يواصل النشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان في العراق، رفضهم إجراء تعديلات تمس قانون الأحوال الشخصية، التي تمّنح رجال الدين سلطة أوسع.
بغداد ـ «القدس العربي»: أحّيا يوم الفتاة أو الطفلة، التحذيرات الدولية من خطوة عزم مجلس النواب العراقي (البرلمان) مواصلة طريقه في إجراء تعديلات على قانون الأحوال الشخصية المثير للجدل، لما يمثله من انتهاك لالتزامات العراق الدولية الخاصة بالحقوق الأساسية للمرأة، فيما يواصل المدافعون عن القانون النافذ مساعيهم الرامية للوقوف بوجه تمرير التعديلات تحت قبّة البرلمان.
وفي الرابع من آب/أغسطس الماضي، جرت القراءة الأولى لمشروع القانون، قبل أن تتمّ القراءة الثانية له في 16 أيلول/سبتمبر.
وحذر أعضاء في البرلمان الأوروبي، حسب بيان رسمي، من عواقب «هذا الاقتراح الأخير، الذي ينتهك التزامات العراق الدولية بشأن الحقوق الأساسية للمرأة».
وأشاد الأعضاء، بالنساء، بمن فيهم أعضاء البرلمان العراقي اللاتي أدنّ المقترح، بالإضافة إلى المنظمات غير الحكومية والناشطين وأعضاء المجتمع المدني «الذين يقاتلون للحفاظ على أحد أكثر القوانين تقدمية في المنطقة».
ورأوا أن قانون العقوبات «لا يحمي قانوناً النساء والأطفال ضحايا العنف المنزلي في العراق، وبالتالي من شأن التعديلات المقترحة على قانون الأحوال- إذا سنت- أن تؤدي إلى تطبيق أكثر راديكالية للقانون».
وحث البرلمان الأوروبي، في قرار اتخذه نهاية الأسبوع الماضي، العراق على «اعتماد خطة عمل وطنية للقضاء على زواج الأطفال، وتجريم الاغتصاب الزوجي، ومكافحة العنف المنزلي، وتعزيز حقوق النساء والفتيات، بما يتماشى مع اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة».
ودعا البرلمان الأوروبي، وفد الاتحاد الأوروبي في العراق، إلى «جعل منح التنمية مشروطة بالتدريب القضائي على العنف الجنسي وإنشاء ملاجئ للنساء، ومطالبة الدول الأعضاء بزيادة دعمها للمدافعين عن حقوق المرأة والطفل في هذا البلد».
تزامن ذلك مع إطلاق منظمة «العفو الدولية» دعوة لمجلس النواب العراقي لإسقاط التعديلات المطروحة على القانون، قبَيْل تصويت وشيك، مشيرة إلى أن هذه التعديلات من شأنها أن «تنتهك حقوق النساء والفتيات، وتزيد من ترسيخ التمييز المجحف، وقد تسمح بزواج الفتيات في سن التاسعة».
وقالت رازاو صاليي، الباحثة المعنية بشؤون العراق في المنظمة، إنه «يجب على المشرعين العراقيين أن يستمعوا إلى تحذيرات المجتمع المدني، ومجموعات حقوق المرأة، من التأثير المدمر لهذه التعديلات التي من شأنها إلغاء سن الزواج القانوني الحالي البالغ 18 عامًا للفتيات والفتيان على حد سواء، ما يمهد الطريق لزواج الأطفال، وكذلك تجريد النساء والفتيات من الحماية فيما يتعلق بالطلاق والميراث».
ووفق الباحثة فإنه «لا يحرم زواج الأطفال الفتيات من التعليم فحسب؛ بل يعرّضهنّ أيضًا للإيذاء الجنسي والبدني، والمخاطر الصحية المرتبطة بالحمل المبكر» معتبرة أن «الإصرار الشديد على هذه التعديلات على قانون الأحوال الشخصية مثير للقلق، على الرغم من الحاجة الماسة إلى إصلاحات قانونية عاجلة مختلفة تمامًا لحماية حقوق النساء والفتيات العراقيات».
وأضافت: «يتعين على البرلمان العراقي أن يرفض هذه التعديلات الضارة المقترحة، وأن يركز جهوده بدلاً من ذلك على معالجة أوجه القصور المؤسفة في قانون العقوبات، الذي يسمح بتحديد (الشرف) كعامل مخفف لجرائم قتل النساء والفتيات، ويحلّل للزوج إنزال العقوبة البدنية بزوجته وأطفاله، ويمتنع عن تجريم الاغتصاب الزوجي».
وينطبق قانون الأحوال الشخصية الحالي على جميع العراقيين بغض النظر عن دينهم. ومن شأن التعديلات المقترحة أن تمنح المجالس الدينية للطائفتين السنية والشيعية في العراق سلطة تطوير «قوانين الشريعة الخاصة بالأحوال الشخصية» في غضون ستة أشهر من إقرار القانون، ما يهدد فعليًا حقوق النساء والفتيات ومساواتهن أمام القانون، وفقاً للمنظمة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، التي ترى أيضاً إن التعديلات المقترح إضافتها على القانون النافذ «ستفتح الباب أمام تقنين الزيجات غير المسجلة، والتي غالبًا ما تُستخدم للتحايل على قوانين زواج الأطفال، وإزالة العقوبات عن الرجال البالغين الذين يعقدون مثل هذه الزيجات، ورجال الدين الذين يقيمونها. كما أنها ستؤدي إلى إلغاء الحماية المهمة للنساء المطلقات، مثل الحق في البقاء في المنزل الزوجي، أو تلقي نفقة من الزوج السابق».
واختتمت رازاو صاليي قائلة: «تنتهك التعديلات المعاهدات الدولية التي صادق عليها العراق، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) واتفاقية حقوق الطفل» مبينة أن «ضمان سلامة وكرامة وحقوق النساء والفتيات ليس فقط التزامًا على الدولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بل هو أيضًا واجب أخلاقي يجب أن تلتزم به جميع المؤسسات العراقية».
وعلى الرغم من تبني قوى سياسية شيعية منضوية في «الإطار التنسيقي» إجراء التعديلات على قانون الأحوال الشخصية، غير أن موقفاً سنّياً دينياً جديداً جاء متناغماً مع الإصرار الشيعي في دعم تشريع قوانين تنظّم الأحوال الشخصية للعراقيين وفقاً لمذهبهم، رغم الإقرار بأن التعديل على القانون النافذ يأتي مكرّساً للطائفية.
رجل الدين السنّي البارز، عبد الملك عبد الرحمن السعدي، ذكر في بيان صحافي قائلاً: «اطلعت على قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية لسنة 2024. ومن المؤسف أنه جاء على نحو معزز للطائفية مرة أخرى، فدعا إلى وضع مدونة أحوال شخصية سنية وأخرى شيعية، وجاء ذلك ضمن السياق الذي اعتمدته الحكومات المتعاقبة منذ احتلال العراق سنة 2003 وحتى الآن، كما فعلوا من قبل بفصل الأوقاف إلى وقفين سني وشيعي، وفصل النواب والسياسيين إلى سنة وشيعة، وحتى صيام رمضان، وغيرها كثير».
وأضاف: «نحن ابتداء ننأى بأنفسنا عن أي قرار سياسي بتبني هذا الفصل، ولا نتحمل المسؤولية عنه، وكنا وما زلنا لا نرغب فيه؛ ولكن بما أن هذا الوضع للعملية السياسية صار واقعا مفروضا وأخذ يطال أحكام الأحوال الشخصية للمجتمع العراقي، فإننا ندعو سنة العراق إلى ضرورة وضع مدونة سنية للأحوال الشخصية وفق الشريعة الإسلامية».
وحسب معلومات السعدي فإن «سياسيين من السنة في البرلمان أو في الحكومة يذهبون باتجاه الإبقاء على القانون الحالي، على الرغم من مخالفاته للمصلحة الشرعية التي تناسب الحياة وتحقق العدالة والأمن والاستقرار في المجتمع، وبعضهم يدعو إلى تعديلات هي أقرب إلى مفاهيم العلمانية منها إلى الشريعة الإسلامية ويزعمون بالقول: إننا نحن السنة لسنا إسلاميين! ولا أدري هل يقصد هؤلاء بذلك الزعم أنفسهم أو عموم المجتمع السني؟ فإن كانوا يقصدون المجتمع السني، فالواقع ليس كذلك، والعقل السليم يكذب مثل هذا الزعم؛ فإن الغالبية العظمى من المجتمع العراقي ومنذ فتح العراق على يد سيدنا عمر بن الخطاب وإلى اليوم هم من المسلمين الذين يعتزون بانتمائهم إلى الإسلام ويرفضون كل ما يخالف الشريعة الإسلامية».
مستدركاً بالقول: «وإن كانوا يقصدون أنفسهم، فهذا شأنهم وهم بذلك لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يمثلون واقع المجتمع السني، بل أن تمثيلهم باطل فيما يخالف المصلحة العامة التي وضعت الشريعة الإسلامية أصولها، لذا فليس لهم الحق أن يفرضوا معتقداتهم وآراءهم الخاصة بهم على المجتمع».
ويرى السعدي أن «بعضا من هؤلاء، هناك من يدفعهم من خارج الحدود لتبني هذه المواقف المجانبة للحق والصواب، ومن كان هذا شأنه فيحرم على المجتمع مساندته وتأييده وإلا فهم مشاركون معه في الإثم» لافتاً إلى أن بعض النواب والسياسيين السنّة «لا يعارض إقرار المدونة الشيعية ويعارض احتكام السنة المدونة خاصة بهم ويدعم القانون 188 الحالي؛ ليبقى السني عائما لا هوية له في قانون الأحوال الشخصية، فإما أن يلجأ إلى قانون يخالف مذهبه أو إلى القانون الحالي المحتوي على ثغرات لا تحقق المصلحة الشرعية التي تناسب مجتمعه، وهذا ظلم للمجتمع السني، وغمط الخصوصية معتقداتهم وعاداتهم، وخطوة إلى عدم اعتبارهم والاعتداد بهم ونحن نرفض ذلك جملة وتفصيلا».
رجل الدين السنّي اعتبر أن «المصلحة الشرعية تقتضي وضع مدونة سنية منبثقة عن الفقه الإسلامي وفق المذاهب السنية المشهورة المعتبرة» داعياً في الوقت عينه «المجتمع السني بكل فئاته ومنهم الخطباء والعلماء إلى عدم السماح لأحد بالتلاعب بالأحكام الشرعية التي تخص أحوالهم الشخصية وغيرها، وعدم السماح لأي سياسي أن يفعل ذلك تحت ذريعة أنه يمثلهم أو أنه يتحدث بالنيابة عنهم».
وفي مقابل هذه التوجهات، يواصل النشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان في العراق، رفضهم إجراء تعديلات تمس قانون الأحوال الشخصية، التي تمّنح رجال الدين «سلطة أوسع».
وعند تمثال المتنبي، نظّمت مجموعة من النساء العراقيات وقفة احتجاجية الجمعة الماضية، بهدف التعبير عن رفضهن التعديلات المطروحة في البرلمان، و«سلب حقوقهن والمكتسبات القانونية» حسبما عبّرن.