في حضرة ظبية خميس

هذا كتاب يضم حوارات ومقالات وتأملات قامت بها الشاعرة ظبية خميس، عبر أكثر من عشرين سنة منذ الثمانينيات، بين أسماء عظيمة من الكتاب والفنانين في بلاد مختلفة. ظبية خميس إبنة الإمارات العربية، هي إبنة العالم كله، ورحلاتها بين الشرق والغرب صارت كتبا ومقالات رائعة، تنقل عبق الأماكن وأرواح الناس موتى وأحياء. لظبية دواوين شعرية عديدة، وكتب مترجمة، وكتب رحلات، ومقالات ودراسات مجمعة، تجاوزت الخمسين كتابا. الكتاب يحمل عنوان «مقهى الكلمات وحانة الذكريات» صادر عن دار خطوط وظلال الأردنية، ويقع في حوالي ثلاثمئة صفحة. تقول ظبية في مقدمة الكتاب» للأرواح التي مضت في طريقها. للأحباء ورفاق الدرب. لأولئك الذين تعلمنا منهم كيف نحس وكيف نحب وكيف نحزن وكيف نقاوم. هذا الكتاب لهم جميعا ولغيرهم أيضا».

تأخذنا في رحلات رائعة مع محمود درويش في أكثر من مقال، فهو وغيره من الشعراء والأدباء وأهل الحق، يتحركون في عالم من الحرائق والخرائب والدمار، ويسيلون أرواحهم بحثا عن الحق والخير والجمال. حديث عن أكثر من ديوان لدرويش منها «في حضرة الغياب»، الذي يخاطب فيه نفسه على أنه اثنين: «فلتأذن لي أن أراك وقد خرجت مني.. وخرجت منك سالما كالنار المصفى.. على حجر يخضر أو يصفر في غيابك». كيف بين غياب وغياب يمنحنا درويش بعض تفاصيله مع كل كتاب جديد من كتبه. القهوة والمقاهي والأماكن والبلاد وتجليات الأرض الفلسطينية، من أمه إلى بيارات يافا والعصافير والسحاب والمدى وأغصان الزيتون وأسماء المدن وغيرها. وعلامات عليها من شعره. بعد درويش وشعره ونغمات وشجن الحانة، ننتقل إلى الانقسام الذي حدث يوما في منظمة فتح بين اتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين. حوارات مع يحيى يخلف يحكي قصة الانقسام ومحاولاتهم رأب الصدع، ومع غيره مثل أحمد دحبور وحنا مقبل وجميل هلال وبسام أبو شريف ورشاد أبو شاور وغسان زقطان. مقالات لهم أو مقاطع من حوارات ليست معها، لكنها تذكرها وما فيها حول المسألة في مقال لها عام 1984. مع رشاد أبو شاور حوار رائع عن حصار بيروت، والكتابة خلال الحصار، وصورة المرأة في كتابته وأدب المخيمات. رأيه المعترض أن يتحول الكاتب إلى بوق سياسي بشعارات جاهزة، وحديث عن القصة القصيرة والرواية الفلسطينية. تصل إلى رواية «نجران تحت الصفر» ليحيى يخلف، وهي من الروايات المبكرة عن الهجرة في جنوب السعودية، وكانت ملهمة لي أنا أن أكتب في ما بعد روايتي «البلدة الأخرى» وفصل ماتع عن إبراهيم نصر الله شاعرا.

هذه الفصول مقالات كتبت في الثمانينيات قبل أن يحلق إبراهيم نصر الله في عالم الرواية. فصل ماتع مبكر هو حوار مع المخرج المصري خيري بشارة في بداياته. طفولته وحياته وزواجه ببولندية، وحريات التعبير التي تقلصت في السينما، خاصة الموضوعات الجنسية، بعد فيلميه «الطوق والأسورة» و»يوم حلو ويوم مرّ» طموحه وكيف تتجاوز السينما الجديدة قدرات النقد أحيانا، الذي يكون عادة قراءة سهلة وأحكاما سريعة، وهذا لا يقف عند أفلامه فقط، بل أفلام غيره مثل محمد خان. أفلام فكّر أن يقوم بها عن أعمال أدبية مثل حلمه بإنجاز فيلم عن كتاب عبلة الرويني «الجنوبي» الذي هو عن حياة أمل دنقل، وغير ذلك من كتب وحتى قصائد. في نقلة رائعة تتحدث عن الأزمة التي قابلها خيري بشارة كمخرج مجدد، وهي الإنتاج وتكلفته ومدى إقبال المنتجين، فيجد نفسه منتقلا إلى الأفلام التجارية، بإخراج فيلم «كابوريا»، وكيف أيضا لم يكسب منه، بل دفع الثمن وهذا لم يعجبها. كذلك بعده فيلم «رغبة متوحشة» لنادية الجندي وهو مأخوذ عن مسرحية «جريمة في جزيرة الماعز» للكاتب الإيطالي أوجو بيتي، التي صار لها سيناريوهان بعد خلاف بين وحيد حامد وعلي بدرخان، أحدهما أخرجه علي بدرخان بعنوان «الراعي والنساء» من سيناريو لمحمد شرشر، وعصام علي، وعلي بدرخان نفسه، ومثلت فيه سعاد حسني، والثاني أخرجه خيري بشارة منحازا لوحيد حامد ومن بطولة نادية الجندي، من أجل أن يعمل فقط. هي حكاية معروفة شغلت الوسط السينمائي والفني وقتها كثيرا.
ننتقل إلى الفن التشكيلي والفنان خالد حافظ وزيارة لمعرض شارك فيه في دار الأوبرا.

معارضه السابقة ولوحاته ومن تأثر بهم في تجربته الفنية من الخارج مثل، سلفادور دالي وكاندنسكي، ومن تأثر بهم من الداخل. من الفن التشكيلي إلى الشاعر سيف الرحبي المسافر دائما، وكيف هو أبرز الشعراء العُمانيين وتجواله في بلاد الله وتأثره بها، وحديث ضافي عن ديوانه «رأس المسافر» نماذج معبرة من قصائده التي يعترف في أولها أنه قد تعب الحائط من السفر. كيف يتداعي العالم عبر قصيدته الأولى «رأس المسافر» وكيف صار أحد العلامات المميزة في قصيدة النثر. من سيف الرحبي لحديث ضافٍ عن الشعر في المجلات العربية، خاصة مجلة «شعر» في عددها الأول. المقال منشور في يوليو/تموز 1991. نستمر مع الشعر في ديوان إبراهيم داود الأول الذي عنوانه «تفاصيل». تحليل لبعض القصائد وحوار معه. التفاصيل باقية منذ الطفولة التي هي ليست ساعة زمن، كذلك تأثره بالتراث الصوفي وشعراء مثل المتنبي وأبو تمام. كل ذلك يقيم حولي خيمة من الذكريات خاصة حين تنتقل إلى الحديث عن ظهور مجلة «الكتابة الأخرى» التي دشنها الشاعر هشام قشطة أول التسعينيات، وكانت أحد أهم علامات المغامرة والتجديد للشعراء الجدد. هشام قشطة وتجربته التي تذكرنا بتجربة أنور كامل و»الفسائل الثقافية»، التي كان يدور بها على المقاهي يعطيها لنا، وكيف أن مشروعه وريث شرعي لمشروع «الخبز والحرية» الذي ظهر في مصر في أوائل القرن العشرين. تجديد ومغامرة وكسر التابوهات الموروثة والسائدة. تعود إلى السينما مع فيلم «نوستالجيا» لتراكوفسكي كذلك فيلم «سلام بومباي» للمخرجة ميرا ناير، وكان أول فيلم روائي لها هي المخرجة الوثائقية، وهو فيلم هندي عن أطفال الشوارع في بومباي، فاز بجوائز عالمية كبيرة. يأخذها الفيلم إلى رواية «ممر إلى الهند» للبريطاني إدوارد مورجان فورستر. تفاصيل الرواية وحال البريطانيين مع الهنود والعكس.

من أجمل المقالات مقال عن احتفال الوسط الأدبي المصري واليوناني بصدور ترجمة رائعة لبشير السباعي، لأشعار الشاعر اليوناني الإسكندري كفافيس. قصائد عثر عليها بشير السباعي في مجلة «لا سومان إجيبشيان» أو «الأسبوع المصري» بعد بحث دؤوب في عدد خاص عن كفافيس عام 1939. كيف ترجمها بشير عن الفرنسية، ورغم أنها كانت خيانة عظمى باعتبار أن الترجمة أصلا خيانة، فما بالك بترجمة عن لغة أخرى، لكنها جاءت رائعة. نماذج من شعر كفافيس الذي همت أنا به حين قرأت أعماله في ما بعد. حنا مينا والفريد فرج يشغل كل منهما حيزا مؤثرا. حديث عن المسرح والتجريب عند الفريد فرج، وكيف أثرت غربته في أوروبا على تجربته إلى جوار قراءاته. أجزاء من ندوة لفؤاد زكريا على هامش مهرجان جائزة العويس، وحديث عن فلسفته ورؤاه باختصار، مثل كيف يحاول أن يزيل الجدار ما بين العقل النظري والعملي، لكي تصل الفلسفة إلى الناس والحياة. شيء من المعارك التي خاضها، خاصة مع الناصرية لموقفه المضاد لأي حكم عسكري. كذلك معركته مع المد الديني الغيبي. فصل طويل بعد ذلك عن الأدب الكنائسي وأندريه جيد ونوفيلا « سيمفونية القسيس» ثم يأخذني الكتاب إلى نوستالجيا لقاءات كانت من أجمل لقاءات العمر مع الفنان عدلي رزق الله ولوحاته ومعارضه. عدلي رزق الله كما قالت كان مثل لوحاته وأزهاره وكائناته وألوانه، ترتفع بك إلى تحليق يصعب الهبوط منه. في النهاية أمضيت يومين مع مقهى الجمال والعذوبة، وحانة المحبة التي أقامتها ظبية خميس، الشاعرة والكاتبة التي تحلق بي وبالقارئ، في الفضاء في كل إبداعها.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية