عاد رئيس ريال مدريد فلورينتينو بيريز، تحت شعار مجموعة “ايه 22″، إلى الظهور مجددا، مطلقاً اسما جديدا على مسابقة كرة القدم الأوروبية، التي يسعى جاهدا الى أن ترى النور.
بعدما كانت تعرف باسم “الدوري السوبر”، أصبحت اليوم “الدوري الموحد”، وتعتبر هذه أحدث فكرة لإنشاء بطولة لعمالقة كرة القدم الأوروبية قامت بطرحها شركة “ايه 22 سبورتس مانجمنت”، التي تتخذ من العاصمة الإسبانية مدريد مقرا لها، وعاودت المجموعة إلى الظهور، بعد ما يقرب من 4 سنوات من إطلاق الخطة الأولية للدوري السوبر الذي تم إلغاؤها سريعا. وقاد 12 من صفوة الأندية بالقارة العجوز فكرة طرح المسابقة الوليدة وهي ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد من إسبانيا، ويوفنتوس وميلان والإنتر من إيطاليا، ومانشستر يونايتد ومانشستر سيتي وليفربول وأرسنال وتشلسي وتوتنهام من انكلترا، فيما رفض الفكرة بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند الألمانيان وباريس سان جيرمان الفرنسي. لكن الخطة سرعان ما انهارت في غضون 48 ساعة بعد انسحاب الأندية الإنكليزية الستة وصدور اعتذارات وسط رد فعل عنيف من مشجعيها والحكومة البريطانية، قبل أن تتراجع 3 أندية أخرى هي ميلان والإنتر وأتلتيكو عن طرح تلك الفكرة سريعا.
ولم تختف الفكرة تماما، حيث واصلت فرق ريال مدريد وبرشلونة ويوفنتوس الكفاح خلف الكواليس، لكن بدون جدوى، لاسيما بعد انسحاب الفريق الإيطالي في منتصف عام 2023، وصمد العملاقان الإسبانيان، وحققا فوزا في ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام عندما قضت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي بأن اليويفا والفيفا تصرفا على نحو يتعارض مع قانون المنافسة من خلال منعهما خطط إنشاء الدوري المنفصل. وكشفت مجموعة أيه 22 أنها قدمت مقترحات للاعتراف الرسمي ببطولتها، التي ستضم 96 فريقا من الرجال عبر أربع دوريات، بالإضافة إلى 32 فريقا من النساء في دوريين، في صورة أكثر تعقيداً من المخطط الأولي.
لكن لماذا يصر فلورينتينو بيريز على انشاء هذه المسابقة الانفصالية، والتي قد تدمر كرة القدم الأوروبية؟ لأنه بكل بساطة نوع من الحسد، فرغم تحذير الاتحادات القارية بمعاقبة كل ناد يوافق على هذه المسابقة بالشطب، واعلان انسحاب ورفض غالبية الفرق الكبيرة، فان بيريز اكتسب دفعة معنوية من استقطاب رعاة من الولايات المتحدة، بل وعود أيضا من السعودية بتغطية النفقات، كنوع من الرعاية، وهو ما شجع على الاعلان بان مباريات هذه المسابقة ستنقل مجانا على الهواء، لكن الأهم من ذلك ولأسباب شخصية، تتعلق برغبة بيريز أن يخلد بصورة باهرة تفوق بكثير اسطورة الريال سانتياغو بيرنابيو، الذي اشتهر في منتصف الخمسينات بادارته الرائعة للريال، ونجح في بناء استاد يعرف اليوم باسمه، كما أنه ساهم بشكل أساسي في اطلاق مسابقة كأس الأندية الاوروبية البطلة، وهو ما يريد بيريز أن يتخطاه، كي ينفرد بالريادة والتخليد.
والجانب المهم الآخر، هو العوائد المالية الهائلة. فدوري أبطال أوروبا، رغم نجاحه الكبير، يتم تنظيمه وإدارته من قبل اليويفا، ما يعني أن الإيرادات تُوزع بشكل مركزي وتقلص نسب الأرباح الفردية للأندية. في المقابل، يهدف الدوري السوبر إلى منح الأندية المشاركة سيطرة مباشرة على الإيرادات، بما في ذلك حقوق البث التلفزيوني والإعلانات، ما يتيح لها تحقيق أرباح أكبر بكثير. كما تواجه العديد من الأندية الأوروبية الكبرى، بينها الريال، أزمات مالية متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل، من رواتب اللاعبين إلى تكاليف البنية التحتية. ويرى مؤيدو الدوري السوبر أنه سيضمن دخلا ثابتا ومستداما لهذه الأندية، بعيدا عن التحديات التي تواجهها في الدوريات المحلية أو البطولات القارية.
لكن في المقابل يرى الكثيرون أن الدوري السوبر سيضعف الدوريات المحلية، حيث ستفقد هذه البطولات بريقها وجاذبيتها بغياب الأندية الكبرى التي ستصب كل تركيزها على البطولة الجديدة، خصوصا ان التعديل الجديد ينص على أن كل فريق يشارك في “الدوري الموحد” سيلعب على الأقل 14 مباراة في الموسم، ما يعني زيادة أخرى في روزنامة اللاعبين المنهكين أصلا.
أيضا البطولات المفتوحة مثل دوري أبطال أوروبا تمنح الأندية الصغيرة فرصة لتحقيق إنجازات كبرى، كما حدث مع ليستر في الدوري الإنكليزي أو أتالانتا في الدوري الأوروبي، لكن الدوري السوبر سيقلل من هذه الفرص، ما يضر بروح التنافس التقليدية. كما أظهرت ردود أفعال جماهير الأندية الكبرى رفضا واسعا للفكرة عندما طُرحت في 2021. بالنسبة لهؤلاء المشجعين، فإن التركيز على العوائد المالية يأتي على حساب التراث الكروي والتقاليد التي تربطهم بأنديتهم.
الدوري السوبر فكرة مثيرة للجدل تعكس الصراع بين الحداثة والحفاظ على تقاليد كرة القدم. بينما يسعى البعض لتحقيق استدامة مالية وتحفيز التنافس العالمي، يخشى آخرون من تأثيراته السلبية على البطولات المحلية وروح اللعبة. وهذا الخشية دائما من الغرائز الفردية والرغبات والمصالح الشخصية، فهي عادة ما تقود الى تدمير كل شيء جميل.