قانون المالية لسنة 2025 في تونس: بين الأهداف المعلنة والواقع الصعب هل ستتحقق نسبة النمو المتوقعة؟

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: أعلنت الحكومة التونسية قبيل مناقشة قانون المالية لسنة 2025 أن هدفها من هذا القانون، الذي تمت المصادقة عليه مؤخرا من قبل غرفتي البرلمان، هو تعزيز الطابع الاجتماعي للدولة وتحفيز الاستثمار لتحقيق نسبة نمو تتجاوز 3 في المئة. كما تهدف الحكومة أيضا من وراء هذا القانون إلى تحقيق الاستقرار المالي من خلال تقليص عجز الميزانية خاصة في غياب تدفق الأموال الخارجية من قروض وهبات وغيرها، ونزوع البلد منذ فترة إلى انتهاج سياسة التقشف.
لكن بدا للكثيرين أن هذه الحكومة لن تستطيع تحقيق أهدافها التي تضمنها قانون المالية بالكامل وسيقتصر الأمر على جزء منها وهو المتعلق بتحقيق الاستقرار المالي من خلال الحد من العجز في الميزانية. ففي هذا الإطار تمتلك الدولة مداخيل جبائية وعائدات مالية هامة أيضا من القطاع السياحي ومن تحويلات التونسيين بالخارج ومن الصادرات الفلاحية والصناعية والمنجمية التي ارتفعت في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى موارد أخرى منها الاقتراض الداخلي من البنوك التونسية.

سياسة التقشف

كما أن سياسة التقشف جعلت الحكومة تقلل من الواردات وهو ما جعل من مواد أساسية كانت تستوردها تونس في السابق نادرة الوجود اليوم في الأسواق رغم الطلب الكبير عليها من قبل عموم التونسيين باعتبار أن استهلاكها بات ضمن عاداتهم الغذائية. وتؤدي هذه الزيادة في المداخيل مقابل تراجع النفقات، إلى تحقيق الاستقرار المالي المنشود وإلى الحد من العجز في الميزانية الذي تبحث عنه الحكومة وتسعى إلى تحقيقه من خلال قانون المالية الجديد.
أما فيما يتعلق بتعزيز الطابع الاجتماعي للدولة ولئن تضمن قانون المالية عديد الإجراءات التي تعزز هذا الأمر على غرار رصد أموال لتسوية وضعية أصحاب المهن الهشة الذين سيتم إدماجهم في الوظيفة العمومية، إلا أن إثقال كاهل المواطن بالضرائب سيحول دون تحقيق هذه الغاية. فقانون المالية لسنة 2025 هو قانون لا يختلف عن سابقيه في السنوات الأخيرة، والتي كانت قوانين جبائية بامتياز ركزت على جمع أكبر قدر من الموارد لتغطية عجز الميزانية بدون البحث عن تحسين حياة المواطنين.

استثمار محدود

أما فيما يتعلق بالغاية الثالثة من قانون المالية، حسب تصريح رئيس الحكومة والتي تستشف أيضا من خلال مداخلات الوزراء في البرلمان بمناسبة مناقشة مشروع قانون المالية، والمتعلقة بتشجيع الاستثمار، فقد تم إقرار حوافز وامتيازات جبائية وديوانية (جمركية) ومالية، فتم الذهاب باتجاه تخفيض الضرائب على قطاعات عديدة كالفلاحة والطاقات المتجددة والصناعات التقليدية. لكن هذه الامتيازات أثبتت في السابق عدم نجاعتها في تشجيع الاستثمار الذي يبدو بحاجة إلى أشياء أخرى حتى يتحقق ويساهم في نمو الاقتصاد التونسي المرتبك.
فلا يبدو إذن أن الاستثمار سيتطور في ظل قانون المالية الحالي، باعتبار أنه لا توجد حوافز حقيقية تشجع المستثمرين التونسيين والأجانب على الاستثمار والمخاطرة برأس المال. كما أن قانوني الصرف والاستثمار، أو ما يعرف في تونس بمجلتي الصرف والاستثمار، تتلكأ الحكومة في عرض مشروعهما على البرلمان لمناقشته وإبداء الرأي فيه وتعديل ما يمكن تعديله.
ولعله من الطبيعي في غياب الاستثمار المحلي والأجنبي وفي غياب رصد ميزانية هامة للتنمية في قانون المالية، أن يؤكد البعض، أنه يصعب تحقيق نسبة النمو المقدرة بـ 3 في المئة التي توقعها قانون المالية. فالاستثمار هو الذي يخلق مواطن الشغل وهو الذي يحد من الفقر والبطالة وغيرها من الآفات الاجتماعية، وهو الذي يحسن في جودة الخدمات الصحية والنقل وغيره، ويساهم في تطوير البنى التحتية، وبالتالي ترتفع معه نسبة النمو.

الضريبة على الدخل

لقد قامت الحكومة في قانون المالية الجديد بالتخفيض في الضريبة على الدخل لبعض الشرائح، وسيؤدي ذلك إلى تحسن في المداخيل على وجه الخصوص لمن لا يتجاوز دخله السنوي 50 ألف دينار، وذلك بهدف التشجيع على الاستهلاك الذي هو عماد الاقتصاد الوطني. لكن هذا التخفيض كان محدودا – بحسب الكثيرين- ولن يرفع في القدرة الشرائية للمواطن التونسي الذي بحاجة إلى تخفيض أكبر في الضريبة ليكون قادرا على تحمل تكاليف المعيشة المرتفعة.
كما أن الشرائح المستفيدة من التخفيض الضريبي أعدادها قليلة وهي الفئات الهشّة غير القادرة على خلق حركية على مستوى الاستهلاك بالنظر إلى أعدادها القليلة وإلى ضعف المقدرة الشرائية. وبالتالي فإن الإجراءات التي اتخذها قانون المالية لتشجيع الاستهلاك تبدو غير كافية لتحقيق الغاية المنشودة وكان يجب أن تشمل أكبر قدر ممكن من الشرائح الاجتماعية وتوفر للمنتفعين منها مبالغ هامة ومعتبرة وأفضل مما تم توفيره من خلال التخفيض لبعض الفئات في الضريبة على الدخل.

قانون محاسباتي

يرى الأستاذ والخبير والباحث في الاقتصاد عماد بالرابح في حديثه لـ”القدس العربي” أن قانون المالية لسنة 2025 في تونس لا يختلف عن قانون المالية للسنة الماضية والسنة التي قبلها إلا من جهة أن الدولة لم تعد تفكر بتاتا في دعم صندوق النقد الدولي واقتنعت بضرورة الاعتماد على الذات. أما ما سوى ذلك، حسب محدثنا، فهو قانون محاسباتي هدفه جمع أكبر قدر من الموارد لتغطية أكبر قدر من النفقات، وذلك بالرغم من بعض التخفيضات الجبائية البسيطة التي قيل أن الهدف منها هو تحسين القدرة الشرائية لبعض الشرائح.
ويضيف محدثنا قائلا: “صحيح أن تحقيق التوازنات المالية للدولة أمر مهم، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب معيشة المواطن المثقلة بارتفاع الأسعار وغياب بعض المواد الأساسية وكذلك بكثرة الضرائب التي تعتبر الأرفع في القارة الأفريقية. فعلى سبيل المثال تم إسقاط فصل من قانون المالية يتعلق بالتخفيض في الأداءات الموظفة على السيارات حتى يتمكن المواطن من اقتناء سيارة باعتبار أن أسعار السيارات في تونس هي من بين الأرفع في العالم، وذلك بتعلة أن الدولة بحاجة هذا العام إلى تلك الموارد الجبائية، وبالتالي تم تغليب حاجة الدولة لتحقيق التوازن المالي على حساب رفاه المواطن الذي يعاني الأمرين من النقل العمومي”.
ويضيف بالقول: “إن الفلسفة التي يجب أن يقوم عليها قانون المالية هي تحسين معيشة المواطن سواء بالتخفيض في الضرائب أو بالزيادة في الأجور أو بالعمل على استقرار الأسعار أو التخفيض فيها أو بتطوير البنى التحتية في مجال النقل والصحة والتعليم، أو بتوفير جميع المواد الأساسية في الأسواق. وما دام المواطن لم يتحسس تحسنا في معيشته اليومية أمام الأرقام التي تتحدث عن تحسن هام ولافت في المؤشرات الاقتصادية للبلاد طال الميزان التجاري الذي ارتفعت صادراته وقلت وارداته، وسعر الدينار التونسي المستقر، والقدرة على سداد الديون في الآجال وغيرها، فإن المعضلة تظل قائمة ولا يمكن الحديث عن بداية خروج البلد من أزمته الاقتصادية مثلما يروج إلى ذلك البعض”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية