يرى البعض أن هذا الإفراج هو مجرد انحناء مؤقت للنظام أمام الضغوط الداخلية والخارجية، وبالتالي من الضروري أن تتواصل التحركات الاحتجاجية حتى تتحقق إنجازات في ملف الحريات وحقوق الإنسان.
تونس ـ «القدس العربي»: يواجه النظام في تونس اتهامات من قبل المعارضة السياسية ومنظمات حقوقية تونسية وأجنبية تتعلق بقيامه بترسيخ نهج استبدادي بداية من 25 تموز/يوليو 2021 حين قام رئيس الجمهورية بتجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة. واعتبر الرئيس يومها أن تلك التدابير الاستثنائية هي تطبيق للفصل 80 من دستور 2014 وقد تحرك في إطاره لتصحيح مسار الثورة، بينما اعتبرت المعارضة ما حصل انقلابا على الشرعية وعلى المؤسسات الدستورية وعودة للاستبداد.
وشهدت تونس خلال الأيام الماضية تطورا هاما في ملف الموقوفين السياسيين والإعلاميين والحقوقيين وغيرهم ممن تم إيقافهم بموجب تتبعات قضائية حصلت بعد التدابير الاستثنائية المشار إليها، حيث تم الإفراج عن ثلاثة منهم من قبل القضاء. ومثل ذلك مفاجأة للكثيرين ممن لم يتوقعوا أن يحصل هذا الإفراج خاصة مع ما عرف به النظام من صرامة في التعامل مع هؤلاء، وأن خطاب السلطة طوال الفترة الماضية كان متجها نحو تخوينهم ومن معهم ووضعهم في عداد المتآمرين على الدولة واستقرارها.
إن الإفراج عن رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة السابقة سهام بن سدرين، ووزير البيئة الأسبق رياض الموخر، والإعلامي محمد بوغلاب، جعل البعض يأملون في أن تكون هذه الخطوة بداية تغيير حقيقي في سياسة النظام في العلاقة بمعارضيه. كما يأمل هؤلاء، بعد هذا الإفراج القضائي الذي لم يكن متوقعا، في حصول مصالحة سياسية شاملة تطال كل الأطياف في البلاد وتبدأ بالإفراج عن جميع الموقوفين من سياسيين ورجال قانون وإعلاميين وغيرهم.
بالمقابل يرى آخرون أن هذا الإفراج عن المكلفة السابقة بملف العدالة الانتقالية، والوزير الأسبق في حكومة يوسف الشاهد، والإعلامي المحال على القضاء طبق المرسوم عدد 54، هو مجرد انحناء مؤقت للنظام أمام الضغوط الداخلية والخارجية، وسيكون محدودا ولن يشمل باقي الموقوفين. وبالتالي يرون أن من الضروري أن يتواصل الضغط على النظام بنفس الوتيرة وتتواصل التحركات الاحتجاجية وبيانات المنظمات الحقوقية حتى تتحقق إنجازات ملموسة في ملف الحريات وحقوق الإنسان الذي يؤرق عددا هاما من التونسيين.
ويرى الباحث والناشط السياسي مروان السراي أن الإفراج عن الموقوفين الثلاثة جاء نتيجة لضغوط المنظمات الحقوقية التونسية والخارجية وخصوصا المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي انتقدت منذ أيام الوضع الحقوقي في تونس وردت عليها الخارجية التونسية ببيان شديد اللهجة. وبالتالي فإن الإفراج حسب محدثنا ليس نابعا من نهج جديد تعتزم السلطة اتباعه ولا من رغبة في إجراء حوار وطني حقيقي يجمع جميع الأطياف والعائلات السياسية يسبقه إفراج عن جميع الموقوفين مثلما دعا إلى ذلك البعض.
ويضيف محدثنا قائلا: «إن النظام التونسي أفرج على ما يبدو عن المعتقلين الثلاثة في إطار مناورة سياسية هدفها التخفيف من حدة الضغوط الدولية والتي جاءت من هيكل هام له وزنه هو المفوضية السامية لحقوق الإنسان. مع الإشارة إلى أن السلطة لم تستجب بالكامل لمطالب المفوضية السامية، أي الإفراج عن جميع الموقوفين من سياسيين وحقوقيين وإعلاميين وغيرهم وما زالت المحاكمات تطالهم.
وتجدر الإشارة إلى أنه من الممكن أن يتم الإفراج خلال الفترة القادمة عن عدد آخر من الموقوفين في إطار تخفيف الضغوط من دون أن يشمل ذلك رؤساء الأحزاب السياسية على غرار رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي. وقد يتم الاكتفاء بإطلاق سراح الثلاثة الذين أفرج عنهم وهم سياسي وحقوقية وإعلامي ينتمي كل منهم إلى فئة من الموقوفين الذين ينتمون إلى هذه الفئات الثلاث إذا استثنينا رجال الأعمال ومنهم كمال اللطيف».
بالمقابل يرى الناشط الحقوقي صبري الثابتي في حديثه لـ«القدس العربي» أن هذا الإفراج عن الموقوفين الثلاثة هو خطوة إيجابية من قبل السلطة تجاه المعارضة التونسية وينتظر أن تتبعها خطوات أخرى تقوم بالتهيئة لجو من المصالحة تحتاجه البلاد في هذا الوقت بالذات. فالوضع الداخلي، حسب محدثنا، متأزم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ولم تتحقق التنمية المنشودة نتيجة عوامل عديدة ومنها كثرة المديونية وارتفاع كتلة الأجور والواردات الطاقية وهو ما يقتضي تهدئة سياسية لإيجاد الحلول للوضع الاقتصادي والاجتماعي.
ويضيف محدثنا قائلا: «يبدو أن ما يصدر عن المنظمات الحقوقية الوطنية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة يتم أخذه بعين الاعتبار من قبل النظام في تونس وهو ما تجسد في عملية الإفراج الأولى عن الموقوفين. ولا يعتبر الإفراج تدخلا في عمل القضاء بما أن القضايا التي يتم بموجبها تتبع الموقوفين ما زال متعهدا بها وكل ما في الأمر أنه تم الاستناد على مبدأ أن الأصل هو بقاء الإنسان بحالة سراح والاستثناء هو إصدار بطاقة إيداع بالسجن بحقه.
وفي كل الحالات يتمنى كثير من التونسيين أن تكون هذه الخطوة بداية حقيقية لإنفراج سياسي تبدو تونس بحاجة إليه في الوقت الراهن يخفف عنها الضغوط ويفتح بوجهها أبواب الجهات المالية المانحة التي تربط الدعم الاقتصادي باحترام حقوق الإنسان وضمان الحريات. ومن المرجح أن ذلك سيحصل خلال الفترة القادمة باعتبار أن لكل مرحلة استحقاقاتها وتحدياتها، فما يصلح بالأمس لا يصلح بالضرورة اليوم باعتبار أننا في عالم متغير تحركه المصالح وتتغير فيه موازين القوى من فترة إلى أخرى».
أما الناشطة الحقوقية آمنة الشابي فترى أن إنطلاق أولى جلسات المحاكمات المتعلقة بما يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة في الرابع من آذار/مارس الجاري، قد يكون موعدا لمزيد الإفراج عن موقوفين مع منعهم من السفر وإبقائهم في حالة استعداد للمثول أمام القضاء متى طلب منهم ذلك. كما قد يكون هذا التاريخ موعدا عاديا، حسب محدثتنا، لا يتحقق فيه أي إفراج عن أي من الموقوفين ويتم تأخير الجلسة إلى موعد محدد بطلب من محاميي الدفاع أو من قبل النيابة العمومية لسبب من الأسباب.
وتضيف محدثتنا قائلة: «إن ماهو أكيد أن ضغوط المنظمات الحقوقية المطالبة بالإفراج عن الموقوفين كما أن التحركات المطلبية الاجتماعية لعديد النقابات المنضوية تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي عاد للتحرك، من المتوقع أن تزداد وتيرتها بعد فترة هامة من الركود. ويبدو أن النظام سيستجيب للكثير من هذه المطالب وسيتعامل ببراغماتية تقتضيها المتغيرات العالمية والإقليمية والمشهد السياسي الجديد في الشرق الأوسط والعالم وحتى في منطقة شمال أفريقيا التي ما زالت لم تتوضح ملامحها في ظل تدخل أكثر من طرف وأكثر من أجندة في الملف الليبي.
إن بيان المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في 18 شباط/فبراير، الذي طالبت فيه السلطات التونسية بوضع حد لما سمته سياسة الاعتقال التعسفي وملاحقة المعارضين السياسيين، يبدو أنه ساهم إلى حد كبير في الإفراج عن المعتقلين الثلاثة. ولقي هذا البيان انتقادات لاذعة من وزارة الخارجية التونسية ومن المساندين للنظام ورأوا فيه تدخلا في الشؤون الداخلية وفي سير عمل القضاء، وذلك إن دل على شيء فهو يدل على أنه أزعج كثيرا الدولة التونسية وبالتالي يرجح أنه من بين الأشياء التي دفعت إلى الإفراج عن الموقوفين الثلاثة».