يقول حافظ إبراهيم على لسان مصر وهي تتحدث عن نفسها ناصحة أبناءها، «وارفعوا دولتي على العلم والأخلاق، فالعلم وحده ليس يجدي،» مقولة لا تجد الكثير من الأسانيد التي تؤيدها في الواقع، فعلى مدار السنوات كانت هناك قواعد أخرى يتم ترسيخها، وبدلا من التعليم مفتاح التقدم والحراك الاجتماعي دخلنا في دوائر متعددة من طرق الوصول الملتفة وشبكة العلاقات التي تسبق الشهادات، والشهادات التي تحل محل المعرفة.
وظلت الفجوة تتسع بين مصر التي نتحدث عنها ونحلم بها وبين الواقع. حديث يفرض نفسه من وقائع متعددة حدثت خلال فترة متقاربة، تصورت أن الكتابة عنها يمكن أن تتقادم، على الأقل مرحليا، وهو ما لم يحدث.
أحداث مثل ما يعرف بـ»سيدة المطار» المعبرة عن سلطة المال في مواجهة سلطة الدولة الممثلة في رجل الشرطة، وتصريحات وزير العدل الأسبق محفوظ صابر الرافضة لفكرة أن يصبح ابن عامل النظافة قاضيا، وما تمثله من إقرار علني بانتهاك المساواة والاعتراف بالطبقية القائمة، تبدو للحظة مجرد أخبار تطرح بمعزل عن بعضها بعضا، أو تستخدم لتأكيد قوة الدولة في التعامل مع التجاوزات، ولكنه خطاب قصير الأجل، فاختيار أحمد الزند وزيرا للعدل وتصريحات الحكومة المشرقة، وتقليل الضرائب عن الأغنياء، وزيادة الأعباء على الفقراء، جاءت لتؤكد على أن تغيير الاسماء لا يغير صورة عالم «الوسية».
تظل الوسية – العزبة أو الاقطاعية- حاضرة مهما تغيرت صور الحكام في خلفية الأعمال الدرامية، ومن يرى مصر من أعلى يختلف عمن يراها من أسفل، وفي حين يحصل الأول على المنافع، يتحمل الثاني المعاناة ويحصل على الكثير من الوعود. ولأن الوعود تعتمد على أن النسيان آفة الشعوب، فإن الشعب يمارس حقه في تكرار ثقب الأذن في انتظار الحلق الموعود على طريقة المثل الشعبي المعروف. لا يأتي الحلق عادة ولا تتوقف الوعود ويستمر ثقب الأذن، كما تزداد عدد الثقوب في جدار الوطن بعدد مرات اختراق العدالة الاجتماعية وانتشار الظلم والفساد، الذي يغتال أحلام الناس العادية في حياة كريمة وإنسانية.
مسلسل «الوسية» الرائع والمبكي، تناول جزءا من واقع يفترض أنه قديم من خلال عرض قصة حياة الدكتور خليل حسن خليل أستاذ الاقتصاد. المسلسل الذي عبر عن الفجوة الضخمة بين من يملك ومن لا يملك، عبر عن الوسية بما تمثله من رمز للقهر، بوصفها مصطلحا يطلق على كل حالة ظلم مماثلة تحمل صورة المعاناة في جانب، والبذخ في الجانب الآخر. مع أهمية التأكيد على أن المشكلة ليست في الثروة ذاتها ولكن في منظومة الفساد القائمة والآليات التي تساعد في هيكلة عالم الوسية واستمراره على حساب الشعب.
للحظة كان التصور المتجدد أن «الثورة» أيا كان تاريخها بداية لنهاية فكرة الوسية، لكن المسلسل مع الواقع يعبران عن تغير المسمى واستمرار المعنى. تختلف الصورة من دراما تتحدث عن الفقر المدقع لدراما تتحدث عن الثراء الفاحش، ولكن بينهما يظل ما بين المكتوب والمسكوت عنه عالم الوسية بكل تفاصيله. وبدلا من أن تساعد الثورة على تقليص الفجوة، حتى إن بدأت في تقليصها في نطاق محدود، تتحول الثورة ذاتها إلى جزء آخر من الوسية حيث آليات الصعود الفاسدة والطبقية المختلفة في التفاصيل والمترسخة في الممارسة.
تكشف اللحظة عن الفجوة بين الحلم والواقع، والخواجة -الأجنبي- المستغل لخيرات البلد في مرحلة يتم استبداله بضابط في مرحلة، ويعاد إنتاج العلاقات في إطار تزاوج المال والسلطة في مرحلة أخرى. وتعاد المراحل مرات حيث تحرص دائرة السلطة وأطرافها على استمرار الفجوة، مع التأكيد على ضرورة الدفع ببعض الأحلام حتى تستمر العجلة في الدوران وصولا للنغمة المطلوبة لحالة استقرار النظام بعد تراجع أحلام الثورة والتغيير.
لا تختلف أحلام ووعود يوليو 1952 و25 يناير وما بعدهما، فالأحلام والتصورات البراقة لا تغير الواقع، والوجوه التي تتراجع مرحليا تعود لتشغل المساحات وتفرض الأجندات. ومن يفسد علينا الماضي يصر من باب الكرم على إفساد الحاضر والمستقبل، عبر تلميع السلطة وتبرير الأخطاء، رغم أن خبرة مراحل الفشل التي قادت للثورة يفترض أن تكون كافية للابتعاد، على طريقة رؤساء الأحزاب والحكومات الذين يعتزلون الحياة السياسية بعد الفشل في الحصول على ثقة الجماهير في الانتخابات أو استطلاعات الرأي العام. ولكن لأننا أكثر كرما وقدرة على النسيان من تلك الديمقراطيات، فالاستئذان في الانصراف في عالمنا مجرد خطوة تكتيكية لتحقيق أهداف استراتيجية تضمن البقاء على كرسي الناصح والمخطط لعقود، بناء على طلب الجماهير وشعار الجميع من أعلى أنه «تكليف وليس تشريفا» على طريقة أغنية اخترناك.
تتحدث الحكومة عن وعود براقة تتحول بموجبها مصر لدولة مصدرة للكهرباء وواحدة من أفضل 30 اقتصادا في العالم، مع التأكيد على أن الشعب سيكون من أسعد شعوب الأرض. بالطبع وعود نتمنى تحقيقها، ولكن المحاسبة السياسية عليها تفترض أن تكون قبل عام 2030 الذي تمت الإشارة إليه في التصريحات الخاصة بالنمو الاقتصادي والسعادة، أما وعود تصدير الكهرباء فتحتاج مرحليا، وكما أشارت بعض التعليقات، لتحول مصر لدولة مكتفية أولا.
تعد الوعود جزءا من آليات إدارة عالم «الوسية» واستمراره، وهو الدور الذي يستكمل من خلال تفريغ القدر عبر شن حملات منظمة للنقد والاعتراض على السياسات الفاشلة والوعود التي لا تنفذ، وهي الحملات التي تظهر بوصفها صحوة مفاجئة تظهر وتغيب مع تهدئة النار حتى لحظة أخرى تحتاج لإبعاد الانظار عن الواقع أو تحميل المسؤولية لأطراف فرعية في النظام أو فرض أجندة هامشية بدلا من القضايا الأساسية. وبدلا من ترك المساحة لأصوات معارضة تنتقد الرئاسة أو عدم تغيير حياة المواطنين للأفضل، مقارنة بما حدث خلال فترة الرئيس الأسبق محمد مرسي، تسارع حملة تفريغ القدر لانتقاد الواقع وذكر الرئيس بشكل مباشر مع تحميل الأخطاء في النهاية على الحكومة والشبكة المحيطة بالرئيس، بدلا من الاعتراف بمسؤولية الرئيس عمن يحيط به وعن استمرار الحكومة رغم ضعفها وبدلا من مقارنة خطابهم أيام مرسي بخطابهم بعده.
تفريغ القدر والحصول على دعم الجماهير اللحظي ومحاولة تقديم بعض الأسماء بوصفها أقرب لنبض الشارع تبدو آليات واضحة في الوقائع التي سيطرت على القضايا المشار إليها هنا والتي عمل البعض على تناولها بوصفها أحداثا منفصلة، حتى أن حدث تولي الزند وزارة العدل، رغم كل ما يتعرض له من انتقادات موضوعية يهمش لدى البعض للمطالبة بضروة تقديمه لاقرار الذمة المالية. إجراء يفترض أن يكون عاديا لكل من يتولى منصبا عاما، ولكنه يصور بوصفه طلبا ضخما، وإن تحقق يقدم بوصفه انجازا وجزءا من شحن عجلة الوسية الدائرة.
المهم في تلك الوقائع ما تحمله من خطوط تبدو للحظة متناقضة، ولكنها في الجوهر جزء من عالم الوسية، نحن أمام وزير يصرح بأن عمل ابن عامل النظافة في القضاء غير ممكن بالنظر للاعتبارات المادية التي تربط بين المال والمكانة والأخلاق وغيرها من القيم التي يتم حكرها على من يملك، في وقت تنقل الاخبار والتسجيلات صورة مغايرة للمال في تعامله مع السلطة ممثلة في حادث «سيدة المطار» وكأن الواقع يرد بنفسه على الوزير وعلى الخطاب الطبقي الدائر، الذي يعبر عن نفسه مرات بما فيها خلال ثورة يناير وبعدها، وخلال تولي مرسي للسلطة وما شهدته من سخرية طبقيـــة منه ومن زوجــــته وملابسها، فالمال لا يشتري القيم والفساد ليس ابن الفقر بالضرورة.
في الوقت نفسه، يرى عدد غير قليل أن اختيار الزند المعروف بمواقفه المدافعة عن حق ابن القاضي في ان يكون قاضيا وتصريحه بأن القضاة هم أسياد مصر والباقى عبيد، يتعارض مع الظروف التي أدت لاستقالة الوزير الأسبق. ولكن الزند الذي يتم تقديمه بوصفه معارضا لثورة يناير، والذي يتولى الوزارة في عالم أنتجته وبعد أن صرح أيام مرسي بإن أعداء الثورة يجب أن يتم إعدامهم في ميدان عام، يعد الاختيار الطبيعي للحظة وللعلاقة بين السلطة والشعب. فإن كان البعض قد احتفى باستقالة وزير عدل لانكاره حق ابن عامل النظافة في العمل بالقضاء، فقد تم اختيار وزير عدل يؤكد على أن ابن القاضي يجب أن يكون قاضيا، حتى إن حصل على تقدير مقبول، ولسان الحال إن كنت ترغب في ثورة أخرى أو ترغب في الاعتراض فعليك أن تدرك أن ما تعرفه أفضل مما لا تعرفه، وأن الحاضر بكل ما فيه من مساوئ قد يكون أفضل من القادم المجهول. والحل أن نظل على طريق عقود ما بعد يوليو حيث عالم الوسية الممتد بكل أشكاله من تزواج فاسد ومفسد بين السياسة والمال، وكل ما يساعد على بقاء تلك الشبكة من العلاقات مع ضرورة تنويم الشعب والتأكيد على أن العسل قادم يوما ما، أما اليوم ومن يحصل على العسل ومن يدفع ثمنه فتلك قضايا هامشية في عالم الوسية.
٭ كاتبة مصرية
عبير ياسين