المحطات الجميلة والمحطة الغائبة

في حياة كل كاتب ما يمكن تسميته بمحطات أو أحداث ساهمت في تطوره، أو إحباطه، لا ينساها. لم أحب الحديث عما كان سببا في الإحباط وضيق الدنيا، ففي النهاية حققت كثيرا مما أريد، وقد يراه غيري كثيرا جدا، بينما الكاتب يرى في المراحل المتأخرة من حياته، أنه لا يزال ينقصه الكثير لم يفعله، بل ربما يرى أنه لا معنى لذلك كله وينتحر.
لم تأتِ أي قصة من العدم، رغم أن كثيرا منها يكون العدم أفقا يلخص معنى الحياة كما رأيتها. حين أخذتني موهبة الكتابة إلى الانعزال عما حولي أكثر وقت ممكن للقراءة، بلغ الأمر أني تخليت كثيرا في صباي عن النزول إلى الشارع مصدر الإلهام بما أقابل فيه من شخصيات عابرة ومصدر اللعب والضحك، وانفردت في غرفتي أقرأ ليل نهار حتى قال لي أبي مرة وهو يعرف ولعي بالشارع، لماذا لا تخرج كثيرا يا إبراهيم؟ لماذا دائما أنت جالس في غرفتك؟ هل أنت بنت؟ كانت هذه إحدى المحطات المهمة. كنت أعيش في العالم حقا لكن كما هو، فيما أقرأ في غرفتي الصغيرة.
كانت المحطة المهمة ذلك الوقت هي ندوة حضرتها في قصر ثقافة الحرية في الإسكندرية في بداية الستينيات لمحمد مندور يتحدث فيها عن المذاهب الأدبية، الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية وغيرها. أدركت سذاجة ما أكتب. كنت لا أسعى بعد لنشره فعمري لم يصل للعشرين بعد، ورحت أقرأ بنهم في تاريخ الأدب والنقد. واظبت على حضور لقاءات نادي الأدب في قصر الثقافة، حتى كتبت من جديد بشكل مختلف متصورا أني أكتب من حيث انتهت الكتابة. وشعرت بأني امتلكت الفضاء حين فزت بالجائزة الأولى على مستوى الجمهورية بقصة قصيرة تقدمت بها إلى مسابقة لنادي القصة في الإسكندرية عام 1969 الذي كان يشرف عليه المرحوم فتحي الإبياري. ما جرى أيامها مني ومن أبي وأمي لا يزال يرفرف دائما حولي. كانت الجائزة ثلاثة جنيهات لكن نشرها فتحي الإبياري كاملة في جريدة «أخبار اليوم» مع مقدمة لمحمود تيمور عنوانها «هذا قصاص موهوب». حين رأى أبي القصة قال لي هكذا صرت مشهورا يا إبراهيم، فليتك ترسل خطابا لجمال عبد الناصر لزيادة معاشي. لم أفعل طبعا لأني كنت فعلتها من قبل عام 1962 حين أحيل أبي إلى التقاعد، وأرسلت خطابا لجمال عبد الناصر طالبا ذلك ولم يأتني أي رد. لكن أمي التي كانت مثل غيرها تذهب إلى الجمعيات التعاونية التي كانت تشهد زحاما بعد هزيمة 1967 بسبب قلة بعض المواد مثل السكر والزيت. أخذت نسخة من الجريدة أطلعت مسؤول الجمعية التعاونية عليها، وقالت له هذا ابني وأنا لست قادرة على الانتظار في الطابور الطويل. ما كان من الرجل الذي أعجب بالصفحة غير أنه استثناها من الطابور وقال للعاملين «أم ابراهيم لا تقف بعد اليوم في الطابور. تدخل تشتري ما تريد في أي وقت» وحدث ذلك.
انتقلت لأعيش في القاهرة لأني أحسست أن الإسكندرية ضائعة وغائبة والقاهرة هي العاصمة المركزية للثقافة، وللأسف حتى الآن رغم اختلاف الزمن الذي صار فيه العالم هاتفا نقالا. هنا جاءت المحطة الثانية عام 1978 بينما أعيش في القاهرة حين انفتح الكنز المنسي. كنت عضوا في حزب شيوعي سري، فكانت تتسلل إلى قصصي شعارات سياسية فأمزقها. وجدت صعوبة أن أفصل بين السياسة والفن، فقررت ترك العمل السري وعدم الحديث في السياسة طول الوقت وأنتبه إلى غرائب ما حولي. عدت في ليلة لا أنساها بعد منتصف الليل أشعر بأني صرت خفيفا لا أحمل أي أعباء، وجلست أكتب في رواية «المسافات».

وجدت نفسي بين سحر الأساطير يصنعها مكان وزمان الرواية، فكنت كل ليلة أتوقف لحظة وأقف سعيدا أهتف «وجدتها وجدتها». كيف حقا نسيت قراءاتي في الأنثروبولوجيا والسير الشعبية وألف ليلة وليلة بسبب السياسة اليومية. لثلاث سنوات أكتب على مهل لا أريد ان أخرج من الكنز. ظهرت رواية ماركيز «مئة عام من العزلة» في ترجمتها إلى العربية، وصارت حديث الناس فقلت لنفسي تأخرت في نشر روايتك وسيقولون أنك تأثرت به. نشرتها في عام 1981 وظلوا حتى الآن يقولون، إن العجائبية في قصصي ورواياتي التالية أيضا متأثرة بأدب أمريكا اللاتينة، وأقسم بالله أنني لم أكن قرأته لكنها ثقافتي التي غيبتها السياسة كانت قد فتحت لي الكنز. لا أعترض على شيء وأقول لنفسي «وانت تطول تتأثر بماركيز» وأضحك. قبل أن أستطرد في محطات أخرى أمشي قليلا مع قطار الموسيقى الكلاسيكية الذي لا يفارقني منذ عام 1968 حين استمعت في الإذاعة المصرية لحديث لأنيس منصور تسأله المذيعة عما يحب أن يسمع، فقال لها الموسيقى الكلاسيكية في البرنامج الموسيقي. قلت أركب هذا القطار مرة لكن لم أنزل منه من يومها. صرت مع بيتهوفن وموزار وتشايكوفسكي وباخ وفاغنر وبرودين وغيرهم أطوف بين الأنهار والبحار والبلاد والثورات والفجائع وحتى الآن. قل استماعي إلى الطرب العربي الذي صار يذكرني بقصص الحب الضائع، وكثيرا قابلتهم في ألم وطبعا قابلت نفسي! أعطاني قطار الموسيقى الكلاسيكية القوة على الاستمرار ونسيان الضغائن، وجعل الحياة الحقيقة في قلب ما أكتب، وفتح لي الأسرار المغلقة في الروح التي تريد أن تمسك بالفضاء والعالم رغم الآلام. هذا القطار الذي لم أتركه في أيّ محطة.
مرت محطات الحياة الأدبية تثري ما بعدها، ولن أتوقف عندها كثيرا ومنها محطة عام 1984 حين جاء محمود درويش إلى مصر بعد الخروج من بيروت، وقابلته لأول مرة وأعطيته رواية» الصياد واليمام» هو الذي لم يكن يعرفني أو قرأ لي شيئا، وطلبت منه أن ينشرها في مجلة «الكرمل». لا أنسى دهشته وهو يخبرني أنه لم ينشر من قبل قط رواية كاملة في الكرمل، لكنه سيقرأها وإذا لم ينشرها لا أسأله أبدا لماذا، وفي العدد التالي الذي يحمل رقم الحادي عشر وجدت الرواية منشورة كاملة في المجلة. كانت هذه المحطة التي فتحت لي أبواب العالم العربي. لا أنسي عام 2016 حين فزت بجائزة الشيخ زايد عن كتابي» ما وراء الكتابة – تجربتي في الإبداع « مقالا كتبه الشاعر المرحوم محمد علي شمس الدين، أبكاني من جماله يتحدث فيه عن الرواية التي لا ينساها رغم مرور أكثر من ثلاثين عاما على نشرها في الكرمل.
تأتي محطات أخرى صارت هي استراحات بين ما أسمعه من موسيقى كلاسيكية يطول الحديث عنها. تمشي معي الموسيقي حتى اليوم رغم الاستراحات الجميلة، وهكذا أقول إن في حياة كل كاتب محطات تنتظر وصوله إليها إذا تغافل عن محطات الإحباط التي حوله، من أهل مهنته الذين يتصور بعضهم أنه الكاتب الأوحد وما خلاه وهم. متعة الكتابة توقف القطار في محطات رائعة تأتي بكل المتع، فما بالك وأنت تسبح مع الموسيقى.
هناك محطة أخيرة لكل كاتب أمرها متروك لله، أتمنى أن تتأخر قليلا لأكتب رواية عن مسافر في سفينة لا يعرف إلى أين يذهب، ولا رغبة له في العودة فقد نسي من أين أتى، ويظل يجدف في السفينة تتقافز حوله الأسماك الطيبة والمتوحشة وهو على يقين بأنها لن تهاجمه، وإذا خطفته ستنزل به إلى الأعماق يعيش معها وينسى مثلها هذا العالم، وتقول له لا تقلق سنتركك تعود، لكن لا تكتب عنا فلا نريد أن يعرفنا أحد، فعالمكم بشع تلتهمكم الأنظمة السياسية كل يوم أحياء، وتتعذبون بذاكرة وضعها الله لكم لتعرفوا، لكنها صارت مصدر العذاب. سنتركك لتعود بلا ذاكرة لتواصل كتاباتك عن الغرباء، حتى لو قدمت رواية من صفحات بيضاء ستجد من يقرأها ويفهم. وأتذكر أني كتبت مثل هذا المشهد في إحدى رواياتي الأخيرة، ويبدو أني أتذكره الآن كي يتحقق. من يدري؟

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية