قبل الدخول في عصر التكنولوجيا والإلكترونيات ارتبطت تسلية الطفل المصري ورفاهيته، بما يصنعه ويبتكره من ألعاب بسيطة يستخدم فيها الخامات البيئية المُتاحة. فهناك طفل القرية الذي برع في صناعة حصان الطين على سبيل المثل من طمي الترع وصار بفضل ملكاته الشخصية مُبتكراً متفوقاً وصانعاً خاصاً للعبته.
وفي فيلمها التسجيلي الشهير «حصان الطين» توقفت المخرجة عطيات الأبنودي عند هذا النموذج من مهارات الطفل الجنوبي الذي حالت الامكانيات المادية بينه وبين اقتناء الألعاب الصناعية الحديثة، فعمد إلى إسعاد نفسه بنفسه مُجتهداً في أن يُحاكي الأشياء التي يراها في بيئته، فصنع الولد الحُصان والفيل والخروف والجمل وصنعت البنت العروسة والجرة والبقرة والعصفورة واليمامة، تلك الكائنات والأشياء التي عرفها واكتشفها كل منهما وآنسها وتآنس معها، ومثلت ترجمة حقيقية عكست اهتمامات الطفل الريفي بمحيطة وحيزه البيئي قبل الدخول إلى عصر التكنولوجيا.
كما استخدم الأطفال الريفيون أيضاً في الجنوب والدلتا وبقية المناطق قبل عدة سنوات، خامات مُختلفة في صناعة ألعابهم بأيديهم، كجريد وسعف النخيل والقُطن والقماش والقش والخشب والحطب، فابتكروا أشــكالاً بديعة عكــست في مُجملها ثقافتهم الخاصة ونوهت عن ملكاتهم وأفكارهم وأمزجتهم ورغباتهم وميولهم، وهو الثراء الطبيعي التلقائي المتوافر في عالم الطفل الخاص بلا تدخل أو وصاية من الكبار.
ولعل ما عكف عليه الدارسون واستقرت عليه مُعظم الدراسات التي أجريت حول إبداعات طفل القرية في فترات سابقة قبل تعرفه على النُظم التكنولوجية، قد أثبت أن الخبرات المعرفية تنمو سريعاً عند طفل القرية قبل طفل المدينة، لاسيما في ما يتصل منها بالابتكارات الأولية والبدائية التي تعتمد على الذكاء الفطري وعنصر التأثر بمُحفزات البيئة الطبيعية. كما أكدت التجارب العملية على صعيد آخر، أن الطفل الذي يمر بمنعطفات اجتماعية وإنسانية بعيدة عن حياة الترف، يصل إلى مرحلة النضج مُبكراً، فهو يعمل مع أبيه في الحقل إذا وجد في بيئة زراعية، وتتولد لديه بطبيعة الحال خبرات سابقة لأوانها في هذا المجال.
كما أنه يمتلك الجرأة والشجاعة في مواجهة التحديات التي تُصادفه، كالطفل الذي يُحرم من أبيه أو أمه بالفقد أو بالسجن أو بالسفر، هذا النموذج يكون عادة أقدر على تحمل مسؤولياته الصغيرة بمغايره واضحة عن طفل المدينة بحسب سنه وإدراكه، إضافة إلى أن طفل المدينة ذاته مُتعدد الثقافات ومُختلف في معارفه وخبراته.
فمن يسكن في حي شعبي ويلعب في الساحة أو الشارع، يختلف عن نظيره الذي يسكن في حي راقي ويلعب في النادي ويمتلك مقومات الرفاهية الكاملة كممارسة السباحة وركوب الخيل ولعب التنس إلى آخره.
ولا يعدم الطفل الشعبي المولود في بيئة بسيطة أو متوسطه الموهبة بالطبع، لكنه يكتسب خبرات أخرى مُختلفة في نوعياتها ومجالاتها، ويسعى إلى الاستغناء بما يصنعه من ألعاب يدوية عن غيره الذي يفارقه في الدرجة الاجتماعية والترفيهية، فهو ابن بيئته وترتبط رغباته واحتياجاته بما هو مُمكن ومُتاح في عالمه الشخصي والذاتي.
ويختلف الطفل المُدلل في تكوينه الفكري والعقلي والإنساني عن غيره من الأطفال الكادحين العاملين في الورش والمقاهي، فكلاهما يحصل خبراته وفق ظروفه الاجتماعية والنفسية ونشأته وعلاقته بالمكان والبيئة. ولهذا يتفوق الطفل المُكافح الذي دخل سوق العمل مُبكراً عن الطفل الآخر المُنعم الذي يحظى بكافة الإمكانيات وتتوافر له كل الفرص المُتاحة للأسرة والعائلة.
لقد اختلفت مقاييس التمييز تماماً بين نوعيات الأطفال وأمزجتهم بعد دخول التكنولوجيا والعــالم الرقمي، فــــإلى حــد كبير باتت مسألة الابتكار اليدوي للطفل سلبية، حيث تراجعت بنسبة كبيرة من مُحاولاته لصنع لعبته بنفسه، كونه وجد ما يُسعده ويُحقق له الرفاهية بدون جهد منه أو عناء.
لذا صار مشغولاً بعملية الاستهلاك، وأصبحت مهاراته وقُدرات ذكائه تتحدد وفق تعامله مع اللعبة التي يمتلكها ويحاول اكتشافها من الداخل بالسعي إلى تفكيكها والعبث بها دونما رغبة حقيقية في صُنع نموذج يُحاكيها على مستوى الشكل.
وهنا يُمكن القول أن التكنولوجيا عطلت بدرجة ما قُدرات الطفل ومهاراته الفطرية في الابتكار وقصرت تفاعله مع اللعبة التي يقتنيها على كيفية الاستخدام والتعرف على نظام التشغيل الخاص بها فقط، وهو ما يُمثل في حد ذاته تراجعاً.
لكن على جانب آخر ساهمت التكنولوجيا في تطور عقلية الطفل المصري والعربي بشكل ملحوظ، إذ ربطت وعيه بمعايير التقدم والحداثة وطفرات التقدم المتلاحقة والسريعة، فلم يعد هو الطفل الساذج الذي يُبهره خيال الظل والأراجوز أو تسليه وتمتعه لعبة الاستخماية أو السلم والثعبان، فقد تجاوز بكثير هذه المرحلة وصار الكمبيوتر يُشكل اهتمامه الرئيسي ويشغل مساحة واسعة من تفكيره الذهني، فهو دائم الانتظار للجديد والحديث والمُبتكر في برامج الموبايل والتابلت والآي باد، ومن ثم اختلفت شخصيته وزاد نضجه وانفصل تماماً عن الأنماط الفولكلورية في البيئة القديمة وارتبط أيما ارتباط ببيئته الحداثية الجديدة.