المهرجان الدولي للتفاح في سبيبة التونسية: موعد متجدد مع الفن الهادف

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تحتضن هذه الأيام مدينة سبيبة الفلاحية من ولاية القصرين في الوسط الغربي للبلاد التونسية مهرجانها الدولي للتفاح في دورته الرابعة والأربعين باعتبار سبيبة هي عاصمة إنتاج التفاح في البلاد، وباعتبار أن تفاحها الموجه في نسبة هامة منه إلى التصدير قد حاز على شهرة عالمية واسعة. وقد انطلقت هذه الدورة للمهرجان في غرة أيلول/سبتمبر الجاري وتتواصل إلى غاية الخامس عشر من نفس الشهر، وأطلقت عليها تسمية دورة الراحل منصف المحمدي وهو طبيب رئيس للصحة العمومية بمنطقة سبيبة عرف بتقديم جليل الخدمات لأبناء الجهة.

وبالتالي اختلط في سبيبة الاقتصادي بالثقافي، وبالرغبة في تثمين هذه الثمرة والاعتراف بجميلها على أهالي المنطقة، وبالبحث عن المشاكل التي يعاني منها القطاع الفلاحي في مجال الأشجار المثمرة وخصوصا شجرة التفاح، فأنتج هذا المهرجان العريق. وبالتالي فقد خلق هذا المهرجان لنفسه حالة من التميز ليبعث برسالة إلى العالم مفادها أن الفلاحة والفن يمكن أن يلتقيا في سبيبة باعتبار أن الفلاحة هي في حد ذاتها فنا، وأن الفن هو غراسة للذوق السليم في الروح للسمو بها في عوالم فسيحة ورحبة بعيدا عن كل أشكال القيود.

كوميديا سوداء

وقد اختار المهرجان الدولي للتفاح بسبيبة هذا العام أن يستهل برامج عروضه بالمسرح وذلك من خلال مسرحية «فيزا» الكوميدية للفنان التونسي كريم الغربي الذي يتمتع بقدرة فائقة على ملء مدرجات المسارح وجلب الجمهور بعد تجارب مسرحية وتلفزيونية وسينمائية شدت إليها الانتباه في السنوات الأخيرة. وبالتالي لم يكن الاختيار على مسرحية «فيزا» وعلى كريم الغربي من باب الصدفة أو من باب المحاباة بل رغبة في شد الجمهور أكثر إلى هذا المهرجان العريق خاصة وقد عرف عن هذا الفنان ميله إلى انتقاد الظواهر الاجتماعية والسياسية بأسلوب ساخر.
إن ما يقدمه كريم الغربي في مسرحية «فيزا» يصنف ضمن الكوميديا السوداء التي تتميز بمعالجتها لمواضيع تعتبر من قبيل المحرمات لكن يتم التعاطي معها في العمل الفني بشكل فكاهي وساخر يجعل المشاهد يضحك لكنه في قرارة نفسه يشعر بنوع من المرارة والألم. ومن المواضيع التي تتناولها الكوميديا السوداء في العادة، الحرب والإرهاب والعنف والجريمة والمخدرات والعنصرية والهجرة السرية والديكتاتورية والقمع وغيرها، وهي مواضيع مؤلمة في ظاهرها لكن موهبة الفنان تحولها إلى مادة للضحك والسخرية من الواقع المرير.
وللكوميديا السوداء هدفان، أولهما التحسيس بالمأساة أو الأزمة التي يعاني منها المجتمع، وتتطلب تسليط الضوء للبحث عن حلول لها سواء من قبل السلطة الحاكمة أو المجتمع نفسه المعني بالدرجة الأولى بهذه الأزمة أو الآفة أو الكارثة التي ابتلي بها، وثانيهما هو إضحاك المتلقي وتسليته وجعله لا يغرق في أزمته بل يشعر بأنه تغلب عليها وسخر منها فيسعى لمعالجتها من دون خوف أو تردد. وقد اشتهر فنانون كثر بهذا النوع من الفن في الغرب وفي العالم العربي على غرار بيل هيكس وبيتر كوك ودريد لحام وآخرين، وأبدعوا فيه رغم صعوبته باعتباره ضحكا وتسلية من رحم المأساة.
وتصنف مسرحية «فيزا» لكريم الغربي ضمن المونودراما الساخرة التي يقدمها فنان وحيد على الركح بإمكانه أن يتقمص شخصية واحدة أو عدة شخصيات من دون الحاجة إلى ممثل ثان أو عدة ممثلين لمشاركته تجسيد الأدوار، وهو نمط درج كثيرا في المسرح التونسي في السنوات الأخيرة. وقد عالج الغربي من خلال «فيزا» عديد المواضيع الاجتماعية من بينها ملف الهجرة ورغبة الشباب التونسي في الزواج من أجنبيات من البلدان الغربية بحثا عن التأشيرة لدخول بلد أوروبي يمكنه من تأمين عيش كريم عجزت بلاده عن توفيره له خصوصا في السنوات الأخيرة حيث تراجعت جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
كما انتقد كريم الغربي في «فيزا» الوضعية المزرية التي باتت عليها الشوارع التونسية وجنوح بعض المسؤولين إلى ممارسات سيئة مثل التسلط والرشوة، وإلى تفشي البيروقراطية الإدارية، وغيرها من المواضيع التي تجلب انتباه التونسيين. ولئن دل ذلك على شيء فهو يدل على أن الفنان هو ابن بيئته يدرك أدق خصوصياتها وتفاصيلها وينطلق منها لحبك سيناريو لعمل مسرحي ناجح يشد إليه المتلقي ويدفعه إلى التدبر لإيجاد علاج لهذه الأمراض الاجتماعية المستفحلة.

برنامج متنوع

ويشار إلى أن المهرجان الدولي للتفاح بسبيبة سيتضمن عروضا أخرى فنية وتنشيطية للحاضرين والقادمين من مختلف أنحاء البلاد التونسية لحضور هذا العرس الفني الفلاحي الذي يلفت إليه الانتباه سنويا في هذه الفترة من كل عام. كما تمت إقامة معرضين، واحد للمنتوجات الفلاحية وآخر للحرف والصناعات التقليدية خاصة وأن الجهة تزخر بموروث هام في هذا المجال ولها خصوصياتها التي تميزها عن أي جهة أخرى من جهات الجمهورية.
كما تضمن برنامج المهرجان إقامة أماكن لتذوق تفاح سبيبة العالمي، وأخرى لشراء المنتوج مباشرة من الفلاح من دون الحاجة إلى وسطاء لنقله إلى الأسواق وتجار لبيعه بأسعار قد تبدو مرتفعة بالنسبة إلى البعض. وتعتبر نقاط البيع تلك فرصة هامة للحصول على هذا التفاح الذي لا يتوفر كثيرا بالأسواق التونسية ويذهب أغلبه إلى التصدير ولجلب العملة الصعبة التي يبدو البلد بحاجة إليها اليوم وأكثر من أي وقت مضى.
ويتضمن هذا المهرجان الفريد من نوعه إقامة ندوات تعنى بمشاكل القطاع الفلاحي في الجهة وخصوصا قطاع التفاح والإشكاليات والتحديات المطروحة أمام الفلاح والصعوبات التي يعاني منها. وقد تفاقمت هذه المشاكل في السنوات الأخيرة خاصة مع الجفاف الذي عاشته تونس وترتب عنه نقص فادح في مياه الري بالإضافة إلى تهرم أشجار التفاح بالجهة والتي تم الإنطلاق فعليا في تجديدها بالتدرج.

حالة فريدة

ترى الصحافية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي لمياء الشريف في حديثها لـ«القدس العربي» أن المهرجان الدولي للتفاح بسبيبة ولئن بدا فلاحيا في ظاهرة إلا أنه في الحقيقة مهرجان ذو طابع ثقافي هدفه بالأساس تنشيط الحياة الثقافية والفنية في سبيبة وفي كافة ربوع ولاية القصرين. فالمدينة، حسب الشريف، بحاجة إلى مثل هكذا تظاهرات ثقافية وفنية تأخذ من كل شيء بنصيب فتتنوع فيها العروض بين المسرح والموسيقى والعروض التنشيطية والعروض الموجهة إلى الأطفال الذين يرافقون آباءهم للإطلاع على ما تزخر به بلادهم من تنوع فلاحي هام.
وتضيف الإعلامية التونسية قائلة: «لكن خصوصية المهرجان التي تميزه عن غيره من المهرجانات تكمن في كونه وبالإضافة إلى بحثه عن الترفيه على أهالي الجهة وخلق متنفس لهم يروحون به عن أنفسهم من خلال العروض الفنية ومن خلال الاختيار على المسرح الكوميدي، فإنه يبحث عن الترويج للمنتوج الفلاحي لمدينة سبيبة من التفاح وتثمينه وزيادة التعريف به وذلك بالرغم مما يحظى به من شهرة عالمية. كما أن المهرجان مناسبة للمهتمين بالقطاع الفلاحي بالجهة للنقاش فيما بينهم وتبادل الأفكار بشأن الحلول الممكنة لبعض مشاكل قطاع التفاح بالجهة وكأن الأمر يتعلق بلجنة تفكير لوضع التصورات وهو ما يجعل هذا المهرجان حالة فريدة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية