يجمع الأديب المغربي محمد برادة ما تفرق في غيره ، فهو السارد بامتياز في فن القصة والرواية، وهو أحد الأسماء الأكاديمية المؤسسة للدرس الأكاديمي الأدبي الحديث، كذلك هو أحد المترجمين المقربين المرموقين للمفاهيم، التي كانت مرتكزا أساسيا فضلا عن كونه مقتدرا، أغنى المكتبة المغربية والعربية نقدا وترجمة، بالإضافة لكونه أحد أقطاب الصحافة الأدبية المتميزة، مديرا لمجلة «آفاق» ولمجلة «القصة والمسرح» مع الراحلين عبد الجبار السحيمي ومحمد العربي المساري، وأحد أعمدة اتحاد كتاب المغرب في فترته الذهبية.
في عدد كبير من المدن المغربية أقيم في وقت واحد يوم دراسي، تعرض لمنجزات محمد برادة كأستاذ جامعي، تخرجت من تحت جبته أجيال متعاقبة من الباحثين، سواء من تتلمذ عنده مباشرة، أو من ارتوى من معين عامه الغزير من مضان مختلفة.
إن مبادرة مختبر السرديات، تعد إحدى المبادرات المهمة، وهي تكرس أدب الاعتراف لذوي الفضل من جهة، ومن جهة أخرى عملت على تكريم فعالية كبرى قيد الحياة وقد جرت العادة إهمال المبدعين والكفاءات الكبرى، ولا يتم الانتباه إليهم إلا عند مرضهم أو رحيلهم عن دنيانا.
محمد برادة رأى النور في مدينة الرباط 1938، درس فيها، سافر سفر مغامرة إلى القاهرة لمواصلة دراسته مع مجموعة من أترابه نذكر من بينهم، إبراهيم السولامي وعلي أومليل، حصل هناك على الإجازة في الأدب في مطلع الستينيات، ونال سنة 1962 شهادة الدراسات المعمقة في الفلسفة في جامعة محمد الخامس في الرباط. عمل أستاذا محاضرا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس. تولى إدارة القسم الثقافي في الإذاعة المغربية، شغل منصب رئيس اتحاد كتاب المغرب لثلات مرات من سنة 1976 إلى سنة 1983، من أبرز أعماله البكر «محمد مندور وتنظير النقد العربي» كتاب مشترك، «فرانز فانون أو معركة الشعوب المتخلفة» مع محمد زنيبر ومولود معمري، «لعبة الطفولة والحلم» قراءة في ذاكرة القصة المغربية، «لعبة النسيان» رواية، «الضوء الهارب» رواية، «مثل صيف لن يتكرر» محكيات، «امرأة النسيان» رواية، «موت مختلف» رواية، «حيوات متجاورة» رواية، «رسائل من امرأة مختفية»، «بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات».
وفي مجال الترجمة له «من المنغلق إلى المنفتح» محمد عزيز لحبابي، الرواية المغربية» عبد الكبير الخطيبي، «حديث الجمل» الطاهر بنجلون، «في الكتابة والتجربة» عبد الكريم الخطيبي، «ديوان الخط العربي» بالاشتراك مع محمد السجلماسي، «الدرجة الصفر في الكتابة»، «قصائد تحت الكمامة» شعر عبد اللطيف اللعبي»، «الخطاب الروائي» ميخائيل باختين. وفي القصة القصيرة مجموعته «سلخ الجلد» و»هل أنا ابنك يا أبي؟».
ومن الجوائز الكثيرة التي حصل عليها نذكر «جائزة المغرب للكتاب صنف الدراسات الأدبية عن كتابه النقدي «فضاءات روائية»، «جائزة فاس المتوسطي للكتاب، «جائزة «كاترا» عن رواية «موت مختلف».
راكم محمد برادة على مدى ستة عقود منجزات أدبية وعلمية ذات قيمة رفيعة ما جعل البعض يسميه «المعلم الكبير». يرى محمد برادة أن النص الأدبي منتج للمعرفة ولا يمكن أن تقاس بالمعارف الأكاديمية المضبوطة، والنص الروائي يجمع بين المعرفة والمتعة، والرواية أحدث مظاهر الذات العربية، فهي تكتب الذات عبر السيرة والتخييل، وتتساءل عن المجتمع والتاريخ روائيا. ولعل الكتابة الروائية كانت أقرب الأشكال التعبيرية إلى نفسية المبدع محمد برادة، وقد وجد فيها معبرا لرؤية العالمين الداخلي والخارجي مما تمنحه من فسحة التخيل والتذكر والقول، فقد تجاوز الخطابات المتخشبة المغرقة في الأيديولوجيات الثورية الحالمة، التي مزقت ستائرها هزيمة 1967 التي كانت كاشفا وحدا فاصلا بين مرحلتين، فمن أضغاث أحلام القومجية والخطابات المنبرية الرومانسية إلى يقظة الحاجة إلى صحوة خطاب مختلف ينهض من جراحات الذات الكسيرة. لا مندوحة من أن التاريخ يضيء الحاضر، وهناك نصوص روائية تستدعي التاريخ لمراجعة ملابسات الحاضر من أجل تجلية أسراره وخفاياه، فقراءة الواقع قراءة مركبة بين ما مضى وانعكاساته، وضوء حرقة أسئلة الراهن ومتطلباته، فالصوغ الروائي يأتي لإعادة البناء والتركيب. تبقى الرواية أكثر الأجناس الأدبية نفاذا إلى الرقعة الواسعة من القراء، فقد شغلت الأديب محمد برادة أسئلة العولمة التي توهمت إزالة الحدود والفوارق الجغرافية، وادعت أن العالم قرية واحدة وبرزت معها مسألة الهوايات المتعددة، وكذا مروقات التطرف والإرهاب، وتلبيس الواقع ومجرياته بجبات وعمامات الدين. الخطاب الروائي شأنه شأن مبضع الجراح، يعالج وينتقد باطنا وتورية، وليس خطابا مواليا مطبلا ومزمرا للسلطة الحاكمة، أمسى أداة للتنفيس عن الذات الجماعية، وتصاعدا من الشاغل الفردي إلى الشاغل الجماعي، مواكبا للخيبات والإحباطات التي يتخبط في الإنسان العربي، من خلال غياب المناخات السليمة، التي تضمن الحرية والديمقراطية والكرامة وحقوق الإنسان.
الكل يجمع على الفكر التنويري والتقدمي والحداثي للرائد محمد برادة، الذي لا يخلو من فعل المقاومة وأثر صنيعه الفعال على الدارسين الباحثين، فقد وصم وبصم مرحلة أساسية في تاريخ مغربنا الحديث، ويعكس مجمل مساره عن دور المثقف الملتزم بقضايا شعبه المصيرية وأسئلته الكبرى، فالصراع الأساسي صراع ثقافي وقد جعل محمد برادة الثقافة مضمارا للنضال الثقافي وهو كأستاذ مؤطر، نموذج راقٍ للطلبة الباحثين، قيادي حكيم في الواجهة وقد تولى مسؤولية تسيير منظمة اتحاد كتاب المغرب في فترة زاهية من تاريخ هذه المنظمة العتيد، كما أنه ساهم بقسط وافر في إرساء الدرس الجامعي المتطور الحديث على أسس علمية متينة.
كاتب مغربي