من الظواهر التي تتزايد بشكل ملحوظ مؤخراً في الأوساط الفكرية والثقافية في العالم العربي في منطقة الشرق الأوسط، ظاهرة التنديد المتصاعد بالأنظمة العسكرية الديكتاتورية التي تواجدت فيه منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الساعة. وهذا التوجه لا يقتصر على الكتب والمقالات السياسية والاجتماعية والصحف، بل يتجاوزه باتجاه النتاج الأدبي والفني على شتى الأصعدة. وهذه الظاهرة لها إيجابياتها وسلبياتها في الوقت عينه، فالأسئلة تطرح حول دوافع توقيتها الحالي فيما صمتت في مراحل سابقة، وحول تركيزها على انتقاد الأنظمة العسكرية السابقة والحالية التي اختارت أيديولوجيات القومية العربية والعروبة وغض طرف المنتقدين عن أنظمة عربية تقليدية غير عسكرية مارست بدورها القمع ضد شعوبها والاغتيال والتعذيب في سجونها.
ونال نظام الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر القسط الوافر والمكثف من هذا التوجَه، إذ قلما نقرأ (كما كانت الحال في الجزء الثاني من القرن العشرين) عن إنجازات عبد الناصر على الصعيد المصري والعربي القومي والإقليمي وفي حركة عدم الانحياز الداعمة لشعوب العالم الثالث، بل على العكس نجد في مكتبات المنطقة والعالم كتباً وافرة عن التعذيب في سجون مصر خلال حكم عبد الناصر وعن هيمنة الاستخبارات في تلك الحقبة القامعة للحريات والديمقراطية آنذاك وعَما واكبها لدى حلفاء عبد الناصر في سوريا والعراق وليبيا وبلدان عربية وأفريقية أخرى.
مَما يلفت الأنظار مؤخراً في هذا المجال صدور كتاب روائي- سياسي كُتب بالعربية وتُرجم إلى الفرنسية، عنوانه العربي: «الأشجار تمشي في الإسكندرية» وترجمته الفرنسية عنوانها «لقاءات المساء في الإسكندرية» للكاتب المصري الدكتور علاء الأسواني، مؤلف الكتاب الواسع الانتشار «عمارة يعقوبيان» وأخرى تناولت مواضيع مصر والديكتاتورية فيها خلال فترة الخمسينيات وستينيات القرن الماضي وانعكاساتها. يتطرق هذا الكتاب المراجع هنا لاختيارات وتأملات ومعاناة مجموعة من المواطنين المصريين من أصل غير مصري، أجنبي (يوناني، إيطالي، فرنسي) كانوا يجتمعون كل مساء في مقهى «آرتينوس» في الإسكندرية ويعبرون عن مشاعرهم ومواقفهم السياسية والاجتماعية والإنسانية عموماً (في خصوصيتهم) تجاه نظام عبد الناصر في عفوية وصراحة كاملتين من دون التخطيط لقلب النظام أو التدخل والتعرض المباشر لشؤون إدارته بعد تسلم فترة قيادة الضباط الأحرار للسلطة إثر إطاحتهم السلطة الملكية في البلد بقيادة الملك فاروق. بيد أن مثل تلك السهرات العفوية في المقهى خضعت لمراقبة أجهزة الاستخبارات وتنصتها آنذاك وإلى ممارستها سلطتها القمعية القاسية على المشاركين فيها، الواحد تلو الآخر، إلى أن وصلت أذرعها إلى صاحب الثروة في المجموعة طوني قازان، وهو من أصل يوناني، وكارلو ساباتيني وهو من أصل إيطالي، وليدا آرتينوس ابنة صاحب المقهى المتوفي جورج آرتينوس، وغيرهم من أبطال الرواية، بحيث أمًم النظام الناصري المصري مصنع قازان للشوكولاته برغم أن قازان كان يعامل عّماله وموظفيه معاملة حسنة جداً. وأتى التأميم تحت ذريعة تحسين أوضاع العمال! وسجن النظام ساباتيني لانه رفض أن تستخدمه الاستخبارات آنذاك لإغراء زوجة أحد القادة السياسيين العرب المعارضين لعبد الناصر كانت تزور الإسكندرية وطالبته بإقامة علاقة جنسية معها ثم فضح تلك العلاقة لاستقطابها كمخبرة وجاسوسة تعمل ضد زوجها ولنقل معلومات عن تحركاته ضد أمن النظام المصري، تحت التهديد بسجن والدته. أما ليدا، فكانت تهمتها بانها وفي صداقتها مع ساباتيني وعملهما كشريكين في إدارة المقهى مارسا التجسس ضد النظام بالتعاون مع جاسوس ألماني يُدعى لوتز تناول الطعام والمشروب في المقهى الذي يديرانه. وبالتالي، نشرت الصحف المصرية آنذاك صورهما والخبر عن تجسسهما قبل التحقق من الموضوع ما أبعد الزبائن عن المقهى ولذلك اضطرت ليدا إلى إقفاله. هناك شخصيات أخرى في هذه الرواية المرتفعة المستوى من ناحية عنصر التشويق فيها ووصف الشخصيات بعمق وقدرة كبيرتين. ولكن أهم ما فيها من المنطلق السياسي- الاجتماعي كانت مقاربة الكاتب عن معاملة نظام عبد الناصر والأنظمة الديكتاتورية العسكرية في العالم العربي السيئة للأقليات، وخصوصاً تلك منها ذات الأصل الأجنبي غير العربي، والتي دفع معظمها إلى الهجرة من تلك البلدان الخاضعة لمثل هذه الأنظمة. السبب الأساسي حسب ما يلاحظه القارئ أو يقرأه في بعض الصفحات من الكتاب مباشرة هو انه مهما حاول الشخص الأجنبي، حتى ولو ولد وعاش وحمل جنسية بلد ديكتاتوري عسكري عربي فإنه يبقى أجنبياً بنظر أرباب بعض الأفراد في شعب ذلك النظام وتبقى هواجس مسؤولي وممارسي استخباراته القاسية تحوم حوله وتترصد نياته السلبية وميله المزعوم لممارسة الجاسوسية!
ويذكر المؤلف أن شانتال وهي امرأة فرنسية مُطّلقة امتلكت مكتبة في الإسكندرية، وكانت أحد أفراد الشلّة التي تجتمع مساءً في مقهى آرتينوس، تعرضت لمضايقات كثيرة حضوصاً في فترة العدوان الثلاثي الفرنسي البريطاني الإسرائيلي على مصر في عام (1956)، برغم انها كانت ضد ذلك العدوان ومن دون الأخذ في الاعتبار انها كانت على علاقة حميمة مع ضابط مصري موالٍ للنظام كانت تلتقيه سراً خوفاً من مراقبة أجهزة الاستخبارات الخاصة التابعة للنظام، والتي كانت تراقب الضباط المصريين بالإضافة إلى السكان العاديين والأجانب.
ومن الشخصيات الأخرى في الكتاب شخصية (نعمت) الفتاة التي حاول زوج والدتها الاعتداء عليها إلى أن غادرت المنزل وعملت كراقصة شرقية في مقهى «آنجيلو» حيث تعرفت على شخص قام بحمايتها واسمه (عدلي)، تصادق معها وتجرأ على مواجهة مستغلي ومؤيدي السلطة من المتظاهرين ضد ليدا والذين أتوا لتحطيم المقهى الذي «يمتلكه ويديره الجواسيس» برأيهم وحسب ما قالت الصحف المصرية المٌروجة للاشاعات. لاشك أن مستوى الرواية وتسلسل الأحداث فيها جيد جداً ويستحق أن يتحول إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيزني، وأن قدرة المؤلف على وصف الأحداث والشخصيات وتعقيداتها تناهز أفضل ما كتب في الرواية السياسية – الاجتماعية العربية، ولذلك بادرت دور النشر لترجمة ما كتبه الدكتور الأسواني، كما أتت الترجمة إلى الفرنسية من جانب المترجم الفرنسي جيل غوثييه في مستوى مواز للمستوى الروائي المتميز للكتاب وأعطى الرواية حقها. والجدير ذكره أيضا أن الكاتب ومترجم الكتاب يملكان معلومات سياسية دقيقة عن الوضع في مصر في تلك الحقبة، ولكن التركيز على السلبيات في نظام عبد الناصر يصبح في بعض أجزاء الكتاب مبالغا فيه.
ففي أحد الأجزاء يوجه جليل أحد الموظفين في مصنع الشوكولاته (مصنع طوني قازان) رسالة إلى الرئيس عبد الناصر محاولاً إقناعه بعدم تأميم المصنع، ومؤكداً بانه من مؤيدي النظام ولكنه يحرص عليه، فيجد جليل بعد أيام على توجيهه للرسالة رئيسه الجديد في المصنع المؤمّم مٌمسكاً برسالتة (التي وصلته عن طريق أجهزة الاستخبارات) ويطلب منه كتابة رسالة أخرى بدلاً منها للرئيس المصري مؤيداً فيها عمليات تأميم المصانع… هذا المشهد فيه مبالغة، فمن الصعب أن تتصرف أجهزة الاستخبارات بهذه البساطة والسذاجة في مثل تلك الحالات. بيد أن المشهد الأخير في الصفحات الأخيرة من الكتاب مؤثر إلى درجة كبيرة وهو مشهد طوني قازان أثناء توديعه الإسكندرية ومصر برفقة صديق ورفيق عمره عباس وقبل توجّهه إلى المطار للسفر والهجرة إلى لندن هجرةً نهائية.
ولعله من المفيد ذكر ما ورد في هذا المشهد. يقول طوني معبراً عن أسفه ما خلاصته: «أنا لا أتحدّث عن تأميم مصنعي ولكن عن الطريقة التي استخدمتها السلطات معي ومع أصدقائي ليدا وكارلو والآخرين… لماذا لا يريدون الاعتراف باننا مصريون؟ أنا ولدت هنا… أنا مصري من أصل يوناني… أنا لست حالة خاصة… هناك طيارون عسكريون مصريون من أصل يوناني دافعوا عن مصر في حرب السويس. وعندما حدث العدوان الثلاثي على مصر الذي قامت به فرنسا وبريطانيا في عام (1956) قام المصريون اليونانيوّ الأصل بالدفاع عن وطنهم المصري وانشأوا مجموعة مُسلّحة للدفاع عن بور سعيد واستشهد أحدهم واسمه بانايوتيس مافروماتيس… ليس فقدان المصنع هو ما يحزنني ولكن ما يحزنني هو ألمُ الحب غير المتُبادل.. هل تتذكر هذه الجملة يا عباس؟ فيجيبه عباس: طبعاً انها قول هاملت في مسرحية شكسبير. ثم يضيف طوني: إن ما يحزن الإنسان إلى الدرجة الأكبر هو أن يكون صادقاً في حبّه ثم يكتشف ان الذين يحبهم قد نسوه كلياً وبسهولة كبيرة.. حتى عمال المصنع الذين اعترضوا على تأميمه ووقفوا إلى جانبي، في اليوم التالي تمّ استقطابهم بمخصّصات مالية من المدير الجديد المُعّين.. انهم لم يحبونني كما أحببتهم».
وبعد ذلك، توجه الصديقان ومّرا على مقربة من معهد «فيكتوريا كوليدج» حيث درسا سوياً في صباهما ثم انتقلا إلى موقع آخر حيث ودّعا منه مصنع طوني للمرة الأخيرة قبل إكمالهما طريقهما باتجاه المطار.
لعلّ المشهد الوارد في هذا المقطع مؤثر إلى درجة كبيرة من منطق إنساني وخصوصاً عندما يسأل طوني عباس صديقه إذا كان المدير الجديد (بدوي خُضير) سيعامل عمال المصنع نفس المعاملة التي مارسها هو نحوهم؟ وهل سيفتح لهم الأبواب التي فتحها هو لهم كإنشاء النادي والمساهمة في تسهيل تعليم أولادهم؟ لقد كان حريصاً على عّماله حتى الدقيقة الأخيرة من حياته في مصر. وفي مكان آخر من الكتاب يشير المؤلف إلى أن أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الانفصال السوري عن الجمهورية العربية المتحّدة (الوحدةالسورية المصرية) في عام 1961 عاد إلى عمليات التأميم التي مورست ضد التجار والصناعيين السوريين من قبل ممثلي مصر في سوريا آنذاك وتأثيرها السلبي على المجتمع السوري.
Alaa El Aswany: « Au soir d’Alexandrie »
Actes Sud, Paris 2024
384 pages.