لا شيء مضمونا في هذه الحياة إلا الموت، وأعني هنا الشكل الطبيعي لوفاة بني البشر، كالشيخوخة أو الإصابة بالسرطان أو التعرض لحادث سيارة أو لرصاصة لص طامعٍ ببعض النقود والمجوهرات. يبدو الكلام حتى الآن اعتيادياً وغير قادر على إثارة غريزة القارئ المتمرس، ولكنني سأحرك المياه الراكدة في هذا المقال، وأقوم معكم بتكبير خريطة العالم لنركزها معاً عند منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وعلينا حينها أن نُحْضر صورتيْ الغلاف لروايتيْ الكاتب الراحل عبدالرحمن منيف «شرق المتوسط» و«شرق المتوسط مرة أخرى» ونصفهما بجانب خريطة هذه المنطقة المنكوبة التي يسميها الفرنسيون «ليفانت» وتعني شروق الشمس، لنكتشف بعد فوات الأوان بأنها منطقةٌ تبدأ الشمس بالبزوغ منها كل يوم، ولكن على مذبحة، وهي بذلك، وبرغم فظاعة عذاباتها، استطاعت ـ لأنها قليلة الحظ – أن تبتكر سبباً إضافياً للموت، وهو القتل الجماعي.
ظل احتلال فلسطين حجاباً تغطي به دكتاتوريات المنطقة على بشاعة أنظمة حكمها ودولها البوليسية المجرمة، كما كان أيضاً عُصابةً لفتها الجماهير العربية على عيونها، فغضت الطرف عما لحق بها من بطشِ وجورِ حاكميها كرمى لعيون تحرير فلسطين المزعوم في بداية الأمر، ولتحقيق الوحدة العربية بشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، لتصير لاحقاً تحت حالة الأمر الواقع التي أوصلتها إلى استبداد أنظمة تسلطت عليها في صورة عصابات أو مافيات عسكرية جمدت الحيوانات المنوية للتنمية والتعليم والصحة والبحث العلمي والتقدم التكنولوجي ورخاء الإنسان وكرامته، بانتظار حصول الإخصاب وولادة طفل الأنابيب المعجزة بعد زوال الاحتلال الصهيوني وتحرير الأرض السليبة.
لو عدنا إلى لغة الأرقام، والرياضيات لا تكذب أبداً، وحسبنا حجم الإنفاق العسكري المتضمن لكافة أنواع الأسلحة مضافاً إليها معاشات وإعاشات ومصاريف الجنود والضباط والقيادات المنتفخة البطون، لبكينا دماً على مئات مليارات الدولارات المهدورة، والتي لو قُيض لها أن تقع في أيدي حكومات رشيدة لتمكنت من بناء دول وشعوب عالية التعليم والتمدن والرخاء. وإن أنسى فلا أنسى صورة تعود للعام 1991 لطفل عراقي في منطقة الأنبار غرب البلاد، يظهر فيها حافي القدمين وممزق الهندام بجانب راجمة صواريخ تسبب شراؤها بحرمانه وأقرانه من أبسط احتياجات الطفولة البريئة.
لا أدعو هنا للاستغناء عن الجيوش الوطنية، التي حُل منها على أية حال أربعة جيوش عربية بداعي الفشل وسقوط النظام، فالجيش كما حفظنا في فروضنا المدرسية هو سياج الوطن وركيزة أمنه ووحدته واستقراره. ولكننا لاحظنا عبر تجاربنا المريرة أن هذه الجيوش صوبت بنادقها لا لحماية شعوبها، بل لقمعِها أو قتلِها إذا لزم الأمر، وقد وصلنا إلى مرحلة كفرت فيها الشعوب المقهورة بكل الشعارات الرنانة حول الوحدة والتحرير، لتخرج في ميادين العواصم مطالبة بالخبز والكهرباء، لا أكثر ولا أقل.
تأخرت الشعوب العربية لأكثر من قرن من الزمان حتى ثارت على الحكم التركي الذي همش البلاد العربية، ووجه إنفاق الامبراطورية العثمانية للتوسع غرباً عوضاً عن تنمية الأقاليم العربية البعيدة عن الآستانة، فكان المصير أن ثورتهم جاءت في الوقت غير المناسب، فهربوا من تحت الدلف التركي ليصيروا تحت مزراب الاستعمارين الانكليزي والفرنسي. ولكنهم لم يتعلموا من تجربتهم المريرة تلك، فتأخروا في الثورة على جلاديهم من بني جلدتهم لنصف قرن، أي منذ عهد الاستقلال القُطري الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بدء الربيع العربي، فأفلحوا بالتخلص من الاستبداد ليقعوا هذه المرة تحت مزراب الفوضى والتناحر الداخلي بأشكاله الطائفية والجهوية المختلفة.
لستُ متفائلاً على الإطلاق، وأرجو أن أكون مخطئاً، لأن هذه الدكتاتوريات العسكرية، وحكم الحزب الواحد القائد للأمة والدولة، أنهك المجتمع العربي وشوهه من الداخل، وحوله إلى مجاميع بشرية أنانية وخائفة وجاهلة وفاسدة وعنصرية. ولا يمكن بناء الدول الناجحة إلا بجهود جماعية تحترم الاختلاف والخصوصية وتؤمن بتداول السلطة والعدالة، بناءً على أسس الدولة المدنية الحديثة التي أنتجت نماذج ناجحة في مختلف بقاع العالم، وخصوصاً الجناح الغربي منه.
يترقب الجميع اليوم ما ستتمخضُ عنه الأحداث في سوريا الغالية، درة «ليفانت» والمشرق العربي، وما بين الأماني بالخير والمآلات الجميلة كي تكون جبراً لخاطر شعبٍ عانى ويلات الحرب واللجوء والقهر، إلى المخاوف من تدوير حالة الاستئثار بالسلطة وإن جاءت بشعارات براقة جديدة، لتكون المُخرجات غير معبرة عن تطلعات ملايين السوريين التواقين للحرية. حيث نتمنى مشاركة كافة ألوان الطيف السياسي في صياغة الدستور الجديد وقيادة المرحلة الانتقالية، فهناك الآلاف من قادة الفكر والسياسة الذين تعرضوا للقمع والإبعاد عن الوطن لعشرات السنين، والذين ساهموا في الوقت ذاته بالوصول إلى يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر الفائت. وهؤلاء يتوزعون على كفاءات علمية وثقافية وأكاديمية واقتصادية وعسكرية وأمنية عالية التميز، وهؤلاء نخبة من الشخصيات التي أثبتت مبدئيتها وحرصها على بلادها، وهم جاهزون بالطبع للإسهام في بناء سوريا الحديثة، وسيكون إقصاؤهم عن المشهد المقبل ضربةً موجعة للمشروع الوطني السوري.
الاستحقاقات السورية كبيرة، لا بل كُبرى، تبدأ من إعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة بعض المكونات الداخلية أو تلك الواقعة تحت نفوذ قوىً خارجية ـ إقليمية ودولية – إلى حضن الوطن، فالأمر لا يتعلق فقط بالجغرافيا والمساحات، وإنما بمناطق تعتبر شريان الحياة للبلاد، وأعني هنا مصادر الطاقة وموارد المياه على ضفاف الفرات وما يلحقها من كنوز الحنطة والقطن. ولا يظنن أحدٌ بأن إعادة إعمار وتأهيل البنى التحتية في البلاد ممكنٌ من دون استعادة هذه المناطق الغنية والعزيزة لصالح سلطة الدولة المركزية في دمشق. ويأتي التنسيق مع الجار التركي كمتطلبٍ لا يمكن القفز عنه للوصول إلى معادلات مريحة بهذا الشأن، على أساس الاحترام المتبادل وحسن الجوار، لا الاستقواء ومد أذرع النفوذ في المناطق الحدودية، فمن يا ترى كان يظن بأن سلخ لواء الاسكندرونة عام 1938 سيصبح حقيقة واقعة بعد زمن ليس بالبعيد في عمر الأمم والدول.
لا نريد أن نحمل المرحلة المقبلة ولا من يديرونها فوق طاقتهم، ولكنه دعاء من سويداء القلب، للسويداء وحوران والغوطة وقاسيون وحمص والنواعير والشهباء واللاذقية عروس البحر وأختها طرطوس وإدلب وعفرين ودير الزور وتدمر والرقة والقامشلي وعموم الجزيرة الفراتية، ومن بعدهن الجولان العزيز المحتل، بأن يكون السلام والوئام والنهضة والحظ حليفكم، فلا أحد يحبكم كحبكم لأنفسكم إلا أشقاؤكم وشركاؤكم في هذه البلاد القديمة، التي تعبت معكم، وتعبت مثلكم، وتنشد مع امرئ القيس بيته الشهير:
ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي/ بصبحٍ وما الإصباحُ منك بأمثلِ.
*كاتب من الأردن