شهادة عن جزيرة جربة التونسية: معرض فني متنقل يعرف بتراث الجزيرة الخلابة المسجل في اليونسكو

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تم في تونس العاصمة افتتاح معرض ضخم يسلط الضوء على التراث الغني لجزيرة الأحلام، جربة التونسية، وذلك من خلال عرض مواقعها الواحد والثلاثين المدرجة ضمن التراث العالمي لليونسكو. وسيتنقل هذا المعرض إلى جزيرة جربة نفسها وإلى مناطق داخل وخارج الجمهورية ليتم التعريف أكثر بهذه المواقع التي أدرجت سنة 2023 ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. ويجمع هذا المعرض الذي يحمل عنوان «جربة تيموانياج» أو «شهادة عن جربة» المصور البلجيكي أكسيل ديريكس والأكاديمية الفرنسية فيرجيني بريفوست. وتنعت جربة بأنها جزيرة الأحلام التي ألقت فيها أمواج البحر أوليس الإغريقي أو أوديسيوس وذلك بعد حرب طروادة، ووجد الأخير فيها عرائس البحر واضطر لربط نفسه في صاري السفينة وإلى وضع الشمع في اذان جنوده حتى لا يفتنوا بعزف عرائس البحر وجمال أصواتهن. وفي الحقيقة هو تعبير مجازي عن جمال جربة وسحرها الذي يجعل زائرها لا يفكر في العودة إلى موطنه عند زيارتها، ففيها شواطئ استثنائية ونشاط فلاحي لافت وآثار وصناعات تقليدية وتراث لا مادي رهيب لفت إليها الأنظار على مر الحقب التاريخية.

الموقع التاسع

للإشارة فإن جزيرة جربة أدرجت على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو» لتضاف إلى قائمة 8 مواقع مصنفة تراثا عالميا في تونس. وقد تم القبول النهائي لملف إدراج الجزيرة على لائحة اليونسكو خلال اجتماعات الدورة الـ 45 الموسعة للجنة التراث العالمي التي انعقدت بالمملكة العربية السعودية في العاشر من أيلول/سبتمبر 2023.
وأضيفت جربة إلى قائمة الثمانية مواقع التونسية التي تضم المسرح الأثري بالجم أو قصر الجم والموقع الأثري بقرطاج، ومدن تونس العتيقة والقيروان وسوسة، ومدينة كركوان الأثرية القرطاجية، ومدينة دقة الأثرية. وتقع جربة جنوب شرقي تونس وتبلغ مساحتها نحو 500 كيلومتر مربع، ويناهز عدد سكانها 160 ألف نسمة أو يزيدون وتستقطب سياحا من جميع أنحاء العالم وتصنف على أنها الوجهة السياحية الأولى في تونس.

طريق اليونسكو

تم تصميم هذا المعرض في إطار مشروع «طريق اليونسكو» الذي أطلقته الحكومة التونسية ممثلة بوزارة السياحة والصناعات التقليدية وبدعم من الاتحاد الأوروبي من خلال برنامج تونس وجهتنا. وهو أيضا من ثمار التعاون بين أطراف من المجتمع المدني التونسي في جربة، والمجتمع المدني الألماني المهتم بتثمين تراث هذه الجزيرة المتوسطية الخلابة.
إن هذا المعرض باختصار هو خطوة جديدة في إطار الالتزام بالحفاظ على جربة وتراثها الاستثنائي وتعزيزه، في مقاربة تهدف إلى الاحتفال بالقيم العالمية الاستثنائية للجزيرة وإدامتها. وتدعم مؤسسة جربة للتنمية المستدامة المعرض وقامت بتوظيفه كما يجب لأغراض الترويج الثقافي والسياحي لجزيرة جربة.

نموذج فريد

إن إدراج جزيرة جربة كموقع للتراث العالمي الإنساني دليل على وجود نموذج فريد للحياة في الجزيرة جمع بين التنوع الثقافي والتكيف المتناغم مع التحديات البيئية والطبيعية. فجربة هي مثال مصغر للتنوع في هذا العالم الفسيح والرحب وهي التي نشأ فيها نظام اجتماعي واقتصادي فريد تطور بين القرنين التاسع والثامن عشر قائم على علاقة تكافلية بين المجموعات ذات الأصول الثقافية والطائفية المتنوعة – الأمازيغ، العرب، الإباضيين، السنة المالكيين، وأهل الديانات السماوية الأخرى الذين تعايشوا بسلام في الجزيرة.
لقد شكلت كل هذه الطوائف في جربة نظام حياة يتكيف مع التحديات الطبيعية للجزيرة، ولا سيما نقص المياه الذي وجد له أهل جربة منذ القديم حلولا جعلت جزيرتهم قابلة للحياة من حيث توفر مياه الشرب ومياه سقي المنتوجات الفلاحية. مع الإشارة أن الدولة التونسية أنشأت أيضا في السنوات الأخيرة محطة لتحلية مياه البحر بالجزيرة لو توفرت في الماضي ما كان أهالي جربة ليتحفزوا لابتداع طرق تقليدية لتخزين المياه أنتجتها عبقرية فذة لسكانها.

مزيج عجيب

ويشار إلى أن نمط الحياة في جربة، والذي تعرض له المعرض، ليس حضريًا ولا ريفيًا بالكامل. فالجزيرة مزيج عجيب واستثنائي يجمع بين مناطق الاستيطان الريفية حيث الإنتاج الفلاحي وانتشار أشجار الزياتين على وجه الخصوص، وبين المناطق الحضرية التي تشمل المدن والأحياء السكنية والمراكز التجارية والمناطق السياحية التي تضم أماكن الترفيه والمنتجعات والفنادق الفخمة.
ويرتكز هذا النموذج الفريد للتنظيم الاجتماعي في الجزيرة الخلابة على علاقات التكامل الاقتصادي بين أحياء الجزيرة المتفرقة، وبين دور العبادة، ما يشكل نسيجا اجتماعيا وروحيا متكاملا لا ينفصل عن هوية جربة التي لفتت أنظار العالم بتميزها.

دواع أمنية

وتشهد الهندسة المعمارية للمواقع المسجلة في اليونسكو أيضًا على تطور المنطقة، ففيها تأثر بمتطلبات الأمن والاكتفاء الذاتي لسكان الجزيرة. فالإنشاءات مثل «الحوش» (المساكن المحصنة) والمساجد الدفاعية، التي غالبًا ما يتم بناؤها بأشكال مدمجة وشرفات ذات فتحات، تذكرنا بالتحديات الأمنية التي واجهتها الجزيرة في الماضي. وتشكل مساجد الساحل في جربة خط دفاع متقدم صد من خلالها سكان الجزيرة غزاتهم، بينما تلعب المساجد المحصنة في الداخل دور الملجأ التي يتحصن به غير المقاتلين من النساء والأطفال والعجز.
إنها بحق مبادرة ثقافية رائدة تمكن المجتمع المدني الرائد في إدارة الجزيرة والترويج لها، من حشد المهتمين بتراث جربة من السكان المحليين ومن الأجانب لرفع مستوى الوعي العام للحفاظ على التراث وتشجيع السياحة المستدامة. وتعكس هذه المبادرة، بالتعاون مع مؤسسة جربة للتنمية المستدامة، الرغبة المشتركة في حماية الهوية الثقافية للجزيرة مع التكيف مع التطورات المعاصرة.

بين الجمالية والذاكرة

تقول الكاتبة الصحافية التونسية المختصة في الشأن الثقافي منى بن قمرة في حديثها لـ«القدس العربي» بأن هذا المعرض هو ثمرة التعاون بين المصور أكسيل ديريكس والمؤرخة المتخصصة في التراث فيرجيني بريفوست. وتؤكد على أن أكسل ديريكس يقدم منظوراً فنياً من خلال سلسلة من الصور الفوتوغرافية التي تلتقط روح المواقع التراثية، بينما تثري فيرجيني بريفوست المعرض بالمحتوى التاريخي والثقافي، ما يوفر للزوار الانغماس البصري والفكري في التراث الجربي.
وتضيف محدثتنا قائلة: «إن معرض جربة (تيموانياج) باللغة الفرنسية أو شهادة عن جربة باللسان العربي، وبعد افتتاحه في تونس العاصمة، سيسافر إلى جربة نفسها، حيث سيتم تقديمه لسكان الجزيرة وزوارها، قبل أن ينفتح على العالم من خلال جولة دولية. والهدف من هذا المعرض القيم هو التعريف بثراء جربة وتفردها، وتقديم تصور جديد للجزيرة، ليس فقط كوجهة سياحية، ولكن كمثال للتعايش والمرونة التراثية، وكنموذج للسياحة الثقافية الثرية والمتنوعة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية