فجأة تحرك العالم «الحر» بكل قواه، مستنكرين حالة أرهقت أحساسيس شعوبهم المرهفة، وشنعت الروح الرياضية الزهية، ولطخت الصورة الوردية التي كانت عليها منافسات أنبل الألعاب وأقدمها.
الأمر لا يتعلق باعتراض الزعماء والرؤساء والمسؤولين على مشاركة أكبر وفد يمثل الكيان الصهيوني في دورة الألعاب الأولمبية في باريس في ظل استمرار آلة البطش الاسرائيلية تعمل على قتل الشعب الفلسطيني، بل ثار هذا العالم على الملاكمة الجزائرية إيمان خليف التي أثارت «جنسها» جدلاً دولياً بعد انسحاب منافستها الإيطالية أنجيلا كاريني بعد 46 ثانية فقط إثر لكمتين قويتين على رأسها. وسارعت الانتقادات من كل حدب وصوب، ومن أعلى المستويات، حيث لاقت خليف انتقادات لاذعة من رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وحتى من ايلون ماسك مالك منصة «اكس» والذي صب الكثير من الزيت على النيران المشتعلة في موقع التواصل الشهير، حتى أن الروائية الاسكتلندية الشهيرة جاي كي رولينغ، صاحبة سلسلة «هاري بوتر» أدلت بدلوها بكلمات ناقدة.
وحاول المتهجمون على الملاكمة الجزائرية إيهام الرأي العام بأنها «متحولة جنسيا»، إلا أن اللجنة الأولمبية الدولية حسمت الجدل حين أكدت «أنه لا توجد قضية تحت اسم ملاكمات غير مؤهلات للمشاركة في منافسات أولمبياد باريس». وأضافت أن «جميع الرياضيين المشاركين في منافسات الملاكمة في هذه الدورة، اتبعوا قواعد الأهلية والتسجيل، بالإضافة إلى الامتثال الكامل للوائح الطبية المعمول بها والتي وضعتها وحدة الملاكمة في باريس».
اذا كان هناك تلاعب وغش، فاننا سنكون أول من يفضح ذلك، ولن نقبله، لكن في المقابل، اذا كانت السلطات الرياضية الرسمية أعطت الحق للاعبة بالمشاركة، فلها الحق أيضا بأن تلعب بحرية ومن دون ضغوط أو انتقادات لاذعة تؤثر على مسيرتها، وواجب علينا كاعلاميين ومتابعين أن نضمن لها ذلك، وهي مقابل الهجمة التي تعرضت لها، أطلق الجزائريون حملة تضامن واسعة مع بطلة الملاكمة، تقدمها مشاهير ونجوم المنتخب الوطني لكرة القدم.
والذي لا يعرف خلفية ما حدث، فان خليف كانت حُرمت من خوض نهائي بطولة العالم في نيودلهي بسبب عدم استيفاء معايير أهلية الجنس و«مستويات هرمون التستوستيرون»، وهو ما قاد الى انطباعات واستنتاجات من المفترض ان اللجنة الاولمبية الدولية حسمتها عبر اعطاء الضوء الاخضر لها بالمشاركة. ولم تكن الخصمة المقبلة لخليف المجرية أنا لوكا هاموري راضية، معتبرة أن مشاركة الجزائرية «غير عادلة»، علماً أنه سبق لهاموري نفسها أن دافعت عن مشاركة خليف، قائلة لوكالة الأنباء الرسمية المجرية «أم تي أي» إنه «إذا سمحوا لها بالمنافسة هنا، فمن المؤكد أنهم يعرفون أنها امرأة». وتسببت المباراة بين هاموري وخليف بموجة غضب في المجر، حيث وصف بعض وسائل الإعلام الملاكمة الجزائرية بأنها «ذكر بيولوجي». وقال المتحدث باسم اللجنة الأولمبية الدولية مارك أدامز إن معايير الأهلية التي حددتها الهيئة الأولمبية كانت تستند إلى الجنس المبيّن في جوازات السفر، لكنه أقر أن الأمر «ليس مسألة واضحة». وخليف، خسرت تسع مرات خلال مسيرتها التي خاضت خلالها 50 نزالاً،
لكن التضامن مع خليف شمل أيضا اللجنة الأولمبية الدولية التي أعربت عن حزنها لما سمته «الإساءات» التي تتعرض لها الملاكمة الجزائرية، مؤكدة أن إقصائها في وقت سابق من الاتحاد الدولي للملاكمة كان «قرارا تعسفيا». وجاء في بيان للجنة الأولمبية الدولية يوم الخميس: «رأينا معلومات مضللة في تقارير تتعلق برياضيتين (الجزائرية إيمان خليف والتايوانية لين يو تينغ) تتنافسان في دورة الألعاب الأولمبية في باريس، وفي مسابقات الملاكمة الدولية في فئة السيدات لسنوات عدة، بما في ذلك أولمبياد طوكيو 2020، وبطولات العالم المنظمة من الاتحاد الدولي للملاكمة. كانت الرياضيتان ضحيتين لقرار مفاجئ وتعسفي من الاتحاد الدولي للملاكمة. قرب نهاية بطولة العالم في 2023، وتم استبعادهما فجأة بدون أي إجراءات قانونية».
وباختصار، فان من حق اللاعبة الغضب من كل هذه الانتقادات، ومن حقنا ابراز أهليتها في المنافسة الشريفة، رغم ان العتب، ان وجد، لن يكون على ايمان خليف، وانما على مواطنها السباح جواد صيود الذي كان يعلم أنه ليس من المرشحين للتأهل الى نهائي سباق 200 متر متنوع، وشارك الى جانب لاعب اسرائيلي، رغم أن المدافعين عن الرياضي الجزائري سيعتبرون أن سباقات السباحة ليس فيها احتكاك مباشر بين المتنافسين على عكس مثلا ألعاب الجودو والملاكمة حيث قرر مواطنوه عدم مواجهة لاعبي الصهاينة بطرق ذكية.
لكن ننهي بخبر مفرح، أنه رغم خيبة العرب المتوجين بفضية تونسية وبرونزية مصرية فقط حتى الآن، ضمنوا ميدالية على الاقل هي تاريخية، لانها ستكون في كرة القدم مع تأهل مصر والمغرب الى نصف النهائي، وفي أسوأ الاحوال سيحصل أحدهما على الاقل على برونزية اللعبة للمرة الاولى في تاريخ المشاركات العربية.