تونس ـ «القدس العربي»: يحتضن قصر النجمة الزهراء بسيدي بوسعيد التونسية عروضا موسيقية كلاسيكية استثنائية من تلك التي تجذب هواة الموسيقى الراقية والباحثين عن ما يسر الحواس التواقة بطبعها إلى الجمال بمختلف معانيه السامية. فكان قصر النجمة الزهراء المكان المثالي لتجد هذه الحواس ضالتها بعد أن اتحد فيه جمال العرض مع جمال الفضاء مع المحيط الخارجي ليضفي سحرا خاصا واستثنائيا على هذه السهرة. وتأتي هذه السهرة ضمن برنامج من العروض الموسيقية يتم خلالها اختيار موسيقيين من الصف الأول من المبدعين الذين عرفوا بتقديم أرقى الموسيقى، وانتظرهم الجمهور بشغف كبير من أجل حفل رائع كان مسرحه قصر البارون ديرلنجيي الذي يسمى «النجمة الزهراء». ويحتضن هذا القصر مركز الموسيقى العربية والمتوسطية بتونس، ويقع في أعلى جبل سيدي بوسعيد أو كاب قرطاج ويطل على البحر المتوسطي من جهة خليج تونس في واحدة من أجمل الأماكن في العالم.
لقد تضمن برنامج هذه السهرة التي افتتحت شهر تشرين الثاني/نوفمبر حضور أعمال الكثير من الموسيقيين العالميين المتمرسين من القامات الكبيرة والمراجع في الموسيقى الكلاسيكية، على غرار ديبوسي ورافييل وشومان وشوبيرت وغيرهم. كما حضرت روائع غابرييل فوري صاحب رائعة «القداس» الشهيرة وهو ما جعل هذه السهرة تكريما ووفاء لأساطين الموسيقى الغربية الكلاسيكية، وملاذا للباحثين عن الفن الراقي بعيدا عن التلوث السمعي الذي تتسبب فيه الموسيقى الهابطة التي غزت المشهد.
إبداع تونسي
أما الموسيقيون الذين اجتمعوا في هذه السهرة وأبدعوا في عزف الأعمال الشهيرة لكبار الكلاسيكيين المذكورين، فتأتي في طليعتهم الفنانة التونسية نور الهدى قوبعة وكورال الشرف لبرنامج تونس 88 المرافق لها. وفي هذا الإطار تحدث أحدهم عن هذا العرض وعن نور الهدى قوبعة بالقول «في حضرة الموسيقى، تلتقي الأرواح على نغمة واحدة، وتنساب الأحلام في فضاءات من التأمل العميق. في ليلة من ليالي النجمة الزهراء العريقة، حيث الماضي يهمس للحاضر بأنغام خالدة نغوص مع كورال الشرف لبرنامج تونس 88 في عرض بقيادة المبدعة نور الهدى قوبعة حيث يعزف الحلم ويغني الحنين في سحر موسيقي يأخذنا إلى عوالم من الجمال والعمق في تجربة فنية فريدة تجمع بين الإبداع والإحساس في أرقى صوره».
لقد كانت مناسبة للإطلاع مباشرة على إبداع تونسي من صنع نور الهدى قوبعة التي كانت مهندسة معزوفة «قداس» الفنان الخالد غابرييل فوري. كما أن شباب الكورال الذي كان يرافقها في تونس 88 كانت له مناسبة أيضا ليثبت مجددا أنه على مستوى عال من الاحترافية في الأداء. ومن الحاضرين أيضا والقادمين من وراء البحار، عازف الكمان جيروم غيغي وعازفة البيانو الشهيرة إيرينا آسيبينكا، بالإضافة إلى عازف البيانو التونسي الحائز على الدكتوراه في الموسيقى من كبرى الجامعات الغربية ومن تونس بسام مقني. وقد أثث هؤلاء جميعا، وتحت عنوان «الأحلام الحزينة» هذا الحفل من خلال كل ماهو جميل في عالم الانتظارات الرومانسية وفي عالم موسيقى الذوق الراقي التي لها روادها وعشاقها ومريدوها ممن لا يتخلفون عن قداسها وفي حضرة رهبانها.
حلة جديدة
إن السياسة الجديدة للاختيارات الموسيقية لمركز الموسيقى العربية والمتوسطية النجمة الزهراء تستحق التحية بإجماع أغلب المتابعين للشأن الثقافي في تونس. حيث فتح هذا المركز أبوابه الزرقاء الجميلة التي تميز سيدي بوسعيد، إلى المبادرات الموسيقية والثقافية الراقية وإلى المبتكرين والمجددين في التراث. ومن المؤكد أن هذا الاستقبال والاحتضان لهؤلاء المبدعين، سيزيد من إشعاع المركز ومن حضور هذا القصر التاريخي الجميل الذي يحتضن المركز في المشهد الثقافي، ليس فقط في تونس بل أيضا خارجها.
والملاحظ أن قصر النجمة الزهراء، ومن ناحية الشكل، خرج لزواره في حلة جديدة بهية وذلك بمناسبة هذا الحفل، وهناك جهود تبذل للمحافظة عليه يستشعرها الزائر خصوصا فيما يتعلق بالحدائق التي تحيط بهذا القصر المنيف المندمج معماريا مع محيطه في سيدي بوسعيد سواء من حيث الألوان الزرقاء والبيضاء أو من حيث الطراز المعماري التونسي التقليدي. كما أن اللافتات تم تجديدها وبات بالامكان التنقل بسلاسة داخل القصر وبين مختلف مكوناته خاصة وقد تم وضع برنامج ثري سيمكن من استغلال هذا الفضاء الجميل أفضل استغلال في مختلف النشاطات ذات الطابع الثقافي والعلمي والأكاديمي، ولن يقتصر الأمر على العروض الموسيقية.
إن هذا العرض الموسيقي باختصار هو مناسبة جميلة لاكتشاف الحلة الجديدة للنجمة الزهراء مع الاستمتاع بعرض استثنائي للموسيقى الكلاسيكية الغربية الراقية من الصنف الأول في قصر تميز بطابعه المعماري الأصيل الذي أبهر كل من زاره وتجول في رحابه خاصة في حلته الجديدة.
ولعل اختيار المنظمين للنجمة الزهراء ساهم بقسط كبير في نجاح الحفل إذ لا يوجد حسب البعض، مكان أفضل من النجمة الزهراء لمثل هكذا عروض فنية ونخبوية.
نحو العالمية
ترى الكاتبة الصحافية التونسية المتخصصة في الشأن الثقافي لمياء الشريف في حديثها لـ«القدس العربي» أن اختيار مواقع سياحية عالمية تتمتع بالمصداقية في المجال السياحي ومن خلال معايير تم تحديدها سلفا، لسيدي بوسعيد كثالث أجمل بلدة صغيرة في العالم، يجعل منها درة تونس بامتياز. ويعتبر قصر النجمة الزهراء، حسب محدثتنا، أحد المعالم التي تزيد من القيمة الاعتبارية لهذه البلدة التاريخية التي شيدت على رأس قرطاج أو كاب قرطاج.
وتضيف محدثتنا قائلة: «إن ختيار سيدي بوسعيد وعلى النجمة الزهراء لاحتضان هذا الحفل الموسيقي الكلاسيكي الرائع كان صائبا خاصة وأن الأمر يتعلق أيضا بمركز للموسيقى العربية والمتوسطية. وقد أبرز الفنانون التونسيون المشاركون في هذا الحفل أنهم بارعون في كل الألوان الموسيقية بما في ذلك الكلاسيكية الغربية بالنظر إلى الجهود التي تبذلها مؤسسات التعليم العالي في المجال الموسيقي.
إن ما قدمته نور الهدى قوبعة يشرف كل فنان تونسي، فليس من السهل التعامل فنيا، وبكل تلك البراعة، مع قداس غابرييل فوري ومع غيرها من النغمات الخالدة في الموسيقى الكلاسيكية الغربية. بالتالي فهي تثبت مع كل حفل موسيقي أو مناسبة ثقافية علو كعبها وقدرتها على الذهاب إلى العالمية ونحت مسيرة فنية متميزة وترك موروث هام للأجيال القادمة. وينطبق الأمر ذاته على بسام مقني الأكاديمي اللامع في مجاله وعازف البيانو الذي ينحت مسيرة متميزة وبخطى ثابتة ومدروسة في صمت ومن دون ضجة إعلامية وأثبت خلال الحفل أنه لا مفر للفنان من التكوين الأكاديمي الذي له فيه باع».