إذا قتل أنس الشريف، أو أي من زملائه الذين يعملون في مكتب قناة «الجزيرة» في غزة، فنحن نعرف الجاني من الآن!
ليس فقط لأنه قتل غيرهم، ويقتل الناس على الهوية، ولا يميز بين صحافي والطواقم الطبية، وبين المقاومين الذين يردون عدوان القاتل المحترف، فهذا القاتل مهد لعمليته الإجرامية المحتملة بادعاء أن أنس وإخوانه ينتمون لـ«حماس» وللجهاد الإسلامي!
أفيخاي، ولا مؤاخذة، أدرعي المتحدث باسم جيش الاحتلال، قال موجهاً حديثه، من بعد، لأنس الشريف: «لقد انكشفت حقيقتك؛ قد تحاول تقديم نفسك كصحافي يتألم لأوضاع أهل غزة، لكن الجميع يعلم أنك حمساوي»!
بالسوابق، فإن هذا القاتل لا يحتاج إلى حيثيات لقراره، وقد استهدف الطواقم الطبية من قبل، وقتل عوائلهم بدم بارد، وأصاب مدير مكتب «الجزيرة» في غزة وائل الدحدوح بعد تصفية عدد من أفراد أسرته، وسبق هذا كله باغتيال شيرين أبو عاقلة مراسلة «الجزيرة» على الأرض المحتلة، وكل هذا لم يسبقه إعلان كالذي فعله أفيخاي، ولا مؤاخذة، مع أنس الشريف وإخوانه، وقال إنهم حمساويون وجهاديون، نسبة لحركة الجهاد الإسلامي، فألحقهم بالمقاومة التي تستبيحها إسرائيل، ونزع عنهم الصفة الصحافية، حدث هذا دون أن يصدر بيان من البيت الأبيض الأمريكي، الراعي الرسمي للمجازر في غزة، يأمر نتنياهو بأن يصرف نظراً عن ما عقد العزم عليه، فما كتبه أفيخاي، ولا مؤاخذة، أذرعي، ليس من فراغ!
وكما اغتصبوا الأرض، فها هم يغتصبون سلطة التنظيمات الصحافية في اثبات الصفة الصحافية أو نزعها، وهذا ليس من اختصاص المتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال، أو أي جيش آخر، فمال الجيوش وأصول ممارسة العمل الصحافي!
أخبار أنس الكاذبة
لن أناقش مع أفيخاي، ولا مؤاخذة هذا الانتساب التنظيمي لأنس وإخوانه، فالأصل عند التقييم هو شرف الانتماء للمهنة، وممارستها بموضوعية، فماذا أذاعوا ولم يكن صحيحا؟!
هل عندما أذاع أنس وإخوانه أن الجنون الإسرائيلي يستهدف المستشفيات، ويهجر الفلسطينيين، ويطارد الأطفال والنساء، لم يكن هذا صحيحا؟!
وهل عندما أذاعوا صور أهل غزة وهم ينتقلون من مكان إلى مكان، ومن قصف إلى قصف، جوعى يمنع عنه الغذاء، ومرضى يمنع عنهم الدواء، كانت صوراً مزيفة استخدمت فيها التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي؟!
الأمر نفسه ينسحب على مكتب «الجزيرة» في رام الله، الذي تم إغلاقه ومداهمته من قبل قوات من الجيش الجبار، دون تقديم ما يعطي مبرراً موضوعياً لقرار كهذا! لماذا لا يفحمنا أفيخاي، ولا مؤاخذة، أدرعي بقائمة من المعلومات غير الصحيحة، والأخبار المفبركة، والصور المزورة التي بثتها الجزيرة، وأرسلها لها مراسلوها، سواء من غزة، أو من الأرض المحتلة؟!
المؤكد أنه لن يجد، الأمر الذي يرتفع بالطواقم الصحافية في قناة «الجزيرة» للاحتراف، ولا يمكن لضابط في جيش اختصاصه القتل والإبادة الجماعية، أن ينزع الصفة الصحافية أو يمنحها!
ولماذا يرى جيش الاحتلال نفسه مهزوماً أمام تغطية «الجزيرة» من غزة، فيخرج عن شعوره بهذا التهديد الواضح والصريح، ويمهد لتصفية الصحافيين الذين لم يجرب عليهم كذبا، أو ينال من سمعتهم المهنية إلا بحديث الانتماء السياسي أو الفكري، كأي ضابط جهول في دول القمع العربي، فماذا بقي من إسرائيل، التي كانت توصف نفسها بأنها واحة الديمقراطية المحاطة بغابات الاستبداد؟!
لماذا يشعر أفيخاي، ولا مؤاخذة، بالهزيمة أمام الجزيرة، وهي لا مدفع ولا منصة لإطلاق الصواريخ، مع أن لديهم ترسانة من القنوات العربية الناطقة بلغة الضاد التي تنقل الرسالة على النحو الذي تريده الحكومة الإسرائيلية، فحتى من القاهرة، عاصمة القرار العربي، يوجد بوق صهيوني يعمل في حماية السلطة، وبالتنسيق معها!
ولديهم تيار ديني، ينتمي للسلفية، يعين الشيطان على حماس وحزب الله، ويأخذ الرأي العام بعيداً حيث الخلاف على من أحق بالخلافة، ولم يتذكر ما فعله الشيعة في العراق وسوريا إلا الآن، مع أن العراق ضربت بمعاونة عواصم عربية، وأن بشار الأسد بقي بمؤامرة على الثورة شاركت فيها عواصم عربية أيضا، ولم يكن هؤلاء من الذين انحازوا للثورة السورية، أو كانوا ضد الغزو الأمريكي للعراق، لكنهم تذكروا كل هذا الآن!
لماذا لا يرى جيش الاحتلال السلوى في هذه الأبواق الإعلامية، ولتحقيق التوازن المطلوب مع رسالة الجزيرة، حتى لا يكون موضوع الجيش أنس الشريف وإخوانه! كم قناة عربية تكفي إسرائيل، فتشعر بنجاح رسالتها، ولا تستهدف الطواقم الإعلامية التي تنقل الحقيقة المجردة؟!
ألا يكفيكم تنازلنا لكم عن إبراهيم عيسى، هل تحتاجون بجواره للأستاذة فريدة الشوباشي؟! على بركة الله
ماسبيرو زمان وجمهورية هذه الأيام
غبت عن قناتي المفضلة «ماسبيرو زمان» لفترة طويلة بسبب الأحداث الجارية، وعندما عدت اليها، وجدت ما يبعث على النكد!
فالقناة تنقل لنا التراث التلفزيوني، وفي جانب منه تعيد أمثالي من كبار السن، إلى طفولتهم وشبابهم، والأعمال التي شاهدتها في هذه المرحلة، فنعيش مع الذكريات، وحتى وإن كانت بعض الأعمال الدرامية ليست على مستوى الأهمية التي كنا نراها في العرض الأول، أيام الرضا بالقليل!
وقد شاهدت مثلاً مسلسلاً لم يقدم منذ هذا العرض الأول، لكني عندما شاهدته أدركت لماذا توقفوا عن ذلك فهو عمل متواضع، وهو مسلسل «أديب» وهو من رواية لطه حسين، وعلمت مع عرض «ماسبيرو زمان»، لماذا لم يكن أبطال العمل نور الشريف، وصلاح السعدني، يذكرونه عندما يعددون أعمالهم في المقابلات التلفزيونية!
بيد أنه كان استكمالاً لقصة طه حسين «الأيام» التي كانت مقررة علينا في سنة دراسية متقدمة، ولا تخرج من الراوئية والمسلسل، حتى يستقر في وجدانك أن ثقافتك لن تكتمل إلا بزيارة باريس، بلد الجن والملائكة، ثم تبخرت مثل هذه التصورات، وظلت الأيام قصة ملهمة لمن يقدمون على كتابة مذكراتهم، وظل المسلسل يربطنا بزمن البراءة، عندما كان الموعد اليومي للمسلسل التلفزيوني مقدساً!
وتعيد «ماسبيرو زمان» عرض بعض هذه الأعمال، والبرامج القديمة، فتمثل بالنسبة لنا مكان الراحة، لكن النظام الذي تهجم على المقابر التاريخية واستباحها، لم يكن يمكن أن يترك «ماسبيرو زمان» على حالها، فعندما عدت اليها بعد انقطاع، وجدت ما نكد علي، فقد امتدت اليها البيادة، فشملها ما شمل غيرها من القنوات!
منذ فترة طويلة يوضع على أعلى الشاشات المصرية «لوغو» موحد، هو «الجمهورية الجديدة»، وظلت «ماسبيرو زمان» استثناء لأنها بالاسم والمحتوى تنتمي إلى «زمان» وليس لقادم الأيام، لكن المأساة أنهم أوقفوا هذا الاستثناء، ووضع «اللوغو»، ولا نعرف مبرراً لذلك، غير أن القوم سمعوا عن شعبية القناة، فذهبوا اليها بدعاياتهم الفجة، الخالية من المضمون!
فبأي جمهورية جديدة يبشرون، في بلد صار شعار أغلبيته: «ولا يوم من أيامك يا مبارك»، وقد جعل العهد مشكلته مع حكم الإخوان، فهرب الناس إلى زمن مبارك، الأمر الذي خلق شعبية لنجليه، تخيف السلطة الحالية، وتؤهل أحدهما لكي يكون بديلاً محتملاً.
علقوا شارات «الجمهورية الجديدة» على بيوتكم، ولكن أرفعوها من «ماسبيرو زمان»، فهل هي الخلطة السحرية التي بين «الجديدة» و»زمان»؟!
قرأ الإمام «فخر السقف من تحتهم»، فرده أحد المصلين: «من فوقهم»، وبعد الصلاة قال الإمام إنه لم يكن يحفظ الآية جيداً، فرد عليه المأموم: إذا لم تكن حافظاً هندس! فكيف تجتمع «الجمهورية الجديدة» مع «ماسبيرو زمان»؟!
أرض جو:
نعلم ويعلمون أن «محمد علي الحسيني» ضيف قناة «العربية» شيعي، فلماذا لم يشمله هجوم الذين جعلوا من التشيع موضوعهم، لأن إيران وحزب الله والحوثيين انحازوا للمقاومة، ويقفون على ثغرة من ثغورها؟ ألا ترى أنها الحرب والرأي والمكيدة؟!
صحافي من مصر