«البداية» الفيلم المُستثنى من واقعية المخرج صلاح أبو سيف

يُمثل فيلم «البداية» للمخرج صلاح أبو سيف حالة استثنائية صريحة في منهجه السينمائي الواقعي، فكما هو معلوم ينتمي أبو سيف لمدرسة رائد الواقعية المخرج كمال سليم صاحب فيلم «العزيمة»، وبهذا الانتماء اتبع صلاح أبو سيف الأسلوب الواقعي في أغلب أفلامه ولم يحد عنه إلا في حالات نادرة للغاية، كان للرمزية ضرورة مُلحة فيها.
ويُعد فيلم «البداية» تجربة خاصة جداً في سينما أبو سيف، فالمؤلف والسيناريست لينين رملي نجح في أن يجذب مخرج الواقعية إلى المنطقة الرمزية المُغايرة، ليُقدم الفكرة في قالب فانتازي افتراضي، مُعتمداً على الرسائل الفلسفية غير المُباشرة، لتوضيح مفهوم الدولة والحُكم والمُجتمع استناداً إلى مبدأ الديمقراطية، الذي يؤكد كل من الكاتب والمخرج انحيازهما المُطلق له بوصفه المبدأ الصحي الذي تقوم عليه أسس الدولة المُتقدمة ونظام الحُكم العادل الذي تتساوى فيه كل الفئات في ما لها من حقوق وما عليها من واجبات.
وانتصاراً لهذا الرأي وتماشياً مع المبدأ الديمقراطي، تم تطويع الفكرة وتحمس المخرج لتقديمها، بالشكل الذي كُتبت به، فكان الفيلم الاستثنائي المهم الذي أنتج عام 1986 وقام ببطولته أحمد زكي وجميل راتب وحمدي أحمد ويسرا وصفية العمري وسُعاد نصر وصبري عبد المنعم ومدحت مُرسي وآخرين.
بدأت أحداث الفيلم بسقوط طائرة ركاب في إحدى الواحات، نتيجة عاصفة تُرابية فقد على أثرها قائد الطائرة بوصلة الاتجاه، ما أدى إلى بقاء بعض الرُكاب مُضطرين للحياة داخل هذه الواحة التي تفتقر لمقومات المعيشة بالطُرق الحديثة وتتسم طبيعتها بالبدائية الشديدة. وهنا تجلت الترجمة الصحيحة لعنوان الفيلم «البداية»، حيث مثلت المنطقة الصحراوية التي سقطت فيها الطائرة بداية الحياة على الأرض، والرجوع إلى الفطرة الإنسانية وما جُبل عليه البشر من صفات الخير والشر، من الطمع والأنانية وحُب السُلطة، مقابل صفات إيجابية أخرى للأسوياء كالعدل والإنصاف والرُقي إلى آخره. لهذا انقسم أبطال الفيلم حيال الأزمة ولحظة الاختبار الحقيقية إلى فريقين، فريق أناني مُستبد برأيه يؤمن بالقوة ويرفض الحوار، يُمثله ويقوده جميل راتب، الذي نصب نفسه حاكماً للواحة ومُتحكماً في مُقدرات سكانها، وفريق آخر يرفض مبدأ التغيير القسري بالقوة، وينحاز إلى البسطاء من أهل الواحة أو ركاب الطائرة المفقودة يُمثله ويُعبر عنه أحمد زكي الشاب الثوري، الذي تتوافر فيه مقومات الزعامة والقيادة الرشيدة العاقلة. وبين الفريقين تدور تفاصيل الصراع الوجودي وتشتد الأزمات بفعل التصعيد الذي يقوم به «نبيه بك» (جميل راتب) للاستحواذ على ثروات الواحة وإحكام قبضته على مقاليد الحُكم فيها باستخدام القوة والبطش عن طريق حارسه الشخصي صبري عبد المنعم الذي يُغدق عليه ويُجزل له العطاء ليضمن ولاءه ويأمن شره وغدره.
بينما يقسو على بقية الأفراد بمحاولة السيطرة عليهم وسلب إرادتهم وقهرهم، غير أنه يُمارس أسلوب الوقيعة والفتنة لإضعاف الجبهة المُناهضة له، ويطمع في الاستئثار بالبطلة يسرا بإغوائها لإشباع رغبته الحسية، في الوقت الذي يعد فيه الدكتورة المُتخصصة في علوم الجيولوجيا بالزواج لاستقطابها كي تساعده على اكتشاف الثروات المعدنية الموجودة في الصحراء.
إنها ألاعيب الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في بعض الدول النامية يُشير إليها الكاتب لينين الرملي، ببعض الدلالات البسيطة فيما يُشبه التجريب الدرامي السينمائي، الذي تُستخدم فيه الرموز البسيطة للتعبير عن جُل الأفكار العميقة، كتمثال العجوة الذي صنعة نبيه بك، الشخصية الديكتاتورية ليكون رمزاً له وشبحاً مُخيفاً يُفزع به سكان الواحة من عموم المواطنين، كالفلاح الذي أدى دورة باقتدار حمدي أحمد والراقصة المُتقاعدة سُعاد نصر والطفل الصغير والصديقة المتواطئة صفية العمري، التي مثلت الشخصية الانتهازية المُستفيدة من السُلطة ونزاعات الأطراف المُختلفة.
لقد منح المخرج صلاح أبو سيف للشخصيات كافة فرصة كافية للتفاعل والحضور باعتبارهم نماذج من الشعب الذي يقع عليه الغُبن جراء الحُكم الديكتاتوري المُطلق، بمن فيهم الشخصيات الهامشية التي لا تطمح إلى أكثر من الغذاء والكساء والدواء ولا تشغل بالها بنظام الدولة، سواء كان ديمقراطياً أو استبدادياً، ففي وقت انهيار النظام وفشل الدولة يتساوى الكبير والصغير ويُصبح التأثير السلبي شاملاً الجميع بلا استثناء.
هكذا صدر لنا الفيلم هذا المفهوم بانسيابية وقدر من الكوميديا الساخرة، رغم اللغة الرمزية غير التقليدية، وفي النهاية كان الاحتكام للقضاء والمحكمة هو الفيصل والسبيل، ولولا الإشارة إلى تبعية القضاء للحاكم والنظام الاستعماري لكان الطريق إلى الحرية يسيراً وسهلاً. لذا جعل المخرج الحل في يد الشعب عن طريق الانتخاب والاقتراع المُباشر لاختيار الشخص المناسب للمكان المناسب حتى إن شاب العملية الانتخابية شيء من عدم النزاهة والشفافية، فهذا لا ينفي أنها الوسيلة القانونية الأسمى والأرقى لبناء المُجتمعات الصحية سياسياً واجتماعياً وثقافياً.
كل هذه العلامات والمُعطيات أوجدها كل من الكاتب لينين الرملي والمخرج صلاح أبو سيف للتأكيد على ضرورة توافر المُمارسة الديمقراطية في المُجتمعات السليمة، وإنه لا يُمكن للفوضى الخلاقة أن تسمو بمُجتمع أو ترتقي بشعب. كما لا يُمكن أيضاً أن يستقيم نظام دولة ما بالانفراد بالسُلطة حتى لو كان المُجتمع بدائيا، فالنهوض والتقدم والارتقاء غايات لا تتحقق إلا بالبداية الديمقراطية الصحيحة.
كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية