بات رفع علم الجمهورية جنوب البلاد يمثل مشكلة مشوبة بمخاطر مصدرها الميليشيات المتواجدة هناك؛ فما بالك بالاحتفاء بذكرى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية.
صنعاء ـ «القدس العربي»: جاء بيان إشهار «التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية» في عدن، خاليا من أي عبارة واضحة الدلالة تُنبئ عن موقفه من الوحدة اليمنيّة، على الرغم من إعلانه الالتزام بالدستور والقوانين النافذة، والمرجعيات المتفق عليها، والعمل صوب دولة اتحادية؛ وهو إعلان ضمني، لكنه يبقى، في الأخير، موقفًا ضبابيًا، في ظل تجاهل الإعلان الصريح عن موقفه تجاه قضية وطنية جوهرية في اليمن في مرحلة غاية في التعقيد.
يأتي هذا بينما هناك قوى سياسية يمنية وحدوية ضمن هذا التكتل، وفي مقدمتها أكبر الأحزاب اليمنية الفاعلة في الساحة…فلماذا تجاهل التكتل الجديد إعلان موقف واضح من الوحدة اليمنية في بيان الإشهار؟
يعرف المتابع للشأن اليمني مدى التعقيد الذي بات مرتبطًا بالإشارة مجرد الإشارة للوحدة اليمنية، في أي خطاب سياسي في جنوب البلاد، بما فيها عدن، بل بات رفع علم الجمهورية هناك يمثل مشكلة مشوبة بمخاطر مصدرها الميليشيات هناك؛ ما بالك بالاحتفاء بذكرى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية. وهو أمر ربما يقف وراء تجاهل الإعلان الصريح عن موقف التكتل من الوحدة اليمنية، لكنه، بهذا العجز، يؤشر لخطورة المرحلة التي يمر بها اليمن؛ لاسيما وأن اسم اليمن هناك صار يغرق في بؤرة من التنكر الهوياتي، مقابل ما يتم الترويج له، بدعم إقليمي، تحت لافتة «دولة الجنوب العربي» وهو أمر لا يعفي الأحزاب، باعتبارها طلائع المجتمع، من دورها في حماية القيم، التي يقرّها الدستور والقوانين النافذة، وفي مقدمتها الوحدة اليمنيّة، حتى إشعار دستوري آخر يقره اليمنيون.
وشهدت عدن، الثلاثاء، إشهار تكتل سياسي جديد موال للحكومة المعترف بها دوليًا، ويتكون من 22 حزبًا ومكونًا سياسيا؛ وهو الإشهار الذي جاء بعد شهور من التشاور والتحضير، برعاية من المعهد الوطني الديمقراطي الأمريكي والوكالة الأمريكية للتنمية.
أثار إشهار هذا التكتل ردود فعل عديدة، بعضها مؤيد، وبعضها رافض، وبينهما منتقد. وآخر تلك المواقف الرافضة، ما صدر عن حلف قبائل شبوة ومؤتمر شبوة الشامل. ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي في مركز الدراسات والبحوث اليمني بصنعاء، عبد الكريم غانم، أن صدور هذا البيان، بكل ما يعتريه من «شحوب» يعد خطوة جريئة.
وقال لـ«القدس العربي»: «بالنظر إلى الظروف المحيطة بإعلان هذا التكتل، الذي يحرس مقر انعقاده مسلحو المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتبنى الانفصال، وفي ظل ما آلت إليه الدولة اليمنية بأحزابها السياسية، ومؤسساتها من ضعف، وما تركته من فراغ ملأته الجماعات المسلحة، التي حلت محل الدولة وسعت وتسعى لطمس وجود الأحزاب السياسية، بالنظر إلى كل هذه الاعتبارات وغيرها، تعد مجرد الإشارة إلى التمسك بمفهوم الدولة الاتحادية، وضرورة استناد أي حل سياسي للأزمة اليمنية إلى المرجعيات الثلاث، خطوة مقبولة من أحزاب ومكونات سياسية في حالة موت سريري، تحاول من خلال هذا الإشهار للتكتل الحفاظ على ذاتها، والتمسك ببقائها، قبل أن تجازف بالمطالبة الصريحة والواضحة بالتمسك بالوحدة، فصدور هذا البيان، بكل ما يعتريه من شحوب، يعد خطوة جريئة».
وأضاف: «والواقع ما كان لهذه الأحزاب السياسية، بما يعتريها من ضعف واستكانة، أن تُقدم على إشهار هذا التكتل في عدن، لولا أن هذه الخطوة حظيت بدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية والمعهد الديمقراطي الأمريكي، وتأييد السفير الأمريكي».
واستدرك: «والتصريح عن التمسك بالوحدة عبر بيان سياسي، بدون ممارسة عملية للوحدة في الواقع يظل فاقد المعنى، فأي حديث عن التمسك بالوحدة في منطقة يمنع فيها رفع علم دولة الوحدة، وتمنع فيها مؤسسات الدولة من الاحتفاء بذكرى الوحدة، وتمنع فيها الأحزاب السياسية من ممارسة أي نشاط حزبي أو سياسي، ولا تتمكن فيها قيادات الأحزاب من مزاولة أي مهام تحت مسمى الجمهورية اليمنية من دون موافقة مسبقة من القوى التي تسعى للانفصال».