يؤكد معارضو الرئيس على أن النضال سيتواصل لإعادة البلد إلى طريق الديمقراطية ولإشاعة الحقوق والحريات من خلال الضغط باتجاه إلغاء المراسيم والممارسات التي أعادت البلد سنوات إلى الوراء.
تونس ـ «القدس العربي»: اختلفت المواقف بشأن نتائج الانتخابات الرئاسية في تونس، والتي انتهت بفوز قيس سعيد بولاية ثانية مدتها خمس سنوات، بين مقتنع بخلافة ساكن قرطاج لنفسه وبصحة ما أفرزه الصندوق، وبين رافض لهذا الأمر مشككا في نتائج هذه الانتخابات وفي كامل مسار 25 تموز/يوليو. واحتدم الخلاف بين الجانبين في وقت لم تستقبل فيه المحكمة العدلية المختصة أي طعن في النتائج المعلن عنها من المرشحين الآخرين عياشي الزمال وزهير المغزاوي.
وللإشارة فإن أعداد الذين صوتوا لاختيار رئيس جمهورية في هذا الاستحقاق الانتخابي قاربت أعداد المشاركين في عملية الاستفتاء على دستور تموز/يوليو سنة 2022. وقد قاربت النسبة 30 في المئة ممن تتوفر فيهم شروط الانتخاب وهو ما جعل البعض يعتقدون أن أنصار سعيد وحدهم من تحولوا إلى صناديق الاقتراع مقابل عزوف أنصار الأحزاب السياسية.
اليوم التونسيون يجدون أنفسهم أمام مشهد سياسي جديد واللافت في نتائج الانتخابات هو غياب الشباب بين الفئات العمرية 18 و35 عاما وسط عزوف كبير من هؤلاء. وهذا من المظاهر الخطرة لأن الشباب هم الدماء الجديدة التي تحتاجها البلدان في دينامية تحولاتها الهامة ومواجهة تحدياتها.
ورغم أنه لم يقع الحديث عن تزوير من قبل منافسي الرئيس سعيد ولا من قبل المراقبين، إلا أن معارضي الرئيس سعيد شككوا بفوزه بتلك النسبة العالية وشبهوه بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الذي كان يفوز بهذه النسبة في انتخابات صورية بلا منافسة. واعتبر هؤلاء أن نشر نتائج استطلاع للرأي من قبل إحدى الشركات الخاصة المعروفة بنشاطها في سبر الآراء، هو عملية تأثير على الرأي العام لدفعه إلى القبول بنتائج الانتخابات بعد الإعلان عن النتائج الأولية والنتائج النهائية.
ويؤكد هؤلاء على أن النضال سيتواصل في مرحلة ما بعد الانتخابات لإعادة البلد إلى طريق الديمقراطية ولإشاعة الحقوق والحريات من خلال الضغط باتجاه إلغاء المراسيم والممارسات التي أعادت البلد سنوات إلى الوراء. ويأتي في مقدمة هذه المراسيم، حسب هؤلاء، المرسوم عدد 54 الذي أصبح عصا مسلطة على كل صوت معارض ولم يقع تطبيقه على من يثلبون ويهتكون الأعراض سواء من تونس أو ممن يقذفون التونسيين على أرضهم وينتمون إلى بلدان الجوار.
كما انتقد هؤلاء الشروط الكثيرة التي تم وضعها للترشح إلى الانتخابات الرئاسية والتي حرمت مرشحين جديين من أن يكونوا من بين المنافسين للرئيس قيس سعيد ومن ذلك المرشحين المنتمين إلى العائلات السياسية ذات الامتداد الشعبي في البلاد. وبالتالي يرى هؤلاء أن تنقيح القانون الانتخابي يعتبر من الأولويات حتى لا يتكرر ما حصل في هذا الاستحقاق ويحرم مرشحون جديون من حقهم في الترشح ونيل أصوات الناخبين للوصول إلى قصر قرطاج وممارسة الحكم.
عزوف الأحزاب الكبرى
بالمقابل يستبعد كثير من التونسيين حصول تزوير في الانتخابات الأخيرة ويرجعون سبب هذا الفوز الساحق للرئيس قيس سعيد إلى المقاطعة التي انتهجتها أطياف واسعة في المعارضة وخصوصا العائلات السياسية الكبرى من حيث القاعدة الجماهيرية. ويعتبر هؤلاء أن فوز سعيد كان متوقعا باعتبار محافظته على خزانه الانتخابي مقابل غياب أنصار هذه العائلات السياسية على غرار الدساترة والإسلاميين إضافة إلى اليسار النخبوي الحاضر بقوة في المنظمات الوطنية الهامة.
ويرى الكاتب والباحث السياسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن الأحزاب التي لديها قاعدة جماهيرية والتي تقبع قياداتها في السجون، على غرار حركة النهضة والحزب الدستوري الحر، كان بإمكانها أن تدعم أحد المرشحين المنافسين للرئيس سعيد وأن تدفع بقواعدها إلى التصويت لهذا المرشح أو ذاك، لكنها جنحت إلى المقاطعة وهو ما فسح المجال لأنصار الرئيس للتواجد بكثافة في مراكز الاقتراع وتحقيق هذا النصر الساحق. ويؤكد الحاجي على وجوب عدم نسيان المعطى المتعلق بأن 70 في المئة من التونسيين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، مؤكدا على أن هؤلاء من بينهم فئة غير المهتمين بالشأن السياسي، أيضا فئة أنصار الأحزاب السياسية الكبرى أو بتعبير أدق العائلات السياسية الكبرى وعلى رأسها الدساترة والإسلاميين.
ويضيف محدثنا قائلا: «يبدو أن هذا الخيار بالمقاطعة سببه رغبة هذه الأحزاب في أن تكون هي في السلطة من خلال مرشح ينتمي إليها وليس لديها أي استعداد لدعم مرشح لمجرد أنه سينافس خصمها الرئيس قيس سعيد. كما يذهب البعض إلى أن خيار المقاطعة لهذه الأحزاب سببه قرار سابق بضرب شرعية الرئيس قيس سعيد منذ البداية وهي التي لا تعترف بمسار 25 تموز/يوليو 2021 منذ البداية وقاطعتا المحطات الانتخابية السابقة.
كما يمكن اعتبار أن فوز سعيد يعود إلى نقمة التونسيين على الأحزاب السياسية التي حكمت البلاد خلال العشرية الماضية وأوصلتها إلى هذا الوضع الاقتصادي المزري، وبالتالي فقد ذهب أغلب المقترعين لانتخاب سعيد، في غياب بديل حقيقي. ولعل الشروط المجحفة للترشح كان لها دور في استبعاد مرشحين كانوا قادرين على منافسة الرئيس سعيد بحكم انتمائهم إلى عائلات سياسية هامة».
التطلع إلى المستقبل
من جانبه يرى الناشط السياسي مرسي التلمودي في حديثه لـ«القدس العربي» أن كثيرا من التونسيين يتطلعون اليوم إلى المرحلة القادمة آملين في حصول تهدئة سياسية واجتماعية وذلك بإطلاق سراح المساجين من السياسيين والإعلاميين والحقوقيين، وإطلاق حوار وطني يشمل الجميع تجنبا لتواصل التحركات الاحتجاجية من المعارضة والتي يخشى أن تشتد أكثر فأكثر. فالبلد، حسب الناشط السياسي التونسي، بحاجة إلى هذا الانفراج السياسي لمعالجة مشاكله خاصة وهو يمر بأزمة اقتصادية واجتماعية تتمثل في ديون تتجاوز 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وتباطؤ في النمو قد يصل إلى 2 في المئة هذا العام إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة.
ويضيف محدثنا قائلا: «تحتاج تونس إلى جملة من الإجراءات في جميع المجالات دفعا لعجلة التنمية المعطلة وذلك على غرار تشجيع الاستثمار الخاص عبر خفض الضرائب ونسب الفائدة، ومحاربة البيروقراطية التي تعيق التونسيين في حياتهم اليومية فما بالك بالمستثمرين الأجانب. كما أن هناك دعوات إلى الاستفادة أكثر من عائدات الثروات الوطنية وعلى رأسها الفوسفات، ومن تحويلات التونسيين بالخارج، مع الإسراع إلى تغطية العجز الطاقي الذي يستنزف موارد الدولة من خلال تحفيز الاستثمار في الطاقات البديلة.
ويبدو أن دعوات صدرت عن مدير حملة الرئيس سعيد، نوفل سعيد تصب في هذا الإطار حيث دعا إلى ضرورة القطع مع التجاذبات ووضع حد للمناكفات والدخول في فترة تهدئة، وفق تعبيره. واعتبر نوفل سعيد أن لحظة 6 تشرين الأول/اكتوبر يجب أن تكون منطلقا لصفحة جديدة عبر البناء على منسوب الثقة الموجود بين الرئيس والتونسيين. كما اعتبر أن هذه الانتخابات يجب أن تمثل الطريق للتفكير في صنع مستقبل جديد للشعب التونسي، وهو ما فهم منه أن الرئيس يرغب في طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع المعارضة والقوى الحية في البلاد».