المحللون الذين يركبون الهواء … هل نقف ضد «حزب الله»؟!

حجم الخط
6

أشعر أن «الجزيرة» تعاقبني، أغادرها لغيرها، ثم أجدني مضطراً للعودة إليها!
مع كل الأحداث، أذهب الى قناة البلد موضوع الحدث فلا أجد على النار هدى، فلا ألبث إلا قليلاً، فليست «روسيا اليوم»، هي المناسبة لمتابعة الحرب الروسية – الأوكرانية، ولا تركيا يمكن رؤيتها من قناتها الناطقة بلغة الضاد، ولا «فرنسا 24»، يمكن أن تنقل المشهد السياسي الفرنسي إلينا، أما «الحرة» فهي آخر قناة يمكن أن تتابع من خلالها الانتخابات الأمريكية. ولا تنسى أن الألمان لهم قناة باللغة العربية.. هل سمعت عنها سوى في فترة تقديم يسري فودة برنامجه فيها قبل توقفه؟!
مع بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان، غادرت إلى قناة «الميادين»، فالأصل أنها تقف على خط النار، وتعلم تفاصيل الأشياء لقربها من المقاومة اللبنانية وتعبيرها عنها، فالأصل أنها ستضعنا في الأحداث، بالمتابعة، والمعلومة، والأصل أن ما لا نجده في أي قناة أخرى سنجده فيها، ولا سيما أن على رأسها إعلاميا متمكناً كان يأتي بالخبر اليقين، وقت أن كان مديراً لمكتب قناة «الجزيرة» في بيروت، عندما يكون الحدث لبنان، لكنه في «الميادين» لم يثبت كرامة (حسب المفهوم الصوفي للكرامات وأهلها)!
ماذا لو استمر غسان بن جدو في موقعه القديم مع هذه الحرب، ألم يكن استمر عنوان الحدث، كما كان من قبل، هل لو ظهر في قناته متحدثاً، يمكن أن يجذب الانتباه كما كان في «الجزيرة»؟!

منهج أحمد سعيد

أن تملك قناة من بابها أفضل من أن تعمل لدى الغير، لكن قد يحقق لك الغير ما لم تحققه لنفسك على المستوى المهني، إلا أن تكون مديراً، فهل تعمل قناة «الميادين» وسط قيود يُخشى من التحلل منها، والوقوع في الخطأ؟ وهل كانت الحرب مفاجأة للقوم في «الميادين» وفي «حزب الله» أيضاً؟ وهل وقع الجميع ضحية لعدد من المحللين العرب، حيث علمتنا دروس التاريخ، ومنذ غزو العراق، والثورة السورية، أنهم إذا قالوا يميناً فانظر يساراً، والعكس، فتشعر أنهم يعتمدون في التحليل على منهج دراسي قديم، وضعه إذاعي «صوت العرب» الراحل أحمد سعيد، فهل ظلمناه؟!
إنه الرجل الذي دفع ثمن هزيمة يونيو/حزيران 1967، أكثر من عبد الناصر نفسه، مع أنه كان مجرد وطني متحمس، تم توظيف حماسه في تلاوة بيانات لم يكتبها، ولكنها جاءته من القيادة العسكرية، فما ذنبه لو قرأ ما كتبوا عن انتصارات ساحقة ماحقة، وطيران إسرائيلي يتساقط كأوراق الشجر اليابس، وهو مجرد قارئ ابتهج بهذا النصر الذي تحقق على يد نظام هو منحاز له بالفطرة، ليكون أحد عناوين الهزيمة، بل العنوان الأبرز بجانب رموزها؛ عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر!
لقد أصبح أحمد سعيد شرحاً لمعنى الديماغوجية، ولأننا قساة في أحكامنا فلم يرد له أحد الاعتبار، بأنه كان مجرد ناقل للرسالة، وإن تعامل معها كمعلقي مباريات كرة القدم على قناة «بي إن سبورت»، لعله معلق ولعلهما اثنان، يقومان بهذه المهمة، ونسمع التعليق كما لو كان على وقائع حرب البسوس. وعلاقتي بالمباريات، كعلاقتي بعلم الذرة، بيد أنني أجلس على المقهى فاسمع طبول الحرب تقرع، فأترحم على زمن كابتن لطيف!
كان أحمد سعيد كهؤلاء، لكن المعلقين الكرويين هم أصحاب الصوت والتعليق معاً، وقرأت لأحمد سعيد في مقابلات صحافية يدافع عما فعل بنفس القوة، وماذا يمكن لإنسان دفع الضريبة من لحم الحي، إلا أن يستمر مدافعاً عن موقفه ولو أثبتت الأيام أنه خطأ!
بيد أن أحمد سعيد لم يكن على الجبهة، والصحافيون ليسوا أحراراً إذا وقعت الحروب وكانوا هناك، وهو لم يصغ البيانات، فقط تلاها بصوته الجهوري، فرفع منسوب الوطنية، قبل أن يستيقظ الناس على الهزيمة المذلة!
ونقل الرسالة فقط هو ما يجعل أحمد سعيد مختلفاً عن محللي هذه الأيام، وإن اعتمدوا منهجه الغوغائي، لنعرف التحليل بالأماني، وقد استبعدوا توسيع إسرائيل «الغارة» في غزة لدائرة الحرب، فهل اطمأن حسن نصر الله لهذا التحليل، وأقرت بما قالوا إدارة قناة «الميادين»، والأمر لا يختلف في قناة «المنار» التابعة لـ«حزب الله»؟!

نحو منهج جديد للتحليل

هذا النمط من المحللين لم يتعود على الحروب الطويلة، وإذ كان خطابه في البداية يجد قبولاً لدى الناس، وهو التحليل بالأماني، إلا أنه مع مرور الوقت يحدث تشبعاً من الخطاب، ويتم تحميل المحلل وقائع ما جرى، وقد خلق الإنسان هلوعاً.
ومن الخطأ بمكان تحميل القنوات التلفزيونية أخطاء المحللين، وقد صرنا بحاجة إلى منهج جديد في التحليل، لا يعتمد على المقرر الدراسي من زمن أحمد سعيد!
مع الحرب على لبنان، كتب صديقنا تامر شيرين شوقي عاتباً على قناة «الجزيرة» أداء بعض محلليها الذين صوروا الحرب، كما لو كانت مقبرة لإسرائيل، ونصراً ساحقاً لـ«حزب الله»، والمحلل ليس جزءاً من السياسة التحريرية لأي قناة، كما أن الكاتب في أي صحيفة لا يعبر عن سياستها التحريرية إلا من حيث كونها تحتفي بكل الآراء، وقد تجاوز الزمن صحف الرأي الواحد، سواء صحف اليسار أو اليمين الديني!
فقيمة «الجزيرة» في هذه التغطية للحرب، وللأحداث بشكل عام، فطاقمها كان جاهزاً للسفر إلى جنوب لبنان، لينقل وقائع ما يجرى، وهي التغطية التي تجعلنا نذهب بعيداً، ثم نعود إليها، ولو عاد برنامج «الاتجاه المعاكس» للشاشة لحقق التوازن الذي يغني صديقنا تامر شيرين شوقي عن عتاب المحب، وفيصل القاسم منحاز ضد «حزب الله» وإن انتصر، وبالتالي كان سيقدم الرأيين وسيضغط مع الرأي الذي يمثله!
ودائماً كانت ميزة «الجزيرة» في التنوع الذي يمثله مقدمو البرامج فيها، وما بين سامي حداد، وفيصل القاسم، وأحمد منصور، تكتمل الرؤية!
وعلى ذكر فيصل القاسم وموقفه ضد «حزب الله»، الذي يعبر عنه عبر منصات التواصل الاجتماعي، فلا أحد يلوم سورياً لموقفه ضد من مثل محور المساندة للطاغية السوري الذي واجه الثورة بالسلاح، وسحق الشعب السوري، وخرب البلد وجلس على تله.
لكن بالنسبة لنا فلا يمكن أن نعتبر انتصار إسرائيل، ولو على خصمنا السيسي، انتصاراً لنا، ودولة الاحتلال لا تخوض حربها الآن ضد «حزب الله»، لأنه دمر سوريا، ولكن لأنه يساند المقاومة الفلسطينية!
وبعض الأمور تحتاج إلى قاعدة «الفرز والتجنيب»، فقد كنت ضد ديكتاتورية صدام حسين، وضد غزوه للكويت، وعندما سنحت الفرصة بعد الغزو، كنت على الجبهة ضده، لكن عندما تعرض للحصار والغزو الأمريكي كان الموقف مختلفا.. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فمن انتصر بعد ظلم فأولئك ما عليهم من سبيل!
وإن كان تنوع الرؤى هنا يثري الرسالة الإعلامية، وأزمة الإعلام في التحليل العاطفي، ومن الظلم تحميل الوسيلة الإعلامية أخطاء المحللين الذين يركبون الهواء، لأن معظم التحليلات تقع ضمن دائرة استشراف المستقبل القريب، فماذا لو عاد المحللون وزادوا في أن هذه الحرب أنهت المستقبل السياسي لنتنياهو وعندما ينقشع الغبار، سيطرده الناخب الإسرائيلي من الحكم، ويذهب به إلى السجن، ثم جدد الإسرائيليون بعد ذلك الثقة فيه؟!
ماذا في إمكان المذيع أن يقول له الآن؟ إلا إذا كان يقرأ الفنجان؟ إن هذه النوع من المقابلات يحتاج أن تكون المحاورة هي ليلى عبد اللطيف، لتكون المذيعة والمحلل من ضاربي الودع!
ومحاسبة طواقم المحللين في القنوات المختلفة، عملية ينبغي أن يقوم بها الباحثون في المستقبل، فلو حدث هذا لما رأينا ثقافة «فتح الستالايت» وضرب الهواء بويه (أو طلاء أظافر)!
أما وسائل الإعلام فهي تُحاسب على جدية التغطية وحضورها ونقل الحدث، وهو ما يجعلنا نذهب هنا وهناك، وإلى «الميادين»، «»روسيا اليوم»، والقناة التركية الناطقة بالعربية، ثم نعود لـ«الجزيرة»!
إنها القناة المعجزة!
أرض جو: من الأماكن الملتهبة يطل علينا عبد الفتاح فايد، مدير مكتب «الجزيرة» السابق في القاهرة، وها هو الآن في لبنان، حيث الخطر. إن عبد الفتاح فايد كالغيث أينما وقع نفع!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية