«خزانة الأحذية» رواية الأردنية تغريد أبو شاور: الاستعانة بالجماد للدفاع عن البشر

صابر رشدي
حجم الخط
0

تمهد الكاتبة الأردنية تغريد أبو شاور لعملها الأخير «خزانة الأحذية» بإهداء حزين، ثم بكلمات أشد حزنًا للشاعر السوري محمد الماغوط، تلقي ظلالها القاتمة على بقية أحداث الرواية، ففي تلخيص بارع لفكرتها، تستعين بفقرة للشاعر الكبير يقول فيها وهو يشعر بخيبة الأمل: «أنا مثل السجين الذي ظل عشرين عاماً يحفر نفقاً في زنزانته، ثم اكتشف أن النفق الذي حفره يؤدي إلى زنزانة أخرى».
يبدأ الفصل الأول، الذي جاء بدون عنوان بخلاف بقية الفصول، بحكاية عن احتفال كبير بإمبراطور مرَّ على توليه الحكم تسعة وأربعون عاماً. أتمهل هنا لحظة؛ لأقر بأنني كدت في البداية أتوقف عن القراءة لكثرة التفاصيل والإمعان فيها، على نحو شديد الإسهاب: «جلس كل موظفي الديوان، وأصحاب المعالي، ومسؤولي المراسم، ومصممي التذكارات، ومستشاري الدروع، ومتعهدي الحفلات، ورؤساء الدوائر التعليمية والمراكز الصحية، والقوات البحرية والجوية والبرية. والحرس الخارجي والداخلي، وأصحاب الأسواق، وممثلي السفارات، والنافذين من أصحاب رؤوس الأموال؛ لأجل التخطيط لهذا الحفل الذي يريدونه لائقاً بالإنجازات الفكرية والصحية والعلمية والتحررية التي حققها الإمبراطور منذ توليه الحكم، تخليداً لذكرى عرشه الخمسين».
فصل طويل، مزدحم، بالوصف المفرط، يدور حول هذا الاحتفال المهيب. لكني سرعان ما وجدت المبررات الفنية التي كانت وراء هذه الإطالة. فعند مواصلة القراءة سنكتشف بسهولة أن هذا التمهيد لم يكن سوى خطاب إدانة طويل، سرد تهكمي ساخر، وفاضح، لخواء النظم الحاكمة، التي تستعرض اللاشيء، وتزيف منه إنجازات غير محدودة. إنه حاكم من عالمنا، المنكوب بهذه النوعية الفارغة، التي لا تستطيع مهما تجمَّلت، ووضعت مساحيق ثقيلة، أن تغطي على الخراب الذي تعاني منه شعوبها. لقد تمت الإشارة إلى عديد من النظم من خلال هذا النموذج، ثم جاء التعريض بحاشيته ومنافقيه، وكل من يدور في فلكه أيضاً، من خلال الوصف اللاذع. رغم التهويم، وتضبيب صورة هذا الزعيم الاستعراضي، فقد ذهبت الكاتبة إلى رصد الواقع، والتطورات المهينة على مجريات السياسة، وأثرها المأساوي في البشر، من خلال الفصول التالية، معتمدة على الخيال، واستنطاق الأحذية، إعطاءها الحديث بجرأة فائقة، لا نجد لها نظيراً، كي تعبر عن شخصيات العمل.
الأحذية هنا، بإدراكها الغرائبي لسرّ صمت البشر، والقيود الحديدية المفروضة عليهم، هي التي ستحدد مسار العمل، ستنطق بالمسكوت عنه، هذا الذي يأتي عرضاً، أو همساً، على الألسن. لكن نصيحتي للقارئ، ألَّا يتناسى أحداث الفصل الأول، حتى يستطيع المقارنة بين عالمين متناقضين بصورة صارخة، أرادت الكاتبة من خلال تركيزها الحاد فيهما، أن تشير إلى الفوارق الكاسحة بينهما، بوضع الأحداث في مسارها الحقيقي، وتضخيمها، واستعراض الهوة السحيقة التي تفصل بينهما، حتى تحفر مكانها في الذاكرة. لقد بدأت بالواقع، الذي نعاينه، مكرهين، وعلى مضض؛ لتفسح بعدها المجال للخيال، وحيل السرد، مقررة أن تكون الأحذية شاهدة على ما جرى.
كل فصل هنا يصلح كقصة قصيرة منفصلة، لو تمّ رفعه من الرواية، ونشره منفرداً، رغم اتصاله الوثيق ببقية الفصول. فهو عبارة عن مونولوغات فردية، يتحدث فيها الحذاء نفسه، معبراً عن حكاية مُنتعله، راوياً بأسى ظاهر، وبقدر من الشغب، عارضاً المصاعب والعراقيل كما هي. سرد ذاتي بضمير المتكلم، لكنه يتحرك بصيغ فنية في جميع الجهات كراوٍ عليم، كلي المعرفة، لمحاولة تكوين صورة شاملة.
لا تقدم الكاتبة حلولاً، ولا تقترح مشاريع مثالية للإصلاح، ــ فهذا ليس دور المبدع – لكنها، مع ذلك، تترك العنان للحدث كي يفرض بصماته الغائرة. فهي، في حقيقة الأمر، تقدم عرائض دفاع عن حق المواطن في الحرية، وفي الحلم بحياة أفضل، لا تقل إنسانية عن تلك التي يتمتع بها مواطن بلدان الهجرة المنشودة. لمَ لا.. نستشعر ذلك دون أن نقرأه. فواقعية ما يجري، في مجتمعات النظم الهشة، واقعية تعيسة، وذات طابع قاتم، لا يخفى عن الجميع داخلياً وخارجياً.
في الفصل المعنون بـ«من الفيترينا إلى البحر» تُطرح حقائق عالم الهجرة غير الشرعية، على نحو لا تتعارض فيه عناصر التخييل مع قسوة الواقع الذي نعرفه:
«أتجمد في القارب المطاطي المزدحم والماء ينسرب إليَّ من ثقب بنعلي حتى أعلى الرقبة، أحكُّ فردتيّ ببعضهما كي أخفف من قسوة البرد. أقاوم أكثر لأجل الطفل الصغير الذي ينتعلني، فأنا لا أريد له أن يبرد مثلي، ولا أن يصيبه أذى، أتماسك بكل شجاعة أقدر عليها حتى آخر لحظة لأجله، قررت أن لا ينتهي حلمه وأن لا يموت قبل أن تنتهي هذه الملحمة».
أن يتحرك الجماد متألماً، وهو يصف أحوال البشر، فهذا أمر يستحق الرثاء حقاً. هكذا يبدأ الحذاء من أعلى نقطة، ليعود إلى الوراء، بتقنية «الفلاش باك»، ليحكي عن أيام تواجده في محل الأحذية، وراء فيترينا زجاجية، يشاهد الطفل، ونظراته، عندما يمر أمامه هو ووالده، حتى تحقق الحلم بشرائه في نهاية الأمر، ليبدأ مع الأسرة رحلة من رحلات العذاب، في الطرق غير المطروقة، فوق الحصى، والرمال حتى ينتهي بهم المطاف إلى البحر، إلى قوارب الهجرة غير الشرعية. يصف، مشفقاً، ما يدور على ظهر القارب من إهانات، وخوف، وبرد قاسٍ، ورياح قوية، وموج عالٍ، حتى يصل إلى النقطة الأخيرة الفاجعة:
«هوينا في قاع البحر معاً: طفل صغير وفردة حذاء واحدة».
هروباً من التسمية، تلجأ الكاتبة إلى اختراع شخصيات بلا أسماء، بلا هوية محددة، كأنها لا تحتاج إليها، وهي تصف أوجاعا ومآسيَ لا حصر لها. التعميم يجعلنا نمد طرف الخيط على آخره، ونفكر في أبناء جنسيات عدة تتشارك هذه الهموم، وتعاني من المشكلات نفسها. لذا يخاطرون بأنفسهم، في رحلات غير مضمونة النجاح، انتحارية في معظمها، وهم يهربون إلى مرافئ أوروبا، حيث أسباب الرفاهية التي استقرت هناك منذ عقود بعيدة.
نأتي إلى نموذج آخر من البشر، يستعير الحذاء حكايته، ليسردها علينا. لكننا، في هذه المرة نعاين حالة على النقيض تماماً، حذاء من الساتان، تنتعله باليرينا، سنتحرك معه في رحاب عالم مخملي، ساحر، يضفي على الرواية ديناميتها التي بدأت في الوضوح فعلاً، فصلاً بعد آخر. لكن هذا العالم هو عالم مسروق من الفقراء، إضاءة على التناقضات الصارخة، عندما يصف الحذاء رحلته مع راقصة الباليه، على مسارح النخبة، بصحبة روائع الموسيقى الكلاسيكية، في مظاهر كرنفالية، ترفل في صخب الاحتفالية الضخمة بالإمبراطور، لكنه أيضاً، يمر بنا على دروب شائكة، مفروشة بالأحزان. قصته مع الباليرينا التي بُترت إحدى قدميها إثر حادث، ثم رحلته مع الطفلة الصغيرة، التي ستأخذنا معها إلى سنوات تعلقها بالحذاء، حتى أصبح على مقاس قدميها، إنه الحذاء المتهالك، الذي سترتقه أم الطفلة، وتستبدل بشريطه القديم شريطاً آخر وردياً، من حذاء كانت قد وجدته يوماً على شاطئ البحر.
هذه الرواية لا تعتمد إطلاقاً على التسلية، ودغدغة مشاعر القارئ بحكايات مبهجة، بل هي عبارة عن وخزات شائكة، إعادة تذكير بما نعرفه، ونتابعه باعتيادية. رواية عن بشر وصلوا إلى العالم متأخرين، بعدما تم توزيع الأدوار على الرجعيات، والتابعين، وفق لعبة خطرة، يسقط في الطريق من يحاول أن يغير قوانينها، أو يفكر في التمرد على المتحكمين فيها، وواضعي خططها.
تدخل تغريد أبو شاور منذ البداية في عالم كبير، بالغ الاتساع، توغل فيه بوعي حاد، وبحكايات تمزج الهم العام بالهم الخاص، ويفتقر أبطالها تماماً إلى اللحظات الدافئة. إنها تتحدث عن شخصيات تستحق الرثاء والتعاطف، مقابل شخصيات أخرى، متناقضة، تستحق اللعنات، وتجعلنا نشعر بالغضب، ونحن نستخلص المعاني من وراء هذه الفوضى، من خلال اشتباك الرواية بالسياسي، والقص الذي ينتمي إلى تقاليد الحس الإنساني، ويهتم بالقضايا القومية. فهذا عمل تحذيري، يتفاعل مع الحاضر، طارحاً السؤال الحائر: «لماذا؟» لماذا يحدث كل هذا؟ سؤال يتسع جداً، ليستوعب كل شيء دون أن ينطق به، لكننا نردده بعد كل فصل، واضعين عدداً من الخطوط العريضة تحته، علَّنا نجد الجواب.
عندما يود الكاتب إخلاص النصيحة، أو التنبيه إلى خطورة المظالم الفادحة، يلجأ إلى الخداع الفني، تمويه الأمور، بين ما يود قوله، وما قصد إليه، وما قاله مباشرة. الاستعانة بالحيوانات، مثلاً، وسيلة من بين الوسائل الآمنة، فعلها قديماً الفيلسوف الهندي بيدبا في عمله الشهير «كليلة ودمنة». لقد أجرى الحكمة والنصيحة على لسان الحيوانات والطيور، وجعلنا نستخلص العبر من حكاياتهم، مموهاً آراءه الشخصية، تمسكاً بالحيطة والحذر، وهو بصدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ليلتقط الكتاب ويترجمه بعدها بقرون عديدة فيلسوف مسلم، عاصر الانتقال من الخلافة الأموية إلى الخلافة العباسية، ورأى البطش والجبروت، هو عبد الله بن المقفع، حيث صادف الموضوع هواه، ودخل على خط اهتمامه الشديد بالعلاقة بين السلطان والرعية.
في توازن نصي، تذهب الكاتبة إلى احتفالية الإمبراطور، لكي تستكمل إضاءة العالمين، تكشف مرة أخرى ما يجري. السارد هو حذاء النادل الذي يقدم المشروبات للحضور الكبير، بالتأكيد ليس هناك أفضل من هذا الشاهد، فهو الوحيد الذي يملك حرية الحركة بين الجميع، ما يجعله يرى كل الناس، ويراقب كل شيء، وهو يتقدم هنا وهناك، بعين ثاقبة، وانتباه حاد لأصغر الأمور، حذاء لامع يتحرك بخفة بين الطاولات، يتفقد الأحذية الأخرى، المستمتعة بالرقص، أو تلك المشغولة بالأحاديث الجانبية، حتى ينتبه إلى وجود أحد الجنرالات، أو على الأصح حذاء أحد الجنرالات، وحذاء أخر لشخص رياضي، يدور بينهما حوار طويل، مغلف برمزيات خفية، للمناورة والالتفاف على المعاني المباشرة.
هكذا تمضي تغريد أبو شاور، كلما تقدمت خطوة إلى الأمام، فصلاً وراء الآخر، لتفتح لنا مسارات سردية متنوعة، كاشفة لنا أوجه التنافر بين الإمبراطور والرعية، من خلال صنع المفارقة عن طريق التراجيديا، لتبرز للقارئ كثيراً من العوار والخلل في توزيع الثروات، والافتقار إلى العدالة، والبذخ الصارخ، والنهب المنظم، وحشود المنتفعين، الذين يجمدون الأوضاع القاسية، ولا يسمحون بالتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، حفاظاً على مصالحهم. عبر رواية لم تفلح ألاعيب السرد في طمس رسالتها، فها هي تغلق سطورها الأخيرة، بفقرة عن حذاء أب غارق في أحلامه أمام التلفاز، يستمع إلى مقطوعة تشايكوفسكي «مارش العبيد»، حيث دلالة الختام لا تخفى على أحد.

تغريد أبو شاور: «خزانة الأحذية»
وزارة الثقافة الأردنية، عمَّان 2023
171 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية