صبحي صاحب الدور الأشهر علي بيه مظهر، فهذا العمل تحديداً كان البوابة الواسعة التي عبرت منها لتصل إلى عالم الشهرة والأضواء.
غير أن هناك مُسلسلات أخرى أضيفت إلى رصيدها الفني القيم أيضاً كمسلسل «على أبواب المدينة» ومسلسل «المشربية» و«صيام صيام» و«عابر سبيل» و«أصابع الزمن» وغيرها.
هذا قليل من كثير حوته الذاكرة الإبداعية الخاصة بالفنانة المُعتزلة نسرين، وتضمنه أرشيفها السينمائي والمسرحي والتلفزيوني الذي خلا تماماً من الإبداع الموسيقي، تخصصها الدراسي الأصلي في معهد الكونسرفتوار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية