رغم زوال نظام بشار الأسد وأركان حكمه في 8 من كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، إلا أن سوريا تتجه لمواجهة المخلفات العسكرية التي خلفها جيشه لفترة لا تبدو قصيرة، قوات جيش الأسد كانت قد لغمت مساحات شاسعة من الجغرافيا المحلية بالألغام، ففرشتها على أطراف الطرقات وضمن الحقول الزراعية وفي محيط الأبنية السكنية، فيما يعاني الشعب السوري اليوم من مخاطر جمة إضافة للألغام، تتمثل بمخلفات الحرب، من صواريخ وقذائف متعددة حجم الانفجار، كانت قد ألقتها طائرات النظام السوري وحليفه الروسي على المدن والبلدات السورية طيلة السنوات الماضية.
ويشكّل الانتشار الواسع للألغام الأرضية عبر مساحات شاسعة من سوريا تهديداً مباشراً لحياة النازحين العائدين إلى أراضيهم ومناطقهم. ومنذ بدء معركة ردع العدوان في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 حتى اليوم وثَّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 45 مدنياً بينهم 6 أطفال و4 سيدات وذلك جراء انفجار الألغام الأرضية.
الألغام الأرضية ومخلفات الذخائر العنقودية منتشرة على نطاق واسع في العديد من المحافظات السورية، وتهدد حياة السكان. حيث إنَّ سهولة تصنيع الألغام وكلفتها المنخفضة جعلتها أداة تُستخدم بشكل مكثَّف من قبل أطراف النزاع المختلفة، من دون الاكتراث بالإعلان عن مواقعها أو إزالة آثارها. ويبرز ذلك بوضوح في المحافظات التي شهدت اشتباكات مكثَّفة وتغييرات متكررة في مواقع السيطرة خلال السنوات الماضية.
ومنذ نهاية عام 2011، بدأ النظام بزراعة الألغام على طول الحدود مع لبنان وتركيا بدون توفير تحذيرات ملائمة. كما تشير عمليات الرصد إلى أنَّ أطراف النزاع الأخرى والقوى المسيطرة استخدمت الألغام الأرضية بشكل واسع، في حين سجل استخدام الذخائر العنقودية فقط من قبل نظام بشار الأسد والقوات الروسية.
آلاف الضحايا
وثّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان (منظمة غير حكومية)، منذ آذار/مارس 2011 وحتى نهاية 2024، مقتل ما لا يقل عن 3521 مدنياً سوريا نتيجة انفجار الألغام الأرضية، من بينهم 931 طفلاً و362 سيدة، بالإضافة إلى 7 من كوادر الدفاع المدني، و8 من الكوادر الطبية، و9 من الكوادر الإعلامية. إضافة إلى 45 مدنياً بينهم 6 أطفال و4 سيدات منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وأضاف بيان الشبكة الحقوقية حصلت «القدس العربي» على نسخة منه، أنَّ الألغام الأرضية تسببت في تشويه المدنيين وإحداث إصابات خطيرة، حيث تخترق مئات الشظايا أجساد المصابين، ما يؤدي غالباً إلى بتر أطراف، تمزق الشرايين والخلايا، بالإضافة إلى إحداث إصابات في السمع أو البصر.
وعلى الرغم من صعوبة تحديد العدد الدقيق للجرحى، فإنَّ تقديرات الشَّبكة تشير إلى إصابة ما لا يقل عن 10400 مدني بجروح متفاوتة، منهم عدد كبير بحاجة إلى أطراف اصطناعية، فضلاً عن سلسلة طويلة من عمليات إعادة التأهيل والدعم النفسي.
الألغام تعيق الحياة
بيان الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أشار إلى أن الألغام الأرضية تشكل عائقاً كبيراً أمام عودة النازحين إلى ديارهم، كما تعرقل حركة فرق الإغاثة والدفاع المدني وآلياتهم. إلى جانب ذلك، تمثل تهديداً كبيراً لجهود إعادة الإعمار والتنمية، ما يضاعف من الأعباء الإنسانية والاقتصادية في سوريا.
تُعرف الألغام الأرضية المضادة للأفراد، وفق ما قالته روان السمان، الباحثة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بأنها ذخائر تُزرع تحت الأرض أو على سطحها، لتنفجر عند اقتراب شخص أو مركبة منها. ووفقاً لهذا التعريف تعدُّ مخلفات الذخائر العنقودية غير المنفجرة جزءاً من الألغام الأرضية المضادة للأفراد، وذلك لكونها باتت تحمل خصائص مشابهة من حيث احتمالية انفجارها في أية لحظة، وبمجرد لمسها. حيث إن هناك قرابة 10 – 40 في المئة من الذخائر العنقودية الصغيرة لا تنفجر وقت الهجوم تبقى احتمالية انفجارها في أية لحظة، وبمجرد لمسها، وبالتالي فهي تتحول إلى ما يشبه الألغام الأرضية.
هاجس أمني كبير
الخطر الأهم الناتج عن انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة يتمثل وفق ما قاله سامي المحمد منسق برنامج إزالة مخلفات الحرب في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) لـ «القدس العربي»: يتعلق بالخسائر البشرية على وجه الخصوص وفقدان العديد من المدنيين لحياتهم بسبب انتشارها وفي كثير من الأحيان تؤدي الإصابة بانفجار الألغام والذخائر غير المنفجرة إلى فقدان طرف أو أكثر من الجسم.
كما يعيق انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة أي مشاريع تعمل على تنمية المجتمعات، بسبب ابتعاد كثير من القائمين على هذه المشاريع عن المناطق الملوثة بها، وبالتالي حصول تأخير بالعملية التنموية فيها كما يمنع انتشار الألغام عمليات إعادة الإعمار بالمناطق المتضررة.
انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة، يخلق حالة من القلق والخوف لدى المجتمعات المحلية ما يدفعهم للتنقل لمناطق أكثر أمناً ويؤدي إلى حالات نزوح داخلية تشكل ضغطاً كبيراً على المناطق الأخرى التي تم النزوح لها.
ومن الجوانب السلبية لانتشار الألغام اليوم هو تأثيرها على المسار الاقتصادي للمجتمعات المتضررة وخاصة أن أغلب حقول الألغام تتواجد بمناطق تعتمد على الزراعة كمردود اقتصادي رئيسي ويعمل على تعطيل الخدمات الإنسانية بهذه المناطق بشكل كبير. وفق ما قاله المحمد.
117 حقل ألغام
يعتبر برنامج الأعمال المتعلقة بمخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة من البرامج ذات البعد الاستراتيجي في الدفاع المدني السوري، حيث يعمل البرنامج على تحييد أخطار الألغام والذخائر غير المنفجرة عن المدنيين في جميع المجتمعات المخدمة في سوريا، بهدف تقليل عدد الإصابات والوفيات الناتجة عن الانتشار الكثيف لمخلفات الحرب غير المنفجرة منذ عام 2011.
وفي هذا الإطار، يقول قاله سامي المحمد منسق برنامج إزالة مخلفات الحرب في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) لـ «القدس العربي»: خلال عملنا بالفترة السابقة ومن تاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر حتى اليوم قامت فرقنا بتوثيق وتحديد 117 حقل ألغام ونقطة يتواجد بها ألغام في محافظات حلب، إدلب، حماه، اللاذقية، ودير الزور، قمنا بتحديد أماكن هذه الحقول مع وضع علامات تحذيرية حولها وقمنا بتحذير المدنيين منها بأساليب مختلفة كون فرقنا غير مختصة بإزالة الألغام وهذا أقصى ما تستطيع فعله بالفترة الحالية.
أما فيما يخص الذخائر غير المنفجرة، القسم الآخر من مخلفات الحرب ففرق الدفاع المدني السوري، أتلفت خلال شهر كانون أول/ديسمبر حتى تاريخ اليوم 822 ذخيرة مختلفة أغلبها من القنابل العنقودية وحددت أكثر من 80 نقطة مؤكد تلوثها بالذخائر غير المنفجرة في عموم المناطق السورية.
مسؤولية حكومية
تغطي الألغام مساحات واسعة من الأراضي السورية، خاصة في المناطق التي شهدت مواجهات عنيفة خلال الأعوام الفائتة، كما تؤثر الألغام ومخلفات الحرب على الزراعة والبنية التحتية، ما يؤدي إلى تدهور الاقتصاد وتفاقم الأزمة الإنسانية، ومن هنا أشارت روان السمان الباحثة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان خلال تصريحات خاصة بـ«القدس العربي»، إلى حملات توعوية على عدة جبهات لتحجيم الأضرار الناتجة عن الألغام ومخلفات الحرب، ومنها:
هناك مسؤولية أمام الحكومة السورية الجديدة، يقع على عاتقها ضمان بيئة آمنة وخالية من المخاطر للنازحين العائدين. وذلك عبر إزالة الألغام ومخلفات الحرب، وتحديد المناطق الخطرة، عبر وضع علامات واضحة ومرئية على المناطق التي يُشتبه بأنها ملوثة بالألغام.
بالإضافة إلى توفير الدعم الطبي، وإعادة التأهيل، والدعم النفسي للناجين من حوادث الألغام لتسهيل إعادة اندماجهم في المجتمع، وتنفيذ برامج توعية تستهدف الفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل الأطفال، لزيادة الوعي بمخاطر الألغام.
واستطردت قائلة: لا بد من نشر خرائط محدثة حول المناطق الملوثة وتحذير المدنيين من الاقتراب منها، وإدراج تعليمات عن أخطار الألغام ضمن المناهج المدرسية وبرامج التوعية المجتمعية بأساليب مناسبة للفئات العمرية المختلفة، علاوة عن الالتزام بالمعاهدات الدولية مثل معاهدة أوتاوا لحظر الألغام ولاتفاقية الذخائر العنقودية لضمان عدم استخدام هذه الأسلحة في المستقبل.
هناك أيضا دور يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عبر:
زيادة المساعدات اللوجستية: توفير دعم إضافي للمنظمات المحلية كالدفاع المدني، والشرطة المختصة بالكشف عن الألغام وتفكيكها، وتدريب المنظمات السورية: تعزيز قدرات المنظمات المحلية على إزالة الألغام والذخائر العنقودية غير المنفجرة، مع رفع التوعية المجتمعية بالمخاطر المرتبطة بها وتحديد المواقع الأكثر تلوثاً.
تخصيص موارد مالية: توفير تمويل معتبر من صندوق الأمم المتحدة المخصص للمساعدة في إزالة الألغام الناتجة عن النزاع السوري، والدعوة إلى جهود تطهير مستمرة: ضمان استمرار الدعم الدولي لجهود إزالة الألغام في المناطق المتضررة للحد من المخاطر طويلة الأجل.