يرى السياسي اللبناني د. فارس سعيد أن التفاهمات الكبرى هي التي تُساعد على ملء الشغور في الاستحقاق الرئاسي ووضع حدٍ لما يُعاني منه لبنان، وهذا أمر ليس بجديد. وما حصل اليوم هو أن انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزف عون أتى باندفاعة عربية – دولية في لحظة تبدلات كبرى في المنطقة على حساب أي مبادرة داخلية، فتكيّفت القوى الداخلية مع هذا الاندفاعة الخارجية، وأصبحت – حتّى المعرقلة منها مثل «حزب الله» وحركة «أمل» ـ تلتحق بركب هذا العصف السياسي والنفوذ الكبير الذي تحقق من خلال التفاهم العربي ـ الأمريكي.
النائب الأسبق عن بلاد جبيل، والذي كان أميناً عاماً لقوى 14 آذار – تلك الانتفاضة الشعبية التي وُلدت من رحم اغتيال الرئيس رفيق الحريري 2005 – وكان معارضاً بشدة لسقوط لبنان في الفلك الإيراني، وأسَّس مع آخرين «المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان»، يُعبِّر اليوم عن ارتياحه للمرحلة المقبلة وينظر إليها بكثير من الأمل، ويقول: «لست قلقاً على أي شيء، والأمور ستأخذ مكانها بشكل تدريجي، وأعتقد اننا نسير في الاتجاه الصحيح».
يؤكد أنه ما عادت واردة إمكانية ارتداد «حزب الله» إلى الداخل. ولا «الحزب» اليوم في موقع فرض الشروط أو الاصطدام. وقد انتهت سردية السلاح. أما إذا كانت هناك حاجة لإعطاء بعض الهدايا السياسية لفريق مأزوم على المستوى السياسي والعسكري والمعنوي، وإلى وجود بعض الترتيبات من أجل ضبط هواجسه، فهذا شيء طبيعي ما دام يتم في إطار الدستور والقانون ومقابل العودة إلى شروط الدولة اللبنانية.
يُصدِّق فارس سعيد آموس هوكشتاين المبعوث الرئاسي الأمريكي بأن إسرائيل ستنسحب كلياً من الأراضي اللبنانية. في رأيه أن الرئيس جوزف عون، من موقعه السابق كقائد للجيش وقائد منطقة الجنوب ويعرف جغرافية المنطقة، هو الوحيد القادر على «لبننة» القرار 1701 وتنفيذه بحذافيره. و«اللبننة» هنا تعني أنها للمرة الأولى منذ 1969، سيكون الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل، وستُقفل هذه الجبهة من أن تكون لها وظيفة إقليمية.
وفي نظر الطبيب الذي لا يتعب من السياسة، وقرَّر بعد انتخاب الرئيس أن يتوقف عن كتابة التغريدات النقدية لفترة من الزمن، أن المرحلة الراهنة تشبه مرحلة العام 1920، حيث يُعاد ترسيم النفوذ السياسي في المنطقة لقرن من الزمن، ما يجعل لبنان أمام مفترق طرق كبير وعلى موعد لبحث مستقبل المنطقة، وعليه أن يأتي إلى هذا الموعد وألا يغيب، وأن يتمسك بالمبادرة العربية للسلام التي أُعلنت في بيروت في العام 2002.
التحدي المطلوب بالنسبة لسعيد، في ظل كل التحولات الكبرى من حولنا، أن نرفع عنوان المرحلة «الدستور أولاً» بعدما كان في 2005 «لبنان أولاً»، فـ»الدستور أولاً» هو الطريق لإنقاذ لبنان والالتحاق بكل دوائر القرار العالمية.
وهذا نص الحوار:
○ تم الاستحقاق الدستوري بعد سنتين وشهرين، كيف حصل؟ من حيث توقيته والقوة الضاغطة والأسباب؟ كيف وصل قائد الجيش العماد جوزف عون إلى رئاسة الجمهورية بحسب قراءتك؟
• حصل التقاء بين عاملين اثنين، العامل الأول هو الشلل الداخلي الذي فرضه «حزب الله» على اللبنانيين منذ أن تسلم مقاليد الحكم في لبنان، وبالتحديد عندما بدأ بما عُرف بـ»حرب المساندة»، حيث فرض على اللبنانيين منطق «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وبالتالي ساهم بشلل المؤسسات اللبنانية كلها بدليل الشغور في سدة رئاسة الجمهورية لمدة سنتين وشهرين، وثانياً شلل العمل في مجلس النواب، وثالثاً إبقاء حكومة تصريف الأعمال، ما أدى إلى تحلّل تدريجي لأركان الدولة في لبنان أمام تعاظم نفوذ «حزب الله»، هذا العامل الأول، وبالتالي ليست هناك أي مبادرة داخلية أدت إلى انتخاب الرئيس جوزف عون. كل مَن يدّعي أنه قام بأي عمل أو أي مبادرة داخلية للوصول إلى هذه النتيجة، أعتقد أنه يبالغ أو يبحث لنفسه عن دور. أمام هذا الشلل، برز العامل الثاني لأن «الطبيعة تكره الفراغ»، وهو التغيير الهائل الذي حصل في المنطقة والذي أدى إلى انهيار الوظيفة الإقليمية القديمة لـ«حزب الله»، وسقوط النظام السوري، وانهيار حلف الأقليات، وقطع طريق طهران ـ بيروت. كل هذه العوامل مجتمعة، فضلاً عن اغتيال أمين عام «الحزب» السيد حسن نصرالله، أدَّت إلى تبدُّل المشهد السياسي الإقليمي، والذي انعكس على الداخل في لبنان تبدلاً لمصلحة منطق قيام الدولة. هنا أتت المبادرة العربية ـ الأمريكية من ضمن اللجنة الخماسية، أي مبادرة عربية ـ أمريكية ـ فرنسية ـ مصرية ـ قطرية، إنما الدور الأبرز كان للمملكة العربية السعودية وللولايات المتحدة الأمريكية، والدور الذي لعبته السعودية كان دوراً محورياً، بدليل أنهم أوفدوا إلى لبنان – للمرة الأولى منذ نحو 11 عاماً – مسؤولاً رفيع المستوى هو الأمير يزيد بن فرحان من أجل معالجة موضوع شغور رئاسة الجمهورية، وبالتالي يمكننا القول إن انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان أتى باندفاعة عربية – دولية في لحظة تبدلات كبرى في المنطقة على حساب أي مبادرة داخلية، فتكيّفت القوى الداخلية مع هذا الاندفاع الخارجي، وأصبحت تلك القوى – حتّى المعرقلة منها مثل «حزب الله» وحركة «أمل» ـ تلتحق بركب هذا العصف السياسي والنفوذ الكبير الذي تحقق من خلال التفاهم العربي ـ الأمريكي.
○ انتخاب ميشال عون في 2016 جاء بعد فراغ رئاسي امتد لأكثر من سنتين ونصف وسط تحولات إقليمية فعلت فعلها على الداخل اللبناني؟
• ما أردت قوله هو إنه أتت لحظة مناسبة للسير باتجاه من الفراغ أو الشلل الداخلي من خلال التبدلات الإقليمية. في المراحل الماضية، الأمور كانت كما هي: هناك النفوذ الإيراني، كما نعرفه في سوريا ولبنان والعراق، فضلاً عن غزة من خلال حركة «حماس»، وكانت أيضاً التفاهمات الأمريكية ـ الإيرانية في العام 2015 في ذروتها، بمعنى أن إدارة الرئيس باراك أوباما كانت أنهت مشكلة الملف النووي مع إيران، وسقطت حلب في العام نفسه، وسقطت معها المعارضة السورية بمعناها العريض.
اليوم التبدلات الهائلة التي حصلت في المنطقة أتت في لحظة مؤاتية من أجل أن تستفيد من هذا الفراغ اللبناني وأن تدفع باتجاه انتخاب جوزف عون.
○ في المحصلة، انتخاب ميشال عون أتى نتيجة موازين قوى إقليمية، وانتخاب جوزف عون اليوم يأتي نتيجة موازين قوى إقليمية، إنما مع تبدُّل الاتجاه، بمعنى أن لا شيء تغيَّر على مستوى تأثير الخارج على الداخل؟
• هذا ليس بجديد في لبنان. الرئيس فؤاد شهاب وصل في العام 1958 نتيجة تفاهم عربي ـ أمريكي، أي تفاهم جمال عبدالناصر مع الولايات المتحدة، وفي العام 1976 وصل إلياس سركيس إلى موقع الرئاسة في إطار تفاهم عربي ـ سوري – أمريكي ـ دولي، وفي العام 1989 وصل رينيه معوض في إطار هذا التفاهم. التفاهمات الكبرى عملياً هي التي تساعد على ملء الشغور ووضع حد لما يُعاني منه لبنان.
○ النائب محمّد رعد (رئيس كتلة الوفاء للمقاومة) حاول الإيحاء بأن «الثنائي الشيعي» (حزب الله وأمل) التحقا بالتوافق بعد ضمانات حصلا عليها نتيجة مفاوضات خلال فترة الساعتين اللتين فصلتا بين جلستَي الانتخاب… ماذا يمكن أن تكون تلك الضمانات؟
• أعتقد أن «الحزب»، بعد خسارته الكبرى في المنطقة، يسعى أمام جمهوره للقول إنه قادر على فرض شروطه، وقادر على انتزاع الضمانات من هذا وذاك. هذا كلام من أجل حفظ ماء الوجه أمام جمهوره أكثر مما هو كلام جديّ باتجاه الحصول فعلياً على ضمانات. الرئيس جوزف عون – من خلال موقعه في قيادة الجيش وقبلها في قيادة منطقة الجنوب- يُدرك تماماً معنى تنفيذ القرار 1701، وتنفيذ قرار وقف إطلاق النار، وفي الوقت نفسه يريد تجنيب لبنان أي اصطدام مع «الحزب». لا أعتقد أن «الحزب» اليوم هو في موقع فرض الشروط أو الاصطدام، الأمور ستأخذ مكانها بشكل تدريجي، ونحن نسير في الاتجاه الصحيح.
○ هل يمكن أن يكون ما حصل عليه الثنائي يتعلق بتركبية السلطة وليس بمسألة الـ1701 وإمكانية التواطؤ لبقاء أي نوع من السلاح؟
• لم تعد هناك إمكانية لإبقاء السلاح على وضعه الحالي، فوفقاً للدستور ولاتفاق الطائف وللقرار 1701 الذي يتضمن القرارين 1559 و1680 انتهت سردية السلاح. كلامهم فقط يبقى في خانة رفع المعنويات.
○ سؤالي هو أن الضمانات قد لا تكون متعلقة بالسلاح لأن هذا الموضوع أصبح منتهياً، هل تكون الضمانات التي يتكلمون عنها تتعلق بتركيبة الدولة، أي في الموقع السياسي للثنائي الذي يتمثل بحصوله على وزارة المالية، وإعطائه اليد الطولى في إعادة الإعمار من خلال «مجلس الجنوب» وضم منطقة البقاع إلى صلاحيات هذا المجلس، بحيث يحصد «الثنائي» سياسياً نتائج إعادة الإعمار؟
• إذا اعتبرنا أن خطاب القسم هو نص مرجعي سيعود إليه رئيس الجمهورية ومعه الحكومة مجتمعة لرسم سياسة الدولة خلال السنوات الست المقبلة، فإن خطاب القسم لم يتكلم عن تمييز لأي طائفة أو لأي فريق، بل بالعكس تكلم عن وجوب عدم التعاطي على قاعدة أن هناك فريقاً مميزاً وأفرقاء غير مميزين. أما إذا كانت هناك حاجة لإعطاء بعض الهدايا السياسية لفريق مأزوم على المستوى السياسي والعسكري والمعنوي، فأنا شخصياً لست ضد هذا الموضوع، شرط أن تنتزع في المقابل الجمهورية اللبنانية من هذا الفريق العودة إلى شروط الدولة اللبنانية، أي شروط القانون والدستور والتساوي بين مواطن وآخر وعدم التعاطي مع اللبنانيين على قاعدة أن هناك فريقاً مميزاً يحمل السلاح وهو فوق القانون، وفريق آخر غير مميز وتحت القانون. هذا ما يجب أن يكون. وإذا بانت الحاجة، في إطار تنفيذ القانون والدستور على الجميع، إلى وجود بعض الترتيبات من أجل ضبط هواجس فريق مُعيَّن في لبنان، فهذا شيء طبيعي ما دام يتم في إطار الدستور والقانون.
○ اللافت في خطاب القسم أن رئيس الجمهورية أقسم على أن يكون الخادم الأول في الحفاظ على الميثاق ووثيقة الوفاق الوطني… كان من الممكن أن يختصر ويقول: الحفاظ على الدستور؟
• تكلم عن الدستور وتمسك به. أعتقد أنه يدرك تماماً دقة الوضع وكيف يجب أن تُدار الأمور. وثيقة الوفاق الوطني هي وثيقة العقد الاجتماعي ـ السياسي بين اللبنانيين، أي بين المسيحيين والمسلمين، وهذا التأكيد ـ برأيي ـ يتجاوز أو يتساوى مع التمسّك بالدستور، وهذا شيء جيد. لفتني أيضاً في خطاب القسم كلامه بأنه يريد أن يكون حكماً وفقاً للدستور، وبالتالي إذا كان أحد يخاف من أنه يريد أن يكون حاكماً بعضلات المملكة أو أمريكا، فقد أتى ليقول أنا لن أستقوي على اللبنانيين بالخارج.
○ جملة «أن يكون حكماً» تشي بفهمه للفلسفة الحقيقية لدور رئيس الجمهورية؟
• أعتقد أن رئيس الجمهورية إذا مارس دوره بوصفه حكماً، فسيكون أهم حاكم للبنان. أما إذا أراد أن يكون حاكماً فسيصطدم مع كل حكام لبنان.
○ ماذا غاب عن الخطاب؟
• ما غاب عن خطاب القسم، وهو غياب ليس سلبياً بل ربما إيجابي، الكلام عن قرارات الشرعية الدولية (1701 و1559 و1680)، إنما عندما يقول ببسط سيادة الدولة على كامل التراب اللبناني، وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، والتمسك بوثيقة الوفاق الوطني وبالعقد الاجتماعي بين اللبنانيين والتمسك بالدستور، فكأنه يقول أيضاً التمسك بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. وأنا لم يزعجني غياب قرارات الشرعية الدولية لأن الخطاب كان يحمل في متنه كل عناصر السيادة والاستقلال وفقاً للدستور ووثيقة الوفاق الوطني.
○ غياب ذكره التمسك بقرارات الشرعية الدولية، هل هو لعدم استفزاز فريق معيَّن يعتبر أن تطبيق تلك القرارات انتكاسة له؟
• هو لم يذكر كلمة المقاومة، ولم ترد في كل سرديته، لكنه قال إنه سيدافع عن لبنان أمام مطامع إسرائيل من خلال الدولة اللبنانية، وتكلم عن سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. هي مخارج لفظية للتأكيد على بسط سيادة الدولة على كامل التراب اللبناني، وللتأكيد على أن النص المرجعي لتنظيم العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية يبقى وثيقة الوفاق الوطني والدستور.
○ انتخاب رئيس الجمهورية كان اللبنة الأولى في بناء الدولة ولكننا نحتاج إلى عدة العمل كاملة، أي رئيس الحكومة والحكومة، وما يأتي تفصيلاً لما أسميته الخطاب المرجعي، فهل ستكون المهمة سهلة؟
• لا، المهمة ليست سهلة، وأعتقد أن الرجل يدرك صعوبة الظروف، ولكنه عازم من خلال تجربته، ومن خلال وعد قطعه على نفسه، على أن يُنجز المهمة.
○ البعض يقول إنه طالما كانت هناك رعاية عربية ودولية أنتجت رئيساً للجمهورية، فمن الطبيعي أن تكون هناك رعاية لعملية استكمال تركيب السلطة التنفيذية بدءاً من رئيس الحكومة إلى الوزراء؟
• أنا لا أملك أي معلومة بهذا الاتجاه، إنما أتكلم من باب القناعة والتحليل. وأعتقد أن الاندفاعة العربية ـ الدولية التي أتت بجوزف عون رئيساً للجمهورية في لبنان، هي نفسها ستفضي إلى تسمية رئيس حكومة وتشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن.
○ هذا الرئيس يأتي بعنوان أول، في هذه الفترة، وهو رعاية تطبيق مضامين ومخرجات بنود القرار 1701، يعني مهمة وضع نهاية مؤكدة لجبهة الجنوب وعودتها إلى أن تكون الحدود اللبنانية – الإسرائيلية (مقاطعاً)
• إقفال جبهة الجنوب من باب «اللبننة»، أي أنه يريد «لبننة» القرار 1701، وهو الوحيد القادر على ذلك، وربما هذه هي الدوافع التي أدت إلى هذا الدعم الدولي له، فهو من خلال كونه قائداً للجيش ومعرفته بالجغرافيا العسكرية الجنوبية واللبنانية بشكل عام، يصبح القادر الوحيد الذي يمكنه «لبننة» القرار 1701 وأن يقوم بتنفيذه بحذافيره.
○ يعني أننا انتهينا من موضوع تحويل ساحة الجنوب إلى ورقة لها وظيفة إقليمية؟
• نعم، وهذا لأول مرة منذ العام 1969. لقد تناوبت على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية أولاً المقاومة الفلسطينية، ومن بعدها المقاومة اللبنانية الوطنية، ومن ثمَّ المقاومة الإسلامية، واليوم أعتقد أنها المرة الأولى منذ العام 1969 سيكون على الحدود الجنوبية اللبنانية الجيش اللبناني بإمرة الحكومة اللبنانية. هذا ما حاولنا أن ننتزعه في العام 2006 مع صدور القرار 1701، إنما بروز نفوذ إيران في لبنان والمنطقة أدى إلى تفريغ هذا القرار، وإلى إطلاق «حرب الإسناد» في تشرين الأول/أكتوبر 2023. المطلوب اليوم هو إعادة ترميم القرار لأنه القرار الوحيد الذي يدافع عن لبنان ويحميه. أعتقد أن من إحدى المهمات الأساسية للرئيس جوزف عون هي «لبننة» القرار وعودة الدولة اللبنانية إلى الحدود مع إسرائيل.
○ على افتراض أن «حرب الإسناد» لم تُعلن، هل كنا سنشهد هذه التغيّرات والتوازنات في المشهد اللبناني؟
• كان من المناسب لإسرائيل أن يبقى «حزب الله» كما هو وعلى وضعه، وأن تكون المناوشات مدروسة من قبل الطرفين. وبعث المجتمع أكثر من موفد خلال عام 2024 من أجل إقناع «الحزب» بالخروج من «حرب الإسناد» وإلا… لكنه لم يقتنع، فأتت وإلا.
○ من خلال التجارب الماضية تعلّمنا أن ليس هناك من نهائيات، ففي العام 2005 شهدنا تحولاً تمثل بخروج الجيش السوري، ولكن دائماً تعود التحولات وتتغير ويُراهن عليها. برأيك هل ما تشهده المنطقة تحت عنوان إعادة رسم شرق أوسط جديد قابل للحياة لفترة طويلة؟
• نحن أمام قرن جديد من الزمن. المرحلة اليوم تشبه مرحلة 1920 بعدما تمّ انهيار السلطنة العثمانية، وبداية الانتداب الفرنسي ـ البريطاني على المنطقة من خلال اتفاق «سايكس – بيكو». اليوم يُعاد ترسيم النفوذ السياسي في المنطقة، وإعادة الترسيم هذه والترتيب للأوضاع الاقتصادية والمالية، وللنفوذين السياسي والعسكري في المنطقة ستستقر لنحو مائة سنة، كما استقرت لنحو مائة سنة الحالة السابقة. لبنان هو جزء من استقرار المنطقة، كما أن سوريا هي جزء من استقرار المنطقة وكذلك اليمن والعراق. هذا الموضوع يجب أن نأخذه باتجاه أننا أمام مفترق طرق كبير، وأمام موعد لمستقبل المنطقة، وعلى لبنان أن يأتي إلى هذا الموعد وألا يغيب.
○ لكن الالتحاق بهذا القطار له حدَّين أدنى وأقصى وعنوانه التسويات تمهيداً لإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فهل لبنان على استعداد لأن يكون جزءاً من إنهاء الصراع العربي- الإسرائيلي ومع قطار التطبيع، أم سيكون آخر دولة توقِّع على اتفاقية السلام؟
• أولاً، لبنان متمسك بالمبادرة العربية للسلام التي أُعلنت في بيروت في العام 2002، وسيكون مع الأخوة العرب في عملية إعادة ترتيب المنطقة التي تتضمن أيضاً موضوع حل القضية الفلسطينية، وبالتالي ما يرتضيه العرب لأنفسهم نرتضيه نحن للبنان، وما يرتضيه الفلسطينيون لأنفسهم نرتضيه نحن في لبنان، إنما لا أحد يطلب منا بـأن نقوم بأكثر من قدرتنا على التحمُّل.
○ وإلى أين تصل درجة تحمّلنا؟
• إذا بقيت الأمور على هذا المنوال من دون أي حل على مستوى المنطقة، فلن نصل إلى نتيجة. نحن نريد استقرار المنطقة لأن استقرارها يمر عبر المعادلة التي طرحتها المبادرة العربية للسلام: الأرض مقابل السلام. فأين ستكون هناك مصلحة للبنان سنكون، أي سنكون – على المستوى الوطني – على موعد مع مصالحنا.
○ هناك شعور بأن لبنان يعيش مرحلة انتقالية بانتظار موعد استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة التي قد تفرز تحولات في الطبقة السياسية؟
• أنا ضد إجراء انتخابات نيابية قبل إجراء إصلاحات جذرية في بنية قانون الانتخاب وعملية إنتاج السلطة. أنا مع اتفاق الطائف، وهو ليس قائمة طعام نأخذ منها ما نريد ونرفض ما لا نريد.
○ واضح من خطاب القسَم أننا سنشهد قانون انتخاب جديداً وأن المغتربين سيشاركون بالتصويت، فماذا على القوى الحية أن تفعل خلال السنة والنصف المتبقية من عمر هذا المجلس؟
• أعتقد أن على القوى السيادية أن ترفع عنواناً واحداً هو «الدستور أولاً»، والذي هو العنوان السياسي الوحيد الذي يُنقذ لبنان وينقله من مرحلة إلى أخرى، وربما يساعد السلطة السياسية اللبنانية المتمثلة بفخامة الرئيس والحكومة المقبلة على هذا الانتقال. في العام 2005 قلنا «لبنان أولاً»، وفي العام 2025، أي بعد 20 سنة، لنا الحق أن نقول «الدستور أولاً». فالدستور هو الفيصل وهو طريق العبور إلى الإصلاح وإلى المحافظة على المصالح وفقاً للقانون، وبالتالي ما أطلبه، وما كنت أطلبه قبل انتخاب جوزف عون، وأشدِّد عليه بعد انتخابه، هو التفاف أكبر عدد من اللبنانيين حول هذه الفكرة، ونحن في هذا الشهر (شهر كانون الثاني/يناير) سنطلق تياراً اسمه «الدستور أولاً».
○ هل باستطاعة المجموعات اللبنانية والقوى الحية، خلال هذه «الفترة الانتقالية»، أن يُحضّروا أنفسهم ليكونوا عنصراً فعالاً في إنتاج طبقة سياسية جديدة؟
• نحن لسنا مرشدين سياسيين لأحد، بل نقول إنها مرحلة جديدة في المنطقة، وهي مرحلة جديدة في لبنان. في سوريا ليس هناك من دستور، وأحمد الشرع (القائد العام لإدارة سوريا الجديدة) يقول إنه ربما بعد ثلاث سنوات سيكون لديهم دستور، ولا إمكانية لإجراء انتخابات فورية، ولا وجود لإدارة ولا لدائرة نفوس. إيران خرَّبت كل شيء من أجل التضليل وربما من أجل التبدُّل الديموغرافي داخل سوريا. نحن لا نعاني من هذه المشاكل، نحن لدينا دستور، ولدينا وثيقة وفاق وطني ودولة، ولدينا الرغبة بالقول: كفى، وأننا نريد الالتحاق بكل دوائر القرار العالمية، ولا يمكن أن يبقى الأمر كما هو عليه.
○ برأيك ستنسحب إسرائيل إلى الحدود المعترف بها دولياً؟
• هذا ما قاله (آموس) هوكشتين وأنا أصدقه.
○ أي لن سيكون هناك «مسمار جحا» يُعيد الحديث عن ضرورة وجود مقاومة؟
• لا أعتقد.
○ ماذا عن تحدي إعادة الإعمار، ونحن أيضاً بحاجة إلى نهضة اقتصادية بعد سنوات الانهيار؟
• سيكون هناك مؤتمر لأصدقاء لبنان في عاصمة أوروبية ربما في باريس، وسيخصص لمساعدة لبنان على إعادة النهوض وهذا أمر متفق عليه. وزيارة الرئيس الفرنسي (إيمانويل) ماكرون إلى لبنان ستكشف عن طبيعة هذا المؤتمر وستكون إعادة الإعمار من أولوياته.
○ وهل لديك خشية من عمليات اغتيال أو فوضى وأعمال شغب؟ وماذا عن تخوفك الدائم من ارتداد «حزب الله» إلى الداخل؟
• أنا متفائل وأنظر بعين الأمل إلى المرحلة المقبلة ولست قلقاً على أي شيء. ومسألة ارتداد «الحزب» إلى الداخل انتهينا منها.
○ ومَن هو الخاسر ومن هو الرابح من وصول الرئيس جوزف عون، فكل طرف ينسب إلى نفسه الفضل في إيصاله إلى سدة الرئاسة؟
• هذا أمر طبيعي أن ينسب كل طرف لنفسه أنه الذي ساهم في إيصال الرئيس إلى قصر بعبدا، ونحن لسنا في موقع ولا بحاجة لأن نقول لهم إنكم لم تساهموا في إيصال عون. إنما موضوعياً الخاسر هو منطق الدويلة على حساب الدولة، والخاسر هو أن القوى السياسية مجتمعة، التي ساندت أو التي لم تساند جوزف عون، بيَّنت أمام اللبنانيين أن العجز والشلل هما سيدا الموقف، وبالتالي لبنان بحاجة إلى مبادرة ورافعة خارجية لتحريك الأوضاع.