السباق إلى قرطاج: عدد محدود من المرشحين وخشية من العزوف

روعة قاسم
حجم الخط
3

الأجواء التي أحاطت بالانتخابات، ووجود عدد هام من السياسيين وراء القضبان وعدم تمكن الكثيرين من الترشح بسبب الشروط الكثيرة التي تم وضعها للترشح، لا تشجع على التفاؤل.

تونس ـ «القدس العربي»:  انحصر السباق الرئاسي في تونس كما هو معلوم بين ثلاثة مرشحين وهم المرشح قيس سعيد، والمرشح زهير المغزاوي، والمرشح العياشي الزمال، وذلك بعد أن تم رفض ترشيحات عديدة بطريقة لم تقنع الكثيرين ورأوا فيها عملية استبعاد لمرشحين حظوظهم وافرة للفوز في السباق الرئاسي. ويشغل المغزاوي، المنافس الأول لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، منصب الأمين العام لحركة الشعب وهي حزب قومي عروبي، فيما لا يُعرف عن المرشح الثاني العياشي الزمال أي انتماء إلى أي تيار سياسي من العائلات السياسية المعروفة في الساحة التونسية.

ويعود هذا العدد المحدود من الترشيحات إلى صرامة شروط الترشح، إذ يجب على الراغب في الوصول إلى قصر قرطاج تأمين تزكيات من قبل 10 برلمانيين أو 40 مسؤولا محليا منتخبا أو 10 آلاف ناخب مع اشتراط ضرورة تأمين 500 تزكية على الأقل في كل دائرة انتخابية. ويضاف إلى هذه الشروط تقديم المترشح لبطاقة السوابق العدلية الممنوحة من قبل وزارة الداخلية والتي حصل حولها لغط كبير واتهم بعض من رغبوا في الترشح الإدارة بالتلكؤ في منحهم هذه البطاقة حتى لا يتمكنوا من الترشح.
واختلفت الآراء حول هذه الشروط، فهناك من رآها مجحفة وحرمت مرشحين جدد من التواجد في السباق الانتخابي، فيما رآها آخرون ضرورية لمنع بعض المغامرين ممن لا علاقة لهم بالمشهد السياسي ويرغبون في الشهرة من التواجد في السباق والإساءة لهيبة مقام الرئاسة. والحقيقة أن الرأيين محقين خاصة وأن العجز عن توفير الشروط المذكورة طال مرشحين جديين وينتمون إلى تيارات سياسية هامة كما طال أيضا مغامرين لا علاقة لهم بالمشهد السياسي من قريب أو من بعيد ولا يعرف لهم أي نشاط اجتماعي أو بروز في أي ميدان كان.
ويشكك البعض في جدية ترشح زهير المغزاوي باعتبار أن حركة الشعب من الأحزاب الموالية لرئيس الجمهورية وساندت ما حصل في 25 تموز/يوليو 2021 من تجميد للبرلمان السابق وحل لحكومة هشام المشيشي من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد. ويتساءل هؤلاء كيف يمكن لحليف مساند للرئيس الحالي أن يتحول بين عشية وضحاها إلى منافس له؟ وما هو البرنامج المختلف الذي سيقدمه وهو الذي ساند أغلب خيارات ساكن قرطاج خلال السنوات الثلاث الماضية وعلى رأسها ما حصل في تاريخ 25 تموز/يوليو المشار إليه.
أما المرشح العياشي الزمال فهو مجهول لعموم التونسيين، إذا استثنينا الطبقة السياسية التي انتمى إليها حديثا ولم يكن من رموزها الكبار في التجربة على غرار أحمد نجيب الشابي وحمة الهمامي وآخرين، ولم تُسمع للزمال مواقف لافتة خلال الفترة التي سبقت ترشحه إلى الانتخابات الرئاسية. لذلك يتساءل أغلب التونسيين هل هو مرشح جدي وقادر فعلا على المنافسة بهذا الرصيد السياسي المحدود، أم أن الوصول إلى قصر قرطاج لا يحتاج بالضرورة إلى تجربة كبيرة ولا إلى انتماء سياسي إلى إحدى العائلات السياسية الكبيرة في تونس؟
وبالتالي تبدو الأمور غامضة بالنسبة إلى الناخب التونسي، من غير أنصار الرئيس قيس سعيد، والضبابية هي السائدة باعتبار أن المرشحين لم يقدموا برامجهم بعد وخاصة العياشي الزمال الذي يبدو بحاجة إلى التعريف بنفسه أكثر إلى الجمهور خاصة من أولئك الذين قاطعوا المشهد السياسي والإعلامي في السنوات الأخيرة. أما فيما يتعلق بالمترشحين قيس سعيد وزهير المغزاوي فإن ما سيطرحانه معروف سلفا بحكم معرفة أي ناخب في أي بلد بالرئيس المباشر لمهامه، وبحكم انتماء المغزاوي إلى التيار القومي العروبي الذي تعرف توجهاته وأطروحاته.
ويؤكد جل المتابعين على أن غياب مرشحين من التيارات السياسية الهامة في البلاد على غرار اليسار والدساترة والإسلاميين، بسبب الشروط المجحفة، بنظر البعض، التي وضعت للترشح، وبسبب الملاحقات القضائية التي طالت الكثير من السياسيين البارزين، سيجعل هذه الانتخابات بلا روح. كما سيؤثر ذلك، حسب هؤلاء، على نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع رغم أن التونسي عرف في السنوات الأخيرة بإقباله الكثيف على التصويت في الانتخابات الرئاسية مقابل عزوفه على الانتخابات التشريعية والمحلية.
ورغم جزم البعض بأن هذه الانتخابات لن تدور في الظروف الطبيعية العادية للانتخابات الحرة والنزيهة في ظل هذا المناخ السياسي الذي تعيشه البلاد، إلا أن هناك من يأمل في حصول منافسة شريفة ويؤكد على جدية ترشح كل من المغزاوي والزمال وقدرة أحدهما على النجاح وتكذيب التوقعات وخصوصا أبناء التيار القومي. وحجة هؤلاء أن في انتخابات 2019 لم يكن أحد يتصور أن الرئيس الحالي قيس سعيد كان بامكانه المرور إلى الدور الثاني، فهناك من توقع فوز مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو باعتبار انتمائه إلى الحزب المهيمن على الحياة السياسية في ذلك الوقت، وهناك من توقع فوز آخرين من بينهم عبد الكريم الزبيدي الذي التف حوله عدد هام من الدساترة، لكن لا أحد توقع فوز الرئيس قيس سعيد.
فالتزوير في تلك الانتخابات، من خلال المال السياسي المتوفر لأحزاب محددة، والذي كانت تُشترى به ذمم الناخبين، كان موجودا، والقدرة على تحويل وجهة الناخبين إعلاميا كان متوفرا للبعض الذين امتلكوا قنوات تلفزية وإذاعات، وكذا التحكم من قبل البعض في الإدارة والدولة. لكن رغم هذا المناخ غير السليم حصل ما لم يكن في الحسبان وما لم تؤكده عمليات سبر الآراء وهو صعود الرئيس الحالي قيس سعيد إلى الدور الثاني، على حساب مرشحي الأحزاب الكبرى التي كان لديها المال السياسي والإعلام والإدارة وتحقيقه لنصر كاسح في الدور الثاني على حساب منافسه نبيل القروي.
وبالتالي فإن كل شيء وارد في هذه الانتخابات، حسب هؤلاء، وذلك لو توفرت النزاهة في العملية الانتخابية ولو لم يحصل أي حيف مؤثر على النتائج على غرار منع ناخبي هذا المرشح أو ذاك من الوصول على صناديق الاقتراع، ودخول المال السياسي الخارجي على الخط والتلاعب بنتائج الصندوق أو غيره. فالكل يحبس الأنفاس ويمني النفس بعدم حصول خروقات خاصة وأن الأجواء التي أحاطت بالاستعداد لهذه الانتخابات، على غرار وجود عدد هام من السياسيين وراء القضبان وعدم تمكن الكثيرين من الترشح بسبب الشروط االكثيرة التي تم وضعها للترشح، لا تشجع البعض على التفاؤل.
يرى الكاتب السياسي التونسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن هذه الانتخابات الرئاسية التي ستجري يوم 6 تشرين الأول/اكتوبر من هذا العام في دورها الأول ستجري في مناخ سياسي متوتر في ظل مقاطعة تيارات سياسية بعضها لم يؤمن منذ البداية بهذا المسار السياسي. وبالتالي قد يؤثر هذا سلبا، حسب الحاجي، على نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع مثلما حصل في الانتخابات التشريعية والمحلية رغم أن الذهنية التونسية تعتقد اعتقادا راسخا أن الرئيس هو صاحب الحلول السحرية لكل مشاكل البلاد وليس النائب أو المسؤول المحلي أو حتى الوزير.
ويضيف محدثنا قائلا: «كما أن الإقبال الضعيف الذي يتوقعه البعض قد يتسبب فيه عزوف نسبة هامة من التونسيين عن الشأن العام وانصرافهم إلى الهم الرئيسي وهو المعيشة بعد فشل الطبقة السياسية في تحقيق التنمية المنشودة في البلاد وتغيير الأوضاع خلال السنوات التي تلت الثورة. وبالتالي ستكون مشكلة حقيقية لو لم تصل نسبة الإقبال إلى مستوى يعطي قيمة اعتبارية هامة لرئيس الجمهورية الذي يتمتع بصلاحيات واسعة جدا حسب الدستور الجديد بعد أن كان محدود الصلاحيات بمقتضى دستور سنة 2014».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية