وجهت ثمانية أحزاب مسيحية طلبا إلى السلطات العراقية، تدعو فيه إلى سحب الميليشيات من مناطقهم في سهل نينوى، وإيكال مهمة حفظ الأمن إلى أبنائها من المسيحيين والإيزيديين.
بغداد ـ «القدس العربي»: تعمّق الصراع بين الأحزاب والشخصيات السياسية المسيحية في سهل نينوى، على إثر اتهامات متبادلة بمحاولة السيطرة على المنطقة، وتثبيت وجودها «عسكرياً وإدارياً»، ليضيف أزمة جديدة للمكون المسيحي المُثّقل بالأساس بأزمات القتل والتهجير الناتجة عن موجات العنّف الطائفي مروراً بسيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» على أرضهم، وانتهاءً بالصراع السياسي على فرض النفوذ.
القصة بدأت عندما وجهت ثمانية أحزاب سياسية مسيحية (رئاسة المجلس السياسي للتحالف المسيحي، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكلداني، وحزب المجلس القومي الكلداني، وحزب حركة تجمع السريان، والرابطة الكلدانية العالمية، والهيئَة الإدارية لشؤون طائفة الأرمن الأرثدوكس، والجمعية الأرمنية، وتيار شلاما)، طلبا إلى السلطات العراقية وأعضاء مجلس النواب، تدعو فيه إلى سحب الميليشيات من مناطقهم في سهل نينوى، وإيكال مهمة حفظ الأمن في هذه المناطق إلى أبنائها من المكونين المسيحي والإيزيدي.
وينصّ الطلب على أن «أبناء المكون المسيحي في بلاد الرافدين يشكلون أحد أقدم وأعرق المكونات الحضارية، القومية، والدينية في هذا الوطن العزيز. تعرض هذا المكون الأصيل إلى سلسلة من المجازر والإبادات الجماعية (جينوسايد) في التاريخ الحديث، كان آخرها ما اقترفته التنظيمات الإرهابية، كتنظيم القاعدة وداعش، إضافةً إلى العصابات المسلحة والميليشيات المنفلتة، ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة وهجرة أعداد أكبر إلى خارج الوطن، الأمر الذي يهدد الوجود التاريخي لهذا المكون في العراق».
وتضمنت المطالب «سحب الميليشيات المسلحة من قرى ومدن أبناء شعبنا في سهل نينوى، وإسناد الملف الأمني لأبناء المكون المسيحي والإيزيدي من سكان سهل نينوى الأصليين، من خلال المؤسسات العسكرية والأمنية المنصوص عليها في الدستور العراقي الدائم، لضمان حماية مناطقنا من استغلال الميليشيات المنفلتة وتدخلاتهم السافرة بشؤون أبناء شعبنا الداخلية»، فضلاً عن «تعديل قانون الانتخابات لمجلس النواب العراقي وانتخابات مجالس المحافظات، لضمان تمثيل حقيقي للمكون المسيحي».
ولتحقيق ذلك شددوا على أهمية «استحداث سجل انتخابي خاص بناخبي أبناء المكون المسيحي يكون التسجيل فيه طوعيًا لأبناء المكون لا غير، وتخصيص ورقة اقتراع وصناديق اقتراع مستقلة وخاصة بالمكون المسيحي، ليتم من خلالها حصر التصويت بأبناء المكون فقط، منعا لأي تدخل خارجي، واعتبار كل محافظة مشمولة بالكوتا المسيحية دائرة انتخابية مستقلة ومنفردة».
ودعوا إلى «تطبيق المادتين (140) و(125) من الدستور العراقي وفق الأطر الدستورية، لضمان تمثيل أبناء المكون والمكونات الأخرى إداريا وسياسياً، والحفاظ على ديموغرافية مناطقهم ووجودهم التاريخي»، حاثّين على أهمية «وقف مصادرة الإرادة السياسية للمكون المسيحي من قبل الجهات غير الشرعية والميليشيات المنفلتة، والتي لا تزال تتدخل عنوة وبدون وجه حق أو أي وازع أخلاقي مختطفة تمثيله السياسي والحكومي في الدولة العراقية على مرأى ومسمع من الجميع».
وتعليقاً على موقف الأحزاب السياسية المسيحية الثمانية، توعّدت حركة «بابليون»، بزعامة ريان الكلداني، الذي يمتلك فصيلاً مسلحاً ممثلاً في «الحشد الشعبي»، تلك الأحزاب بـ«إجراءات قانونية لتحريك شكوى رسمية» ضد ما اعتبرته «الادعاء بوجود ميليشيات» في سهل نينوى.
وأصدر نواب «بابليون» بياناً صحافياً أكدوا فيه أن «قوات الجيش العراقي والقوات المسلحة الموجودة في نينوى تعمل تحت مظلة الحكومة العراقية وقيادة القائد العام للقوات المسلحة، وبالتالي فإن هذه الادعاءات تمثل تشويها متعمداً لقوات رسمية مسؤولة عن حفظ الأمن في هذه المناطق».
واستغربت الكتلة «حضور رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب ريبوار هادي عن الحزب الديمقراطي الكردستاني لهذا المؤتمر الصحافي، وسنسأل رسميا عن أسباب مشاركته في مؤتمر وصف فيها قوات الجيش العراقي والقوات المسلحة بـ(الميليشيا)، وكونه نائباً عن الحزب الديمقراطي الكردستاني يدفعنا للتساؤل عن نوايا هذا الحرب في التدخل بشؤون مقاعد المكونات!».
واعتبر البيان «أي طلب لتعديل القوانين الانتخابية العراقية يجب أن ينبع من إرادة وطنية مستقلة، وليس من أحزاب تديرها مصالح الحزب الحاكم في أربيل»، مبيناً أن «مصلحة شعبنا المسيحي يجب أن تكون الأساس لأي تعديل انتخابي، وليس مصلحة حزب يحاول السيطرة على مقاعد المكونات كما فعل لعقدين سابقين عبر نفس القانون الانتخابي الذي كان موافقاً عليه عندما كان يستحوذ على هذه لمقاعد، وأصبح الآن يرفضه بعد أن فقد هذا النفوذ وخسر مرشحوه الانتخابات».
وجددت الكتلة في بيانها إنها ستتوجه إلى القضاء العراقي، لمحاسبة قانونياً «من يحاول المساس بمصلح شعبنا واستغلالها لصالحه، وسيكون لقضائنا الكلمة الفيصل في محاسبة من يحاول تصدير أجندة تحاول التأثير على الوجود المسيحي في وطنه الأصلي، ولن يستطيعوا فرض علينا إبادة أخرى كما فعلوا سابقاً».
وزاد البيان: «نفهم جيدا الشعارات التي يرفعها الحزب الحاكم في أربيل لتصدير أكذوبة التعايش والاهتمام بحقوق المكونات، بينما هو نفس الحزب الذي يصادر منذ تأسيسه هوية المكونات وحقوقهم المشروعة. ونسال المجتمع الدولي: ماذا فعلت الميليشيات التي تسمي نفسها حامية المكونات في نهلة وعقرة وعنكاوا ودهوك؟ كما نطالب المجتمع الدولي بمساءلة هذا الحزب عن موقفه عندما تقدم التنظيم الإرهابي نحو نينوى وأحتل مناطق المكونات، هل قام فعلا بحمايتها؟ أم تركها لهم؟».
ووفق البيان فإن «جميع الأحزاب والأشخاص التي تحاول أن تستثمر في أكذوبة وجود الميليشيات في نينوى، مقرها في أربيل، ولا تمت لنينوى بصلة».
لم يقف الصراع المسيحي عند هذا الحدّ، بل انتقل إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، عندما شارك سياسيون من المكوّن المسيحي في المؤتمر العالمي للحريات الدينية. هناك تحدثوا عن الواقع السياسي لسهل نينوى ومعاناة المسيحيين في الإقليم وعموم العراق.
النائب السابق، ورئيس حزب «اتحاد بيث نهرين الوطني»، جوزيف صليوا، التقى خلال زيارته واشنطن الأخيرة- استمرت نحو أسبوعين- مجموعة من أعضاء الكونغرس ورؤساء مراكز بحوث استراتيجية أمريكية.
بيان للحزب أفاد بأن صليوا «نقل الواقع السياسي لسهل نينوى ومعاناة شعبنا في الإقليم وعموم العراق، كما هو وليس كما يراد به ان يسوق من قبل مزيفي الحقيقة».
وتطرق في اللقاءات هذه على ضرورة «تشريع قوانين تحمي المكونات الأصلية في أرض الآباء والأجداد، وتفعيل المادة 125 من الدستور العراقي وتنفيذ قرار مجلس الوزراء العراقي الصادر في عام 2014 بخصوص استحداث المحافظة، وصولاً الى إعلان كامل السهل إلى إقليم وفق الدستور العراقي، ومواضيع أخرى تمس واقع حياة المواطن العراقي عموماً وكيفية خلق بيئة آمنة للعيش الكريم وضمان حقوقه دستوريا».
في واشنطن أيضاً، كان وزير النقل والاتصالات في حكومة إقليم كردستان العراق، آنو جوهر، قد اتهم خلال مشاركته في اجتماع خاص ضمن قمة الحريات الدينية الدولية في مبنى الكونغرس الأمريكي، الفصائل المسلحة بـ«مواصلة تهديد الوجود المسيحي وتخنق هذا المكون الأصيل في العراق وسهل نينوى».
وذكر آنو جوهر في كلمته كممثل للمسيحيين في مجلس وزراء إقليم كردستان، وكسكرتير عام «للتحالف المسيحي»، أن «الميليشيات تواصل تهديد الوجود المسيحي وتخنق هذا المكون الأصيل»، مشدداً على ضرورة «إخراج هذه الميليشيات من مناطق المسيحيين».
كما أكد أهمية «سياسة الأبواب المفتوحة في إقليم كردستان التي أصبحت رمزاً للتعايش الديني والقومي»، لافتاً إلى «التحول في مدينة عنكاوا (بأربيل) من وجود كنيستين فقط قبل عام 2003 إلى أكثر من 17 كنيسة وديرا اليوم».
وطالب السياسي المسيحي الكردي الحكومة الأمريكية والدول الحاضرة، بـ«دعم مطالب التحالف المسيحي والتي تمثل مطالب المسيحيين، والعمل على إخراج الميليشيات من سهل نينوى لمنع استغلال الوضع الحساس للمسيحيين، وتعديل قانون الانتخابات النيابية في العراق لحصر التصويت في الكوتا المسيحية بالمسيحيين فقط، فضلاً عن تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي لضمان نقل تجربة الديمقراطية والتعايش المشترك في إقليم كردستان إلى سهل نينوى ومناطق العراق الأخرى».
وأكد أن «التحالف المسيحي سيستمر في الدفاع عن حقوق جميع المكونات وحمايتها من أي تهديد، لضمان وطنٍ يتسع للجميع على أسس الشراكة والتوازن والعدالة والتوافق الوطني الحقيقي».