“طبول الوادي” رواية العُماني محمود الرحبي: مفارقات الحياة وتبادل الأدوار بين السلالات

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

تدفع الروايات الناجحة قرّاءها للتفكير فيما يجري بواقعهم، حتى لو عالجتْ بالخيال العلمي واقعاً يجري في المريخ أو على كوكب آخر في عالمٍ موازٍ على سبيل المثال، أو عالجتْ واقعاً يجري بقرية نائيةٍ في قرية الخضرا بعُمان، تجري فيها أمور الحكم ببساطةِ التعامل اليومي، مقابل واقع عاصمةٍ تتعقَّد فيها شؤون الحكم لتعكس مصير دولةٍ وبلدٍ، مثل دمشق على سبيل المثال في واقعنا الذي يجري أمامنا الآن.
في التواشج العابر للزمن والمكان بين الرواية والقارئ يحضر جزء من الواقع المعالج في روايةٍ نقرأ عنوانها “طبول الوادي” على غلافٍ يصوّر عالماً مقلوباً يوحي بالتحوّل وانعكاس الآيات وتبادل الأدوار، للروائي العماني محمود الرحبي، الذي لم يتحدّث عن واقع التحولات أو مشابهاتها في دمشق بالتأكيد، بل تحدّث عن واقعٍ يجري في زمن آخر ومكانٍ آخر في عُمَان، لكنّه يجذب إلى مخيلتنا صورة جزءٍ من واقع دمشق في آننا، تحت مطرقة قدر التحوّلات.
في جزء عالم “طبول الوادي”، الذي يعالج استحالة توريث السلالات لجميع الصفات، يستدعي الرحبي إلى ذاكرة القارئ ما يخصّ قصّة محاولة تهيئة الدكتاتور حافظ الأسد لابنه البكر باسل في سلالة عائلة الأسد التي أراد لها ألّا تنقطع عن حكم سوريا إلى الأبد بالشعار الذي أَجبر السوريّين على ترديده تحت حدّ السيف، وخذلَتْه استحالة ليّ عنق القدر السوريّ بمقتل الوريث أولاً، واستبداله قسراً بابنٍ ثانٍ عديم الموهبة، ورِثَ منه عُقَد الحقد، وشغفَ سفك الدماء، بتكريس عُقد التربية في التمييز بين الأبناء. لكنّه اختلف عنه، (بمجازٍ يحترم طبيعة الحيوان)، من صفة خبث الثعلب في استدراج الفرائس، إلى صفة جشع وحماقة الجرذ أمام إغواء الجبنة مهما كانت صفة تذاكيه بالدوران حولها، وإنكاره اختلاف صفات أبناء السلالات في مسألة توريث الحكم، ووصوله بالتالي إلى مصير انطباق أنياب مصيدة التمسّك بأوهام طول العنق الكافي لتجنّب انطباقها. حيث: “لم يكن أبي يرغب في أكثر من أن يجعلني إرثه، لكنْ على النحو الذي أراده له أبوه. لقد حملتُ اسم جدي، لكن الاسم لا يعني شيئاً إن كان يتعذر حمل بقية الصفات…”
وحيث لا يعمل جزء دون نقيضه في الروايات المحبوكة بفن الرواية؛ في هذا الجزء الذي يجسّد التحول في عالم القرية البسيط، ويفتحه على التعقيد بالتساؤل عن مآله، يُمتّن الرحبي جزء الشخصية المعنيّة بالتحوّل، وما يرتبط بها من حكمة عدم تماثل المتسلسلين لاستمرارية تناسخ الحكم، بإبداع جزء الشخصية البديلة المقابلة، القادمة من عالم التهجير، ووضع هذه الشخصية في حالة التباسِ فهم دواخل تكوينها، ودوافعها، والتساؤل عن مآلها بعد حلولها مكان الشخصية الأولى، مثلما يحدث في عالم القارئ الذي تدفعه الشخصيتان للتفكير في واقعه.
ويفعل الرحبي هذا بفنية ترتقي بالحكاية إلى الرواية، وتبعدها عن المباشرة والأحكام واليقين، مستخدماً التحليل النفسي العميق للشخصيات المتفاعلة مع واقعها، وتأثير ماضي هذه الشخصيات عليها في دوافعها التالية، والأهم وضعها في ثنائيات التضاد كأقطاب تضيء بصراعها عالم الرواية، وترك مآلاتها لتساؤلات القارئ. ليس عنها فحسب، وإنما عن مآلات شخصيات واقعه كذلك، على اختلاف الأحداث، حيث تتساءل الشخصية الأولى عن الثانية بالقول: “سمعت أن أناساً يأتونه من حمرا العبريين، صاعدين الجبل العالي وهابطين منه لكي يتمسّحوا ببركاته. بل إن هناك من يأتيه حتى من الجبل الأخضر، ولا أستبعد أبداً أن يصير شيخاً لهذه القرية… لكن هل سيقف حلمُه عند حدود قريتنا الصغيرة؟ من يدري”.

عالمان للسجن وللحرية

بين شخصيتين، واحدةٌ خارجةٌ من مسرحٍ وثانيةٌ داخلةٌ إليه، في نقطة تلاقي موت شيخ المسرح. وبين واديين متجاذبين متنابذين، ممثلين لثنائية الريف/ المدينة، الأول هو وادي السحتن الذي سكنت فيه الحياة على وتيرةٍ تدفع ابن شيخه اليافع سالم للهرب من قسوة أبيه محسن التي وصلت إلى ظنه بمحاولة قتله بالرصاص على كشفه له وهو يدخّن سيجارةً، كنابذٍ له، والذي تحركت فيه الحياة لرجل وجد فيه عالم طفولته بعد اضطراره للهرب من مجزرة الأفارقة المدعومين من الإنكليز بالسلاح بحق العمانيين الموجودين في زنجبار، فكان جاذباً له. والثاني هو وادي عدي الجاذب للشاب المشرّد بعد هربه من أبيه، حيث يجد فيه حريتَه خارج سجن القسوة. والنابذ للرجل زهران الزنجباري الذي سكنت حياته فيه وتحوّل إلى سجن لروحه، بعد هربه من المجزرة وتحوّله فيه إلى تاجر يعاني الكساد.
وبين صيغتين لسرد المتكلم والراوي العليم، تلتقيان على السرد من وعن السارد سالم وما يرتبط به من شخصيات وأحداث… بين كل هذه الثنائيات المتضادة التي لا تتحرك روايةٌ شيّقة بدونها، يمدّ الرحبي جلد طبول وادييه، ببنية بسيطة تتكون من أربعة فصول بأرقام، وتضم سبعةً وعشرين مقطعاً بعناوين، تتوالى لتسرد أحداث وحركة وتطور شخصيات الرواية، بزمنٍ يستقيم في اتجاه واحد من الماضي إلى الحاضر، ويتم في هذا الجريان استعادة ماضي الطفولة وما يتلوها لشخصيات الرواية الرئيسية: الأب الشيخ محسن، وابنه سالم، وزهران التاجر العماني الزنجباري، كما يتم دعم هذه الشخصيات بشخصيات النساء اللواتي يمثّلن المرأة العمانية في مختلف حالات وفائها وانصياعها لمؤسسة الزواج، وقهرها بزواج البنات القاصرات، وبالحاجة المادية التي تدفعها لبيع جسدها، وشهر سيف الشرف على رقبتها، وتمرّدها، حيث تقول ميمونة لمن جاء يخبرها أن جيرانها مزعوجين من إدخالها غرباءَ إلى بيتها: “قل للجيران أن يتكفّلوا بهذه الرؤوس الأربعة التي تركها لي والدهم قبل أن يدخل إلى السجن، ولن يطرق بيتي أي غريب”.
كما يتم في هذا الجريان عرض ظلم القَبَلية في تناسب المقام، ومطامع الآباء الذكور في تزويج بناتهم من الوالي والأثرياء بيعاً، من خلال قصة حبّ مؤثرةٍ تتصدّرها شخصية عيسى العاشق الذي رفض خاله تزويج ابنته عاتكة له، وزوّجها من الوالي، لتنضم إلى عالم حريمه. وأثار هذا غضبه، فهجم على بيت الوالي بمسحاة، لكن الحرس قيّدوه ليسجن سنة كاملة على فعلته، ويخرج منها مجنوناً يرسم قلوباً مجروحة بسهم الحب، ويتحول اسمه إلى المجنون عيسى، ويصبح رمزاً للحب لدى سالم، الذي يرسم قلبه المثقوب بسهم على زجاج سيارةٍ.
مثلما يتم الغوص عميقاً في بنية العمل في الريف العماني، وفي المدن التي تستوعب المهاجرين، الهنود بخاصة كقوة عمل، مع عادات العمانيين وتطعيمها بتراثهم الغنائي وموسيقاهم. والغرباء الهنود، وسعيهم إلى الرزق وطيبتهم واضطرارهم للخداع واحتياجاتهم الجنسية التي تفتح أبواب الأفلام الإباحية، وما إلى ذلك من بيئة عمل تنمو في ظل دخول عُمَان عصر تطور المدن.
وكموجز يمدّ الرحبي جلد طبول وادِيَيْه بحكايةٍ شيقة عن الأب القاسي والابن الضال في ظاهرها العميق الذي يختبئ في تفاصيله عالم التحولات وتبادل الأدوار وانعكاس الآيات، حيث: “الآن أراه يعيش حياة مليئة بالحركة، لقد انعكست الآية، أنا العالق في الرتابة، بينما هو تتجدّد حياته كل ساعة”.

فن الرواية ولغتها:

في حكايته التي ارتقت إلى روايةٍ متألقة، بفعل جريان أحداثها وشخصياتها، والأهم حبكتها في بنية بسيطة استوعبت تعقيداتها وبسَّطْتها، تتجلّى واضحةً بعض عناصر فن الرواية مثل نسيج البنية الذي تحدثنا عنه مع منظومة السرد، والتشويق الذي بدأ بتوهان ابنٍ هارب يسرق الطعام ويبحث عن عمل، وينجح في أن يصبح تاجراً، وتخلُّلِ هذا، الكشفُ المتوالي عن أسباب الهرب، خلال التذكر في مفاصل الأحداث حتى موت الأب وانغلاق الرواية عن مصير الابن كوارث لمشيخة والده، وانفتاحها في ذات الوقت عن مصير آخر، في تفضيل الابن لحريته، وانتقال المشيخة إلى تساؤلات المآل.
ومثل لغة الرواية الجارية بعربية فصحى رشيقة تتخلّلها في الحوار اللهجات المختلطة بالعربية والبلوشية والإفريقية السواحلية، للتعبير عن عالم عمان المختلط بالأقوام، مع تطعيم الرواية بتراث عمان الموسيقي الغنائي، الذي يعكس حياة الفترة المتحدَّث عنها، ومسحُها بالشاعرية عند تجسيد عالم ريف عمان الثري بنباتاته وأفلاج مياهه وشلالاته، وانعكاس شاعرية الجمال هذه عنصراً في تجسيد شخصيات الرواية، إضافة إلى طريقة حفاظ الرواية على تماسك حبكتها. وجريان الثنائيات بسلاسة غير مفتعلة في تطور الصراع وانحلاله.
مع الأهم الذي يميّز الروايات ويجعل منها عقداً فريداً تتوسطه ثيمتها التي يعكسها عنوان الرواية، والمتبلورة بالصوت الموزع بين الصمت والضجيج، بدءاً بصوت الطلقة التي مرت من بندقية الوالد القاسي فوق أذن الابن الهارب من القتل، لتثير خوفه وعدم يقينه من حبّ أبيه له، تلك الطلقة التي يتضح من تأكيد الأم له أنها كانت طلقة تخويف مقصودة ألّا تصيبه، مع مرافقة رؤيتها لأبيه يشم ثيابه خلال غيابه.
مروراً بأصوات الطبيعة في حركة هوائها ونباتاتها وكائناتها، في كهوف وأفلاج وادي السحتن التي شكلت امتزاجه بطبيعة المكان، وعمّقها الكاتب إلى ربطها بتاريخ الصوت الإنساني، الذي تلمّس سالم آثار تاريخه بفطرة اندماجه بأصوات الطبيعة وبتلمس آثار هذا الاندماج والتناغم في الأعمدة الصخرية والعلامات التي تحملها صخور واديه، معبرةً عن مرور الأرواح، وعن تجسّد المعاني في كلمات بيئته القروية الفطرية كاملةً، بالمقارنة مع أصوات المدينة التي تعكس الضجيج الآتي من تلاقح اللغات واللهجات وأصوات المكيفات التي تتبلور سياطاً تجلد الظهور، كما لو كانت صادرة من حنجرة واحدة.
ومروراً بالمقارنة العميقة كما يكتشف القارئ بين صوت عيسى العاشق المجنون الذي يجسد حالة صدمته في حبه، بتوقفه عن الكلام وتحوّل صوته إلى حركات مبهمة، من جسده ويديه، وصوت زهران الذي يجسد حالته السجينة ملعلعاً بلسانه الذي إن لم يجد بشراً يصغون إليه تحرك ليحادث القطط اللابدة أمام محله.
وانتهاءً بصوت أبيه الذي لا يفارقه بثنائية الخوف والمحبة وضياعه بينهما، بشعور انغراز صوت أبيه فيه، مانعاً له من النفاذ إلى إحساس الابن بالأمان بثنائية بقاء صوت أبيه الواثق المليء بالقوة والحنان على أهل قريته خلال مرافقاته له في تجوال تفقد أحوالهم.
وفي كل هذا لا ينسى القارئ تقديم الرواية بجملة الكاتب حول العمل الذي: “لا يجب أن يُقرأ إلا بصفته روايةً تًستحضر زمناً لن يعود، عبر شخصيات متخيلة”. وإثارة التساؤل حول معاني استحضار الماضي كزمن لا يعود، وبأية أشكال يتجسّد، بافتراض مخالفة بديهية استحالة عودة الماضي، بعودته.

محمود الرحبي: “طبول الوادي”

محترف أكسجين للنشر، أونتاريو/ بودابست 2023

174 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية