تونس ـ «القدس العربي»: انطلقت بولاية نابل شمال شرقي البلاد التونسية فعاليات الدورة السابعة من مهرجان تونس للسينما في الهواء الطلق «سينما تحت النجوم « وهو مهرجان سينمائي يتم فيه عرض الأفلام على شاطئ البحر وتحت النجوم وعلى ضوء القمر. وتتواصل هذه التظاهرة الثقافية في دورتها السابعة، والتي انطلقت في الثلاثين من شهر آب/أغسطس، إلى غاية يوم 4 أيلول/سبتمبر موعد حفل الإختتام وتوزيع الجوائز على الأفلام الفائزة.
ويحمل هذا المهرجان، وفق ما أكده منظموه، تصورا ثابتا يهدف إلى تقريب السينما من الجميع دون قيود زمنية أو مكانية وذلك في كامل ربوع ولاية نابل، في ظل ما تشكوه الولاية من نقص في قاعات السينما، وفي الثقافة السينمائية عموما. ونتيجة لذلك عمل القائمون على هذا المهرجان في دوراته السابقة على خلق فضاءات جديدة للعروض، منها الشواطئ والمبيتات والمؤسسات الجامعية وذلك في عدة مناطق من الولاية سعيا لتكريس الحق في الثقافة للجميع حسب ما أكده المنظمون.
وتقام هذه التظاهرة السينمائية، التي تساهم في إثراء الخريطة السينمائية في ولاية نابل السياحية، وفي تونس ككل، وحتى في العالم باعتبار الصبغة الدولية للمهرجان، بالتعاون بين المركز الوطني التونسي للسينما والصورة ووزارة الشؤون الثقافية التونسية. حيث تسعى الوزارة ومنذ عقود إلى تعدد المهرجانات السينمائية في كل ربوع الجمهورية لما للفن السابع من أهمية في ترسيخ الوعي المجتمعي بالقضايا الإنسانية الهامة ولما يساهم فيه من انفتاح التونسيين على العالم وعلى مختلف الثقافات والحضارات. ولا يقتصر الأمر في الاهتمام بهذا المهرجان على السلطات المركزية فحسب، فعلى المستوى الجهوي عقدت السلطات بالولاية (المحافظة) جلسة عمل تنظيمية حول مهرجان «سينما تحت النجوم» وذلك لتأمين أفضل الظروف لنجاح هذه التظاهرة الهامة التي تساهم في تنشيط السياحة بالجهة. وقد حضر الجلسة كل من الممثل عن المصالح الأمنية بنابل، والممثل عن الإدارة الجهوية للحماية المدنية بنابل والممثل عن الوكالة الوطنية لحماية الشريط الساحلي بنابل والممثل عن بلدية نابل والممثل عن المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بنابل والممثل عن الإدارة الجهوية للصحة بنابل والممثلة عن المندوبية الجهوية للسياحة بنابل والممثل عن الكشافة التونسية وأعضاء جمعية المتوسط للفنون والسياحة الثقافية والمسؤولين عن مناطق نيابوليس وبئر شلوف والهادي شاكر.
برنامج متنوع
وللإشارة فإن أفلام المهرجان تُعرض كل ليلة انطلاقا من الساعة التاسعة في سهرات ليلية شاطئية منعشة على وقع النسيم العليل لشواطئ المتوسط الهادئة والحالمة، ويتضمن البرنامج أيضا نقاشات حول الأفلام المعروضة وورشات عمل في مجال السينما يحضرها المختصون والمغرمون بعالم السينما من المصطافين على شواطئ مدينتي نابل والحمامات. وبما أن العروض تقام بالفضاء الخارجي للمركز الثقافي الدولي بالحمامات، وبقاعة سينما المركز الثقافي نفسه، وبشاطئ سيدي المحرصي بنابل، فإن تراجع أعداد قاعات السينما بالولاية في السنوات الأخيرة لم يمنع من تنظيم مثل هكذا تظاهرات كبرى.
وقد تمت خلال هذه الدورة برمجة عروض سينمائية من تونس ومن بلدان عربية وأجنبية على غرار مصر والأردن والمغرب وبلجيكا وإيران ونيوزيلندا وتشيكيا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا ورومانيا والبرتغال وسويسرا وإيرلندا والبرازيل وتايوان. ومن بين العروض المختارة الفيلم البلجيكي الكوميدي «تايغر» أو نمر والفيلم البلجيكي الآخر «استراحة الغداء» والفيلمين التونسييين «عوامة» و«كانديلا» والفيلم المغربي «إيتيمولوجيا» والفيلم التشيكي «لايت» والفيلم الفرنسي «الضيف الجديد» والفيلم الأردني «ديجور». ومن بين الأفلام المبرمجة أيضا في هذه التظاهرة السينمائية الدولية، الفيلم الإيراني «خمسون ألفا» والفيلم النيوزيلاندي «داتسون» والفيلم الاسباني «كريم» والفيلم الروسي «ساعات قصيرة» والفيلم الفرنسي «سر يا قائد».
ويشار إلى أنه تم افتتاح المهرجان بعرض موسيقي للفنان التونسي المتألق سفيان سفطة وذلك بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات الذي يقام به مهرجان الحمامات الدولي والذي انتهى لتوه. ويكون الاختتام يوم 4 أيلول/سبتمبر بمكان الإفتتاح نفسه بالإعلان عن نتائج المسابقات الرسمية الوطنية والدولية وعرض الأفلام الفائزة، ويعقب ذلك عرض موسيقي للفنان التونسي ناصر الزواري بشاطئ سيدي المحرصي بنابل.
رحلة إبداع
ومن بين الأفلام الهامة التي جلبت إليها الانتباه في هذا المهرجان حتى قبل انطلاقه، الفيلم الأردني «ديجور» للمخرج معتصم سميرات حيث حصد هذا الفيلم قبل مجيئة العديد من الجوائز الإقليمية من بينها الجائزة الكبرى لأفضل فيلم قصير في مهرجان ابن جرير في المغرب سنة 2024 وجائزة أفضل فيلم روائي قصير في مهرجان القدس السينمائي الدولي 2022 وجائزة أفضل إخراج في مهرجان العودة السينمائي الدولي 2023. كما نال الفيلم الأردني الجائزة الكبرى وجائزة أفضل ممثل لمعتصم سميرات وجائزة أفضل إخراج وذلك في المهرجان الدولي للفيلم بمدينة وجدة بشمال المغرب سنة 2023.
والفيلم تم إنتاجه سنة 2021 أي في ذروة أزمة كورونا، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على اجتهاد معتصم سميرات ورغبته في الإبداع والتجديد في فترة كان فيها الخمول والترقب والقلق والخوف من المجهول هو الطاغي على سلوك أغلب سكان الكوكب الأزرق. كما أن هذا الفيلم ليس العمل الأول للمُخرج معتصم سميرات الذي بدأ التمثيل في المسرح في سن التاسعة، فلدى المخرج الأردني عدد هام من الأفلام القصيرة والمسرحيات كمخرج، وعدد لا بأس به من الأدوار التمثيلية في المُسلسلات والمسرحيات والأفلام الأردنية.
و»ديجور» لغة هو شدة الظلام أو الظلام الحالك وهو تعبير من المخرج وكاتب السيناريو عن الوحدة والتيه حيث ينعدم الإحساس بالزمان والمكان وبمختلف الأبعاد ويشعر المرء بحالة فراغ قاتلة لا تطيقها النفس البشرية. ويتناسب ذلك مع أحداث الفيلم، الذي شارك ببطولته الفنانان أحمد عياش وفاروق الزماميري، حيث هناك شعور بالوحدة وسط التيه ينتاب بطل الفيلم مستوحى من الوحدة التي شعرت بها الإنسانية نتيجة للحجر الصحي خلال فترة جائحة كورونا.
الوحدة القاتلة
ويتحدث الفيلم عن شابين تعطلت سيارتهما التي كانت تقلهما وسط الصحراء القاحلة، فينشب خلاف بينهما ينتهي بوفاة أحدهما، فيبقى الآخر وحيدا في ذلك الخلاء الممتد على مرمى البصر ينتظر القدر ماذا سيقرر بشأنه. ففرضيات نجاته وعودته سالما قليلة، بل منعدمة تماما، خاصة وأنه من النادر أن يعبر من ذلك المكان النائي والمتواري عن الأنظار أي كائن حي لعدم توفر الماء والكلأ وحتى المسالك الصالحة لتنقل العربات.
يعيش البطل عماد معاناة حقيقية جراء الوحدة القاتلة التي تؤكد مقولة العلامة التونسي إبن خلدون أن «الإنسان مدني بطبعه» ميال للعيش مع المجموعة في إطار التعاون والإنسجام ولم يخلق ليعيش منفردا حتى وإن كان محتاجا أحيانا إلى الإختلاء بنفسه إما للراحة أو لمراجعة بعض الأشياء. لقد أصبح عماد من شدة الوحدة يتخيل صديقه أحمد يخرج من قبره ويجلس إلى جانبه ليتجاذب معه أطراف الحديث تماما مثل الممثل الأمريكي توم هانكس في أحد أفلامه الذي اضطر فيه بسبب الوحدة القاتلة في جزيرة نائية إلى ابتكار دمية رأسها كرة، وصار يتحدث معها على أنها إنسان، وكاد يصاب بالجنون عندما فقد تلك الدمية.
إن اللجوء إلى الخيال هو محاولة من العقل الباطن لإيجاد حل للوحدة القاتلة تحركه غريزة البقاء التي تمتلكها جميع الكائنات الحية وليس فقط الإنسان. فالوحدة التي عاشها المؤلف وكل الإنسانية نتيجة الحجر الصحي والعزل ومنع الجولان خلال الجائحة هي سبب الإلهام لهذا الإبداع وتقيم الدليل على أن الفنان هو ابن بيئته.