ترسّخت، لعقود طويلة، مقولات في الفضاء الناطق بالعربية، تؤكد أن شعوب المنطقة لا تهتم بـ»الثقافة»، وهي بالتأكيد مفردة غامضة، إذ لا تعني أي تعريف أنثروبولوجي له مغزى للظواهر الثقافية، وإنما تشير ربما إلى المنتجات الثقافية «الرفيعة»، مثل الفلسفة؛ والمسرح والسينما الجادة، أو غير التجارية؛ والأدب الحقيقي؛ إلخ. من المفترض، وفق تلك المقولات، إن «العرب لا يقرأون»، أو لا يهتمون إلا بما هو مبتذل، وغيرها من أحكام القيمة، التي قد يكون أخذها بجديّة تضييعاً للوقت.
يمكن على الأقل التأكيد أن سكان معظم الدول الناطقة بالعربية مسيّسون جداً، ربما أكثر من سكان عدد من الدول الغربيّة، وذلك لأن السياسة مؤثّرة بشدة على حياتهم اليومية، وبشكل مدمّر وقاتل في بعض الأحيان، وبالتالي فليس لديهم ترف تجاهلها، أو الاتكال على السياسيين المحترفين والخبراء، كما قد يحدث في المجتمعات الأكثر استقراراً وازدهاراً، ولذلك فالجدل السياسي لا ينقطع بين أهالي المنطقة، متناولاً كل القضايا: الدين، الأمة، الهوية، النظام السياسي، التاريخ، الحريات الشخصية، الآخر، إلخ. هل الثقافة «الرفيعة» تهتم بأكثر من هذا؟ حتى الناقد الثقافي الأمريكي فريدرك جيمسون أكد أن أدبيات ما سمّاه «العالم الثالث»، لا يمكن أن تقوم على الفصل بين العام والخاص؛ السياسي والشعري، كما يحدث في «العالم الأول»، بسبب «الموقف المُحاصر» للعالمثالثيين، ما يجعل قولهم الثقافي والأدبي، بل مفاهيمهم عن الذات الفردية، مرتبطة دوماً بالأمة والقومية والجماعة والموقع من التاريخ. وبالتأكيد، لا يتهم أنصار «الثقافة الرفيعة» المحليون «الجمهورَ العربيَ» بعدم الاكتراث بـ»الثقاقة» بسبب تسيّسه المفرط، أو عدم فصله بين الشعري والسياسي، بل غالباً على العكس، يريدونه مسيّساً أكثر.
قد يكون المقصد هو أن سكان المنطقة لا يهتمون بـ»الأفكار العميقة»، وإنما يريدون استهلاك مقولات سطحية عن القضايا الكبرى، ينشرها رجال الدين، والعاملون في الثقافة الجماهيرية وصناعة الترفيه، ولذلك فإن نجوم التمثيل والغناء، وبعض الدعاة الدينيين، أشهر بكثير من الفلاسفة والروائيين والفنانين «الجادين». ولكن هل هذا يحدث فقط في الدول الناطقة بالعربية؟ «الثقافة الجماهيرية» هي، تعريفاً، جماهيرية، أي مُصاغة عبر آليات وأدوات ومؤسسات، تهدف لإنشاء مجال التلقي الواسع، وتعميم أفكار وقيم وثيمات معيّنة، وتكرارها، بشكل «آمن» أيديولوجياً وسياسياً وتجارياً. بعض الفلاسفة انتقد «الثقافة الجماهيرية»، وحذّر منها؛ وآخرون رأوا فيها إمكانيات واسعة يمكن استثمارها، ومفاهيم خصبة عن الحياة الحضرية المعاصرة، وربما ما يزال الجدل مستمراً حتى اليوم، ولكن، في كل الأحوال، فإن طغيان ذلك النوع من «الثقافة» ليس خاصيّة عربية.
فضلاً عن هذا وذاك، فإن كثيراً ممن يعتبرون أنفسهم «مثقفين»، أي أنصاراً للثقافة «العميقة» و»الرفيعة»، لا يأنفون من العمل في مؤسسات الثقافة الجماهيرية، أو حتى «البديلة»، المرتبطة بالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن القنوات التلفزيونية والجرائد اليومية، وحتى «البودكاست» وبرامج موقع «يوتيوب»، نراهم يظهرون، ويحاولون تقديم مساهماتهم. وبالتالي فربما الأجدى البحث عن أسباب أخرى لعدم جماهيرية «ثقافتهم». هل يعود ذلك لافتقادها لعناصر الجذب، الديني والجنسي والاجتماعي؟ أم لأنهم «منفصلون عن الجماهير»، حسب المقولة اليسارية العتيقة؟ كيف يمكن أن «يتصل» هؤلاء بذلك الكيان المُسمى بـ»الجماهير»؟
ثقافة الدرجة الثانية
الجماهير ليست بالتأكيد موجوداً بديهياً أو طبيعياً، كما أن افتراض وعي أو توجّه واحد لها يمكن التشكيك فيه بقوّة. ارتبط وجود «جماهير» معيّنة، هي السوق الأساسي للثقافة والترفيه، بعمليات سياسية وتاريخية معقّدة، مثل بناء الدول القومية، ومفاهيمها عن «الشعب» وهويته، وكذلك التمدين والتحديث. ومن ذلك التطوير الحضري للمدن؛ تنمية الأرياف؛ نشر التعليم الإلزامي؛ تشييد البنية التحتية لوسائل الإعلام والاتصال؛ سيطرة الدولة على الممارسة الدينية، وتوجيهها؛ وكذلك قوننة أعراف وشرائع دينية معيّنة في الدساتير والمدونات القانونية؛ وبالتأكيد السياسات الحيوية للدول، المرتبطة بمستوى الصحة والحياة والولادات والجنسانية والأخلاق العامة.
كل هذه العمليات تمّت في الدول الناطقة بالعربية، ربما بطريقة مختلفة عن الدول الغربية، وبدرجة كفاءة أقل، إلا أنها في النهاية أنتجت نمط التحديث العربي الذي نعرفه، وهكذا صار بالإمكان الحديث عن «جماهير»، تُنتج لها الثقافة؛ أما وحدتها المفترضة فقائمة على ما أسَّس الشعب وهويته، وأقصى كل الأفراد والفئات، التي لم تتسع لها تلك الهوية، أو لم تلتزم بها. رغم هذا فإن تعددية تلك الجماهير نفسها، لا يمكن إغفالها، خاصة في عصور الاضطرابات الاجتماعية والحروب، حين يبرز كل ما تم اقصاؤه أو استبعاده، وتصبح التعددية صراعاً واستقطاباً عنيفاً، بل ربما قاتلاً.
وإذا استثنيا هامشاً، يتسع باطراد، فلا نجد في «الثقافة الرفيعة» تشكيكاً جديّاً في العمليات والأيديولوجيات والروايات التاريخية التي أنتجت الجماهير، خاصة في ما يتعلّق بالدين والقضايا القومية، فحتى من يسمّون بـ»التنويريين»، يدّعون أنهم يريدون الدين المعتدل والصحيح، الذي أفسده التطرّف؛ أو يناصرون الوطنية الحقّة، التي حرّفتها أنظمة الاستبداد، وهكذا يعيدون تكريس مجال الأحادية الهوياتية، ولكن بشكل باهت جداً؛ وحتى نقدهم لا يخالف شرع المنظومات الأيديولوجية القائمة. إنه نقد «من الداخل» جداً، وبالتأكيد سيتفوّق عليهم المتطرفون الدينيون والقوميون، الأعلم بتلك المنظومات، والأكثر صدقاً واتساقاً في اتباعها. لماذا سيهتم الناس بمثقفين يبدون ذيليين للغاية، لما يفعله آخرون أكثر قوة وصراحة؟ أو بخطابات ومنتجات ثقافية تبدو منافقة، في توجهها الديني والأخلاقي خاصةً، وكأنها تحاول تمويه اختلافها عن «الجماهير»، بثرثرة طويلة عن «الاعتدال»؟ إنها ثقافة من الدرجة الثانية؛ و»نقد شرعي» إن صح التعبير، للظواهر المؤلمة التي يعايشها البشر، في مجتمعات شديدة القمع والاضطراب؛ وتكرار لا ينتهي لصيغ لا تقول شيئاً فعلياً، بل غالباً إنشائيات تبدو أكثر أخلاقية و»نظافة» من اللغة الفعلية، التي يعبّر بها الناس عن أوضاعهم ورغباتهم. كل هذا فاشل بالتأكيد.
ربما كانت تلك «الثقافة الرفيعة» من الدرجة الأولى في حقبة مشاريع التحديث القومية، خاصة في عصر ما بعد استقلال الدول الناطقة بالعربية. ولكن اليوم، ومع اضمحلال دول الاستقلال، ومشاريعها وثقافاتها، يبدو الإصرار على الدين والوطنية والهوية والثقافة الصحيحة لـ»الجماهير»، أشبه بنكتة سمجة، فيما تزداد فرص الخطابات الأكثر راديكالية، وطائفية، وانغلاقاً، وفوضوية. لقد انحلّت «الأمة»، وانفجر خزّانها الثقافي والأيديولوجي، ولم تعد المكابرة على ذلك مجدية.
مشكلة الهراء
يختلف الهراء عن الكذب، فالأخير يعني أن المتحدث به يعرف حقيقة ما، ولكن يحوّرها أو يخفيها؛ فيما الهراء لا يُعنى أصلاً بالمصداقية أو المعنى أو الدقة، ولا يحوي خبراً ومفهوماً يمكن تحليله أو التأكد منه أو قياسه، كما لا مرجعية له، أو إطاراً معيارياً يمكن العودة إليه. وربما لا يكون الكذب هو مشكلة معظم الخطابات العربية المعاصرة، وإنما الهراء. من جهة أخرى، لا يمكن إلغاء الهراء من اللغة والخطاب، لأنه يحوي كثيراً من الألعاب اللغوية، الضرورية في مجتمعات وثقافات وعلاقات البشر، فهو قد يكون نوعاً من المجاملة، أو التعاطف، أو الخيال، أو استثارة الانفعالات. أما تعيين الحدود، بين السياقات التي يكون فيها الهراء مقبولاً وضرورياً، وبين تحوّله إلى أمر شديد الضرر على تواصل البشر، فهو من أهم قضايا الحيز العام. وللأسف، ليس هناك حيز عام نشيط أو مترسخ في الفضاء الناطق بالعربية. بالعودة إلى «الثقافة الرفيعة»، التي لا تهتم بها «الجماهير»، فالأغلب أن عدم اعتناء تلك الثقافة بتعيين الحدود بين الإنشائيات، والطروحات التي تقول شيئاً فعلياً عمّا يعيشه البشر، يجعلها متخمة بالهراء، الذي لا يُحمّس، ولا يستثير، ولا يبني مجالاً للتعاطف. هنالك من لديهم هراء أكثر فعالية، وهؤلاء من يتسيّدون الساحة، في قطاعات كثيرة من المجتمعات الممزقة، التي تعيش فيها «الجماهير»، إضافة طبعاً لامتلاكهم القوة المادية والسلاح.
أنحتاج للتبسيط؟
هنالك أيضاً افتراض، بأن «المثقفين» يقولون أشياء معقدة وصعبة جداً، لا يفهمها الناس البسطاء، الذين يريدون ما هو سهل الفهم. إلا أن هذا الافتراض يتناقض مع وقائع عديدة، إذ لا ينجذب الناس بالضرورة لما هو مبسّط، بل أحياناً يستثيرهم الغامض والمركّب والعميق، ويكونون على استعداد لبذل كل جهدهم لفهمه، ما دام يتعلّق بأمور تعنيهم. والأمثلة على ذلك كثيرة، من الخطب الدينية، ذات الحمولة اللغوية والتاريخية والعقائدية الثقيلة؛ وحتى بعض الأغاني والأفلام المعاصرة، التي لا يبدو فهمها متاحاً بسهولة، ورغم ذلك تتمتّع بشعبية كبيرة، بل توجد منصات خاصة على الإنترنت، لشرحها وتوضيحها وتقديم التأويلات والافتراضات عنها، تحصد بدورها كثيراً من الزيارات والمشاهدات.
ليست المشكلة في التعقيد على الأغلب، بل في المحتوى والفحوى. وربما الأجدى أن يراجع أنصار «الثقافة الرفيعة» مضمون خطاباتهم ومنتجاتهم، ويتساءلوا بجديّة أكبر عن الأسباب التي تجعل الناس غير مستعدين لبذل أي جهد لفهمها. بعض الأسباب المقترحة مذكورٌ أعلاه، وقد يكون غير صحيح، وتوجد أسبابٌ أخرى أصح. ولكن في كل الأحوال، لا نملك ترف الاستمرار بتكرار الهراء غير المؤثّر.
كاتب سوري