أكد أمين عام حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي في تونس فوزي الشرفي لـ«القدس العربي» أن تونس لا تزال تعيش وضعا متأزما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ودعا إلى انفتاح السلطة الراهنة على الآراء الأخرى مشددا على أن التعددية ضرورية في إطار احترام القانون والسلم الاجتماعي وفي إطار تجميع التونسيين وليس في سياق خطابات تفرّقهم وتشنجهم. كما أكد أن الحزب لا يشكك في نتيجة الانتخابات الرئاسية الحاصلة وانما يعتبر أنها لم تجر في سياق ظروف تتماشى مع المعايير العادية والمعمول بها دوليا في كل البلدان الديمقراطية. وحذّر الشرفي من أن عزوف الشباب عن الانتخاب وعن العمل السياسي والشأن العام في البلاد هو مؤشر يثير القلق وله تداعيات سلبية قد تدفع الشباب للهجرة أو التطرف وفق قوله. كما تطرق في هذا الحوار إلى مختلف الإشكاليات التي تمرّ بها البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ويشار إلى أن حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، هو امتداد لحركة التجديد التي واكبت أهم المحطات في تونس. وتأسس الحزب بعد الثورة في أول نيسان/أبريل 2012 بعد اندماج حركة التجديد التونسي وهو حزب يساري عقلاني قام بنضالات عديدة زمن بن علي وحمل لواء الدفاع عن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والجبائية وشعاره «مواطنون أحرار في مجتمع عادل» ويركز على النواحي الاجتماعية والاقتصادية. وحزب المسار قام بتجميع القوى الديمقراطية التقديمة الاجتماعية بعد الثورة مع شق من حزب العمل التونسي إضافة لعدد من الناشطين المستقلين في القطب الديمقراطي الحداثي. وفي 29 كانون الثاني/يناير 2013 أعلن المسار عن انضوائه تحت تحالف الاتحاد من أجل تونس الذي يضم أيضا نداء تونس والحزب الجمهوري وحزب العمل الوطني الديمقراطي والحزب الاشتراكي.
وفي سنة 2019 انتخب الطبيب الجراح د. فوزي الشرفي أمينا عاما له. والشرفي كان قد انخرط في العمل النقابي ضمن نقابة الأطباء في أعضاء هيئة الانتقال الديمقراطي لتحقيق أهداف الثورة والتي وضعت عديد القوانين التي لا يزال معمولا بها حتى اليوم. وبعد الانتكاسة التي وقعت لكل القطب الديمقراطي والعائلة التقديمة بعد انتخابات المجلس التأسيسي، انخرط الشرفي في العمل السياسي في إطار تجميع القوى التقدمية الاجتماعية اليسارية. وفي ما يأتي نص الحوار.
○ كيف تقيم الوضع السياسي في تونس اليوم بعد الانتخابات الرئاسية؟
• نرى أن الوضع السياسي لا يزال متأزما في البلاد، فهناك أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية. وقد اعتبرنا في حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي أن هذه المحطة الانتخابية هامة خاصة لكون الدستور الجديد لعام 2022 كرّس نفوذا واسعا للسلطة التنفيذية ولرئيس الجمهورية. وتوقعنا أن تكون المرحلة الانتخابية فرصة للقيام بعملية تبادل آراء ونقاشات حول البرامج وطرح أفكار مختلفة في سياق حياة ديمقراطية يتم خلالها التنافس منافسة سلمية ديمقراطية لمصلحة الشعب التونسي. ويتم تشارك الرؤى لإيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي ما تزال قائمة وزادت تأزما في السنوات الماضية والتي من أجلها قامت ثورة الحرية والكرامة في عام 2011 إلا أن الظروف التي وقعت فيها هذه الانتخابات لم تكن ملائمة لإجراء هذه النقاشات التعددية في مناخ حرّ ومنفتح وهادئ، ومناخ تتفوق فيه النقاشات والروح الديمقراطية على كل مناخ التشدد والخوف والإقصاء الذي وقعت في الانتخابات.
لقد رأينا أن عديد المعارضين سجنوا لأنهم عبروا عن رغبتهم في الترشح وخوض غمار الانتخابات الرئاسية، ووقعت العديد من التجاوزات القانونية والأخلاقية في هذه الانتخابات التي لا تجعل المناخ يضمن حسب رأينا، انتخابات حرة نزيهة وشفافة. نحن لا نشكك في نتيجة الانتخابات بحد ذاتها ولكننا نعتبر أنها لم تستجب للمعايير العادية والمعمول بها في كل البلدان التي توجد فيها ديمقراطية راسخة منذ عقود.
○ كيف تفسرون عزوف 70 في المئة من الناخبين المسجلين وخاصة عزوف الشباب؟
• صحيح أن نسبة العزوف هامة خاصة في انتخابات رئاسية يكون الاختيار فيها على الأشخاص والبرامج والأفكار. فبالنظر إلى النفوذ الذي توفره صلاحيات رئيس الجمهورية في دستور تموز/يوليو 2022 كنا نتوقع أن تكون نسبة المشاركة أكبر. ولكن النسبة لم تتجاوز الـ 30 في المئة وهذا يدل على عزوف من الناخبين.
وفي الحقيقة فإن هناك أسبابا عديدة لهذا العزوف منها أن عموم الشعب منشغل بمشكلات الحياة اليومية مثل غلاء المعيشة وصعوبات تلقي كل خدمات القطاع العمومي والقطاعات الحيوية من صحة وتعليم ونقل وأدوية وغيرها. فالمواطنون منشغلون بنقص المواد الغذائية الأساسية مع نسبة بطالة كبيرة جعلت المشاغل اليومية أقوى من أي اهتمام بالحياة السياسية. ويبدو أن هذه الشرائح لم تشعر بأن هذه المحطة الانتخابية تزيد اهتمامهم بالحياة السياسية في إطار منفتح ديمقراطيا.
علاوة على ذلك، نرى أن الانتخابات التي وقعت كانت السلطة القائمة تعتبرها شكلية ومبايعة للمرشح المنتهية ولايته. فالغالب أنها مبايعة أكثر منها سباقا وتنافسا حرّا ونزيها بين كل الأفكار لطرح برامج وتصورات مختلفة، وهذا نتيجة الإنفراد بالسلطة والنفوذ وهو ما نددنا به منذ أيلول/سبتمبر 2022 وكنا أيضا قد طالبنا بأكثر تشاركية في الحياة العامة والسياسية مع كل الأطراف. فالحياة السياسية تهمّ كل التونسيين ولا تهم فقط جزءا منهم، ورئيس الجمهورية عندما وقع انتخابه بات رئيسا لكل التونسيين وليس فقط للتونسيين الذين صوتوا له وبذلك عليه أن يخرج من جبّة الذين صوتوا له ونسبتهم 30 في المئة من عموم الناخبين.
○ وفيما يتعلق بعزوف الشباب خاصة عن الانتخابات وعن الحياة السياسية فما الأسباب والتداعيات برأيكم؟
• ان عزوف الشباب مرتبط بمشاكل عدة في التعليم والبطالة وفي خلق أمل وإيمان بمشروع يجعل الشباب يتمسك بالبقاء في تونس. فالشباب ابتعد عن الحياة السياسية نتيجة كل ما نعيشه من ضرب للأحزاب السياسية ومن تقزيم لدور الأحزاب وتقزيم لدور المجتمع المدني من جمعيات ونقابات ومنظمات وطنية، كل ذلك تمّ في إطار مشروع واحد ووحيد. ونعتبر أن التعددية ضرورية والنقاش ضروري وتبادل الآراء ضروري في إطار احترام القانون والسلم الاجتماعي، وفي إطار تجميع التونسيين وليس في سياق خطابات تفرّقهم وتشنجهم، ولذلك يجب أن يتصالح التونسيون مع العمل السياسي ويعتبرونه درجة رقي لانجاز الديمقراطية فعليا.
فالديمقراطية ليست انتخابات فقط بل هي عقلية وفكر وهي عمل ونقاش مستمرين، ولذلك نعتقد أن عزوف الشباب عن الانتخاب هو مؤشر يثير القلق كثيرا. فهذا العزوف عن العمل السياسي وعن الشأن العام يدفعهم للهجرة أو التطرف وإلى أشياء أخرى لا تحمد عقباها.
○ كيف تنظر للوضع الاقتصادي من خلال مشروع قانون المالية الجديد لعام 2025؟
• لا نستطيع التحدث عن قانون مالية بقدر ما يمكن الحديث عن قانون محاسباتي، أو قانون جبائي يتضمن إجراءات جبائية بحتة. عادة يحمل قانون المالية الجانب المالي والنقدي ويحمل كذلك رؤية وتصورا للإنجازات التي ستقع في البلاد للسنة المقبلة والتي تقررها السلطة الموجودة وتجسمها في إطار مشاريع ومداخيل ومصاريف في سياق إنجازها لرؤية معينة. ولكن لم نجد أية رؤية في هذا القانون بل نرى جانبا جبائيا بحتا.
إننا ندرك أن نسبة التداين كبيرة ونسب البطالة والتضخم ارتفعت، وهي مؤشرات اقتصادية سلبية ولا تجعل الفرد يتفاءل بالخروج من الأزمة بسرعة بقوة الإنتاج. ولا يمكن خلق الثروة من غير خلق النمو وليس هناك نموا من غير استثمار وليس هناك استثمارا من دون ثقة، وهذا يربط العلاقة بين المناخ الاقتصادي والسياسي. وقانون المالية الجديد هو أقرب لكل قوانين المالية السابقة التي لدينا مؤاخذات عليها كمعارضة بسبب غياب رؤية شاملة ومنسجمة لمشاريع ولإنجازات كبرى في الاقتصاد.
واليوم رأينا كيف ان هذا القانون ينتصر للإجراءات الجبائية ويثقلها على كاهل القطاعات المعروفة والمعرّف بها لدى الإدارة الجبائية من خدمات وشركات وكل القطاعات التي تنجز الثروة. وندرك أن جزءا هاما من الاقتصاد التونسي يدخل في سياق الاقتصاد الموازي، لذلك يجب أن تكون هناك خطط لإدماجه في القطاع العام ليتم اقتطاع الضرائب منه، وهذا لم يقع وبالتالي لن تتحقق العدالة الجبائية بهذا الشكل.
نحن مع فكرة تكريس الانصاف الجبائي ولكن هذا لا يقع إلا بتوسيع الرقعة الجبائية لإدخال أكثر مداخيل من مهن صغرى وغائبة عن رادار الإدارة الجبائية ومؤسسات صغرى ليست مدمجة في العمل الاقتصادي، ويجب دمجها بحسابات بنكية وبمعرفات جبائية فتصرح بمداخليها لكي يتم دمجها بكل وضوح وشفافية في إطار الاقتصاد القومي. وهذه المشكلة ليست وليدة اليوم بل نلاحظها من الثورة وحتى اليوم، إذ لم نستطع ادماج القطاع الموازي وهذا يزيد من تعميق الفروقات.
فبلادنا ليست فقيرة بل غنية وفيها امكانيات كبيرة ولكن الدولة فاقدة للرؤية، والسلطة الحالية لا تسير في مشروع واضح وجلي للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية، وليس بالشركات الأهلية أو بالصلح الجزائي يتحقق ذلك. فهناك تداين كبير مع عجز في الميزانية، ووحده الوضوح والرؤية الواضحة يعيدان الثقة والازدهار الاقتصادي.
○ ما تقييمكم لوضع الحريات والحقوق في ظل المرسوم 54 مع الجدل الذي أثاره؟
• نحن في حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي نددنا بهذا المرسوم وطالبنا بأن يقع سحبه ويجب سحبه، لأنه يمثل ضربة قاضية للحقوق والحريات في بلدنا باعتباره يجعل المواطنين لا يستطيعون التعبير بحرية لانه تقع محاسبتهم على حرية الآراء والإبداع وهذا يضرب في الصميم الحريات الفردية والجماعية. ولسنا الوحيدين المعارضين لهذا المرسوم بل يوجد تيار كبير في المجتمع التونسي وتوجد شبكة حقوق وحريات ومنظمات مجتمعية تعارضه.
فهذا المرسوم قتل ما تبقى من روح الانتقال الديمقراطي في تونس المعطل منذ أربع سنوات، وحتى النواب الذين وقع انتخابهم على انتمائهم ومساندتهم للسلطة الحالية في تونس، طلب جزء مهم منهم تنقيح هذا المرسوم بطريقة تخفف من تشدده ومن ضربه للحريات. وهذا كله لم يقع لأن هناك إرادة للتفرد بالسلطة بضرب الحقوق والحريات في إطار مشروع وحيد.
لا تستطيع البلاد الديمقراطية أن توضع في قالب واحد بل يجب ضمان تشاركية وتعددية وهذا مفقود اليوم في بلادنا للأسف.
○ هل تتوقعون من خلال الحراك الذي تقوم به الأحزاب المعارضة أن يتم تعديل المرسم أو إلغاؤه في هذا السياق؟
• نحن نقوم بما تمليه علينا قناعاتنا إذ يجب إلغاء المرسوم، فكل سلطة يمكن ان تخطئ ولكن يجب أن تقرّ بأخطائها وتصححها. ويجب إلغاء الإجراءات التي قد تكون أخذت عن حسن نية في البداية ولكن عندما ترى السلطة ان الإجراءات عند تطبيقها تضرب الانتقال الديمقراطي والحقوق والحريات فيجب مراجعتها. وهنا نشير إلى أن الرئيس الحالي ترشح في سنة 2019 ونجح في انتخابات نزيهة شفافة تعددية حرة وهذا بفضل الانتقال الديمقراطي وأرواح الشهداء الذين سقطوا في عام 2011 وبفضل هبّة الحرية الموجودة في البلاد. ولا يجب عند الوصول إلى السلطة احتكارها وإغلاق أي نفس حرّ مهما كانت الأسباب.
اليوم من الضروري أن تنفتح السلطة وأن لا تخشى الآراء المعارضة بل يجب أن تسير بروح تشاركية وان تُشرك أكثر ما يمكن من المواطنين من دون الخشية من النقاشات وإبداء الرأي والرأي المخالف.
○ كيف ترى السياسة الأوروبية مع تونس فيما يتعلق بملف الهجرة؟
• إن ظاهرة الهجرة بكل أشكالها تمثل إشكالية كبيرة في تونس فهناك هجرة الأدمغة والكفاءات الذين كونتهم تونس وصرفت عليهم من المال العام. وهذه الأدمغة من الشباب والفئة الأكبر سنا لم تعد تجد في البلاد أية آفاق لمستقبلها في ظل الأزمات الحاصلة. وهذا مؤشر سلبي لأن تونس بحاجة الى كل الكفاءات. وهناك نوع آخر من الهجرة غير النظامية أيضا من قبل الشباب الذين يعانون من البطالة ونقص الفرص في بلدهم.
كما أن هناك هجرة الأفارقة جنوب الصحراء، وبلادنا تحولت إلى منطقة عبور للأخوة الأفارقة الذين يتوجهون إلى تونس كأرض عبور هربا من الحروب أو من التغيرات المناخية والجفاف وغيرها من الأسباب. وهنا تونس لا يجب أن تكون حارسة الحدود الجنوبية لأوروبا مقابل إعانات أو مساعدات، كما يجب على السلطة أن تكون أكثر صرامة في رقابتها على الحدود مع ليبيا والجزائر التي يتدفق منها المهاجرون نحو تونس.
نحن استقبلنا في عام 2011 أكثر من مليون ليبي لاجئ في الجنوب التونسي، وتجاوزنا ذلك بصفة سلسة وسلمية وتضامنية، بل أن تونس أعطت حينها درسا للعالم بروح التضامن الموجودة بين الشعوب المجاورة. ولكن تونس لا تستطيع أن تعطي للعالم أكثر من طاقاتها في خضم الظرف الصعب الذي تمرّ به. لذلك يجب أن تكون الدولة أكثر صرامة فيما يتعلق بالرقابة على الحدود.
وفيما يتعلق باللاجئين الأفارقة المتواجدين في بلادنا يجب أن تكون هناك رؤية مشتركة لحل الأزمة مع ضمان الحقوق الإنسانية باعتبار ان تونس منخرطة في منظومات حقوق الإنسان العالمية. ولكن حلّ هذا المشكل لا يكون على عاتق تونس بمفردها بل يجب ان تكون هناك برامج مشتركة مع أوروبا ونقاشات مع المنظمات الوطنية واللاجئين والجمعيات والمجتمع المدني الذي يمد اليد ويساعد. فتونس منطقة عبور ولا تستطيع ان تصبح أرض استيطان لكل هؤلاء المهاجرين ونحن ضد كل أنواع الاعتداءات عليهم وضد الميز العنصري على إخواننا الأفارقة من جنوب الصحراء.